عزازيل.. حجر الشيطان وبحيرة الإنسان

بقلم: محمد الأصفر
من دون شيطانها ستكون جافة

عندما تبدأ في قراءة رواية عزازيل للدكتور يوسف زيدان سرعان ما تستدعي لك ذاكرتك عدة روايات انتهجت الأسلوب نفسه في ارتكازها على أدب الرحلات أو أرشيف معلوماتي تاريخي تناول جانبا مهما من إرث دين معين مرت فتراته المتعددة بحمم من العنف والدم والخيانة والتطرف. ومن هذه الروايات على سبيل المثال وليس الحصر "شفرة ديفنشي" لدان براون، ومعظم روايات أمين معلوف، وبعض روايات بنسالم حميش وجمال الغيطاني، ورواية "اسمي أحمر" لأورهان باموق، ورواية "اسم الوردة" لإمبرتو إيكو وروايات نيكوس كازنتزاكي التي تناول في أحداثها الحراك المسيحي في اليونان وغيرها من الروايات التي اعتمدت على التاريخ وما جرت به من أحداث مهمة وشمت جلد العالم بأوشام الألم الفظيع الذي سببه السعي الدائم لامتلاك الحقيقة وفرض الرأي والدفاع عن رؤية عقلية لا يمكننا إمساك طرف جلبابها باليد، لأنها رؤية ضوئية أو نورانية أو روحانية يعجز الإنسان بما يمتلك من أدوات فهم من الإلمام والإحاطة بها من دون وجود ثقب تتسرب منه لتجلب المعارضين والمختلفين.
ولكن الدكتور زيدان في روايته هذه قد أتى بشيء جديد، وهذا الشيء هو حديثه عن الشيطان وجعله شخصية مهمة في الرواية وأساسية جدا بحيث لو تم حذفها فستنهار هذه الرواية. وعلى الرغم من المشاركة البسيطة القليلة من حيث المادة الكتابية حول شخصية عزازيل في الرواية، إلا أن هذه المشاركة والتدخلات الشيطانية في الرواية مؤثرة وفاعلة وفي محلها الإبداعي الصحيح. فشخصية الراهب المصري هيبا من دون شيطانها ستكون شخصية تاريخية جافة بل غير روائية بالمرة، لكن وجود عزازيل يلازمها جعلها تكون شخصية صادقة وفاعلة ومؤثرة وتمارس حياتها بصورة طبيعية لا تصنع فيها، ومن هنا دور عزازيل وهو اسم من أسماء الشياطين كالحجر الذي يرمى في البحيرة، فهو محرك الأحداث وهو الحصان الأسود أو اللاعب الأساسي في هذه الرواية التي لن ننكر أبدا أنها رواية ممتعة ومن أجمل ما قرأنا أخيرا.
الحياة من دون شيطان حياة ميتة، وحكمة الله أنها خلق الشيطان وجعله لا يموت وجعله يتدخل ويوسوس ويطرح الأسئلة المحيرة التي تجعل العقل يعمل ويفكر. وفي هذه الرواية يحاول الروائي أن يجد مساحة اتفاق مناسبة بين الشيطان والإنسان الذي يسكن فيه بحيث يعيشان في سلام وفي متعة. ومتى ما اتفق الإنسان والشيطان الذي يسكنه سيحل السلام في هذا العالم التعس وستجف الدماء وستتحول الآلام إلى راحة وأمان وسعادة.
عندما تختلف مع الثوابت أو ما يعتقد أنها ثوابت حتما ستثير جدلا وستلقى معارضات. وهذا ما نجحت الرواية فيه. فشيطان الرواية قد رمى حجره في بحيرة المسيحية الراكدة لتمس هذه الحجرة رؤوس النائمين وتشتعل الاحتجاجات وتشتعل الهالة الإعلامية ليتوجه الجمهور مباشرة لقراءة هذه الرواية والحكم بنفسه على ما جاء فيها وقد لعب الكثير من الكتاب هذه اللعبة ومعظمهم فشلوا في لفت النظر إلى عملهم الفني نظرا لوعي قارئ اليوم وتركيزه على قيمة العمل فنيا بعد ما يتم تجريده من البهارات الجنسية والدينية والسياسية التي وصلت رائحتها إلى أنفه، وزيدان لم يضع هذه الأمور في رأسه فكونه متخصصا في المخطوطات والتاريخ واللاهوت وعلى علم بالتاريخ والفلسفة فقد استخدم قدراته وما يمتلكه من ثقافة في كتابة هذه الرواية التي قدمت للقارئ الكثير من المتع المعرفية والتي لو قرأها في كتاب تاريخي ما وصلت إليه كما وصلت إليه عبر الرواية، والرواية في الفترة الأخيرة بدأت تعتمد كثيرا على المعلومات وعلى الدروس وكل المتخصصين في العلوم الإنسانية والعلمية سوف يقدمون معلوماتهم بهذه الطريقة الإبداعية الأقرب إلى وجدان القارئ.
ما جلبه من معلومات في هذه الرواية متوفر في الكتب بإمكان المهتمين أن يتحصلوا عليه بسهولة. لكن الرؤية الجديدة التي قدمها يوسف زيدان للشيطان وإمكان الاستفادة منه ومحاورته متى ما حاوره الإنسان وتعاطى معه بوعي ومن دون أحكام مسبقة كون الشيطان شر، ففي هذه الرواية ترى الشيطان بتدخله في حياة الراهب وهي بالطبع ضد الطبيعة الإنسانية قد مارس دورا إيجابيا وقد حاول جاهدا أن يخرج هذا الراهب من صومعته ليجعله يتزوج ويعيش حياة طبيعية ككل البشر، لكن هذا الراهب دائما يتراجع ويتردد حتى تتسرب الحياة من بين يديه ليجد نفسه في النهاية جلدة جافة يغلفها الندم والحزن النواحي جميعها.
الرواية تدعو إلى نبذ العنف ونبذ التطرف والتحصن بالتآخي والاستفادة من الأشياء السالبة بتفريغها من السلبية وزرعها بالخير مثل ما فعلت الرواية مع الشيطان نفسه الذي دائما يوسوس ليجعلنا لا نقبل الأحكام المطلقة ونفكر في الإيمان كيف ولماذا ونطرح جميع الأسئلة التي تضطرم في داخلنا ولا نطفئها إلا بإجابة مقنعة، فأسئلة الشيطان هنا حركتنا للبحث عن الكثير من الضوء ولا يجب أن ننظر إليها بمنظار التجديف والهرطقة.. لقد أوضحت هذه الرواية الصراع القائم في الديانة المسيحية بين رجال الدين ومحاكم تفتيشهم المرئية والمخفية وكيف أنهم يحولون صراعهم إلى دم أحمر منتج للموت والألم وكيف أنهم يسعون إلى الحاضر وإلى الدنيا عبر تحشيد الأتباع والتملق لأرباب السلطة السياسية الذين في الغالب يستخدمونهم لصالحهم ولكبح جماح الرعية المتطلعة للحرية بواسطة أدعيتهم وصلواتهم وشعائرهم. وينسحب هذا الأمر على بقية الديانات المسماة سماوية أو غيرها من الديانات الموجودة في العالم حيث ترى الصراع محتدما دائما وإن خمد لفترة قصيرة فهو هدنة ماكرة ليس إلا من أجل اشتعال أعنف.
لقد كافحت هذه الرواية طويلا وخلال كل صفحاتها من أجل أن تجعل للإنسان وجها بهيا عبر عدة شخصيات يتقدمها الراهب هيبا وصديقه رئيس الدير وصديقه الأسقف نسطور وصديقه الراهب المتشدد والعشيقة مارتا وقبلهما الفيلسوفة هيباثيا والعشيقة اوكتافيا اللتين قتلتا من الغوغاء أمام عينيه وبالطبع يتقدم هذه الشخصيات الشيطان عزازيل الذي هو بميزان ومحرك للأحداث والدفع بها إلى نهايات مقبولة ومتوقعة ومنتجة للعبر والدروس.
في الرواية انحياز للثقافة والكتب والمكتبات والرقوق وحب عميق للأدب يعيش في قلب الروائي ويلازمه في لاوعيه إلى الأبد وذلك لأن الروائي زيدان قضى حياته بين المخطوطات والكتب والورق فجعل لبطله هيبا خرجا به كتب ممنوعة ومباحة وجعل في الرواية حيزا كبيرا لمكان اسمه المكتبة ودخل الكتاب والرسالة والرق والورقة وورق البردي في الكثير من الأحداث وهذا أعتبره إخلاصا لأفيون الوراقين والخطاطين والنساخين والحبر النازف من قلب هؤلاء العشاق جميعا.. في الرواية أيضا مقارنات كثيرة بين شيئين يشبهان لنفسهما في المادة مثل مقارنة الكاتب عبر الراهب هيبا لفضائل ومثالب الماء عبر عقد مقارنة بين ماء البحر الذي كاد أن يغرقه في الإسكندرية وماء النهر الذي عاش وولد على ضفافه وقد عقد العديد من الروائيين مثل هذه المقارنات والغرض منها هو تمجيد الأصل والعودة إليه. فهيبا يعتز بالنيل ويدين البحر وابراهيم الكوني في روايته السحرة مثلا ينحاز إلى الصحراء ويدين الواحة الظليلة الخصبة على الرغم من أنها أنقذته من العطش كذلك يمجد الجمل سفينة الحصار ويدين الحصان والحمار والبغل.
من خلال سيرة هذا الراهب المصري وسفره من الصعيد عبر النيل إلى الإسكندرية ومنها إلى بلاد الشام وحتى أنطاكية مارا بعدة ديور ومدن تنتشر فيها المسيحية وتعتبر مراكز عبادات كبيرة لها كأورشليم وفي كل مدينة يرى من الجرائم المؤلمة والشبيهة بفضائع حياته هو بالذات كقتل أبيه المتسامح مع الوثنيين من قبل المتطرفين المسيحيين على مرأى منه وخيانة أمه بالوشاية في أبيه والزواج بأحد قاتليه وسحل الفيلسوفة حية هيباثيا وقتل عشيقته أوكتافيا بوحشية، هذه الحياة هي حياة كل إنسان يعيش الآن ولو أن الأحداث اختلفت، فإنسان هذا العصر لابد وأن يكون قد عانى من مثل هذه الجرائم في حقه، فلا أحد لم يفقد قريب أو صديق أو حبيب في هذا الزمن الآثم المكتظ بالجرائم الوحشية في كل كيلو متر منه.
هذه الرواية هي دعوة للتسامح وغربال لتنقية الدين بتركه كما هو وعدم الاختلاف فيه كثيرا خاصة في قضايا اللاهوت التي لن يصل فيها المتناقشون والمتجادلون إلى نتيجة لأن رؤى الإنسان مختلفة من إنسان لآخر وهذه القضايا اللاهوتية هي مثل القضية التي تطرحها الديوك دائما من جاء أولا الدجاجة أم البيضة، فلا داعي لأن نتحارب أو نتقاتل ودعونا نعيش كما يرى المؤلف في إحدى أجزاء الرواية كالحمام البري الذي لا تختلف فيه أنثى مع ذكر يعتليها أو العكس فالمتعة والحياة متاحة للجميع وزيارة هذا الحمام البري إلى الدير كانت كي يعطي درسا في السلام أهم من الدروس التي تعطيها دور العبادة وتحرص عليها والتي أثبتت أنها دروس لا تؤدي دائما إلى نتيجة ولا تجعل الإنسان معصوما من المعصية كما حدث للراهب هيبة الضعيف أمام النساء الجميلات اللاتي يشبههن بالملائكة لكنه يعيش الحياة الفطرة معهن وهي الارتواء منهن وما إن ينتهي حتى يفكر ويقرر أن لا يقدم عشرين عاما من الرهبنة مهرا لأنثى قد تخونه مع حلبي أو جندي روماني ولأنها تعيش بالمقابل حياتها الفطرية فسوف تفعل وتترك له رسالة من كلمة واحدة (مضطرة) فتصيبه الحمى ويمرض للجرح ثم يشفى ويتقوقع مع شيطانه في صومعته متحاورين بدهاء وباحثين عن مغامرة أخرى يخرجان منها بأقل الخسائر.
هذه الرواية تحاول أن تصيغ لنا قانون إيمان جديد، قانون غير مكتوب، يتبناه بشر العالم كلهم ويعيشون في ظله، القوانين المكتوبة أثبتت فشلها ودائما تثقبها ظروف الزمن وتغيراته وتسحلها وتهريها وتفرغها من محتواها، وهي رواية فلسفية، تحرك الفكر وتجبرك على أن تقرأها مجددا للوقوف على ما تفجره كل يوم من أسئلة جديدة، لقد كانت شخصية هيبا شخصية إنسانية مملوءة بكل تناقضات الإنسان، شخصية مشحونة بالإيمان وبالتخلي عن هذا الإيمان إخلاصا لرغبات القلب والجسد والروح في أي لحظة ومن هنا نعرف أن الإيمان ليس قفلا محكما وليس سجنا وهو شيء اختياري لا يمكن لأحد أن يفرضه على الآخر بالقوة ومتى ما ابتعدت القوة عن الحياة صارت الحياة جنة وحل السلام واتسعت ابتسامة البشرية إلى أقصى مدى.
العالم الآن يحتاج إلى مثل هذه الكتابات التي تنقي ثوب الحياة ودفئها من الجليد والدم وجميل أن تأتي هذه الكتابات من أناس متخصصين في مجالهم لكن هذا الموضوع سيفتح أيضا الكثير من الأبواب سنقرأ ربما قريبا وحسب توقعاتي كتبا روائية ستمس الموروث الإسلامي وستعرض على دائرة البحث الإبداعي معتمدة على التاريخ قضايا التطرف الإسلامي وقضايا السنة والشيعة والكثير من الأشياء والقضايا المختلف فيها في التاريخ الإسلامي لكن أتوقع أن لا تجد مثل تلك الكتابات الاهتمام الأدبي المناسب كونها لا تتحدث عن المسيحية أو اليهودية المسيطرتان على آلة الإعلام العالمي الآن وهذه الرواية عزازيل سيتم تناولها سينمائيا أو تلفزيا لأنها تمتلك مقومات النجاح الدرامي لتركيزها على الأكشن وعلى تعدد الأماكن وما بها من لوحات حياتوية تقدم صورة حية لزخم الحياة آنذاك ولاعتمادها على قضية أبدية وهي الاختلاف والشيطان والخلاف اللاهوتي وهذه القضايا لن تنتهي أبدا حتى لو تجددت الحياة، وشخصية عزازيل في هذه الرواية وهي شبيهة بمقص الرقيب الذي يتدخل كلما أراد وأحب والتي تذكرني أيضا بشخصية أبي قطرة التي شاهدتها في إحدى المسلسلات العربية التي يبثها التلفاز الليبي فترة ثمانينيات القرن المنصرم حيث ينبثق ضوء متعرجا ومشوشا ليوسوس لبطل المسلسل بما يلزم عمله ضاغطا على تفكيره ومصنع قراراته بكل ثقله الشيطاني.
وجميل جدا من هذا الروائي أن يذكر في أكثر من مكان في الرواية البنتوبولس (المدن الخمسة الليبية) التي كانت تتبع كنيسة الإسكندرية وهذه المدن والتي أجريت حولها مؤخرا الكثير من الأبحاث الأثرية حيث تم اكتشاف كهوف يعتقد أنها كنائس قديمة بها نقش القديس مرقس وأسده وهذه المدن هي أرض بكر للكتابة الروائية لغنائها بالموروث التاريخي الإغريقي والروماني والإسلامي ولذكرها في كثير من مدونات التاريخ الهامة ككتاب هيرودوت وكتب القورينائيين ولقد ترجم الفيلسوف الراحل عبدالرحمن بدوي الكثير منها.
هذه الرواية تقول لنا أن الحياة لغز وأن الشيطان قدر لابد منه علينا أن نتعايش معه وأن نستغله لمنفعتنا ونستفيد من حياته الأبدية لحياتنا القصيرة وبالتعبير الدقيق أن نكون نحن شياطين لهذا الشيطان الساعي لتوريطنا دائما فنورطه في شيء اسمه المحبة والسلام والصدق والتعايش الودود بين أمم الأرض كافة، والإبداع قادر على فعل ذلك. محمد الأصفر – ليبيا