لزوم ما يلزم

بقلم: صباح علي الشاهر

هل يوجد إرهاب في العراق؟ لا أحد بمقدوره أن يجيب بالنفي، فالإرهاب في هذا البلد المُبتلى متعدد الأشكال والوجوه، يتدرج من إرهاب المحتل وشركات الحمايات الخاصة، والمخابرات الأجنبية، إلى إرهاب التكفيريين والعصابات، دون إغفال إرهاب المليشيات، والعناصر المجرمة المحسوبة على قوى السلطة.
تحديد الإرهاب هنا لا يحتاج إلى جهد، فكل ما يمس أمن وكرامة وحياة الناس، سواء عبر إستهداف البنى التحتية، أو المؤسسات الخدمية، أو الأجهزة الحكومية، أو المصالح العامة، ومصالح الإفراد الخاصة، التي ينبغي أن تكون مُصانة بحكم العرف والقانون، أو أي فعل من شأنه أن يُعقد حياة الناس، ويتسبب بحرمان المواطن من حقه الطبيعي في أن يعيش آمناً مطمئناً و قادراً على مزاولة عمله وحياته بشكل إعتيادي. كل عمل من هذا القبيل يُعد إرهاباً، مهما كانت الذرائع والحجج، والإرهاب بهذا المعنى على الضد من أي مصلحة وطنية أو إنسانية، وبالتالي لا يمكن لأي فرد أو جماعة يدعون العمل على خدمة الوطن والمواطن جعل الإرهاب منهجاً وسلوكاً لعملهم ونشاطهم السياسي.
الارهاب بهذا المعنى موجود في العراق وعلى نحو لا مثيل له، ولم تشهده أية دولة أخرى في التأريخ المعاصر، وعليه فإن المواطن العراقي خضع ويخضع الآن لقهر وعنت وإضطهاد وقمع وسلب لآدميتة كما لم يحدث لأي مواطن آخر في العالم. من هنا فإن إدانة أعمال الأرهاب والوقوف بوجهها يندرج في سلَّم الأولويات بالنسبة لكل القوى الحيّة وعلى رأسها المقاومة الوطنية المسلحة، ولكن هل توجد مقاومة مسلحة في العراق؟
ليس سوى أعمى بصر وبصيرة ذاك الذي لا يرى الفعل المقاوم الذي أقر بوجوده وفاعليته العدو قبل الصديق، ومثلما أن فعل الإرهاب واضح وبيّن، فكذلك فعل المقاومة، كنقيض لإرهاب الإحتلال وإرهاب الإرهابيين، ورغم كل التعتيم فإن إنجازات المقاومة تتحدث عنها أرقام المحتلين، الخفية منها، والمُعلنة.
الإحتلال، والإرهاب، والمقاومة المسلحة، ثلاثة قضايا ليس بمقدور أحد إنكار وجودها، أو أنكار وجود أحدها، علماُ أن هذا الوجود مُستحدث وطاريء في البلد. الثاني والثالث متعلقان بالأول، وهما نتاج للمُسبب وهو الإحتلال، وأغلب الظن أن وجودهما الطاريء سينتهي حال زوال المسبب، ألا وهو الإحتلال، وهذه جدلية ليست مُعقدة، أو صعبة الفهم والإدراك، لمن لا يريد الدخول في دائرة البحث عن الإشياء خارج منطقها.
إزالة الإحتلال ستتسبب بداهة إن لم يكن بإنهاء الإرهاب فبإضعافه إلى أبعد مدى، كما أنها ستنهي المقاومة المسلحة التي لم تنبثق إلا بسبب وجود الإحتلال.
ليس من مصلحة المقاومة التي تحرص على سلامة البلد والمواطنين وجود الإرهاب، أن مشروعها التحرري والنهضوي هو على الضد تماماً من الإرهاب وهو متناقض تماماً مع ما يستهدفه الإرهاب وما يخلفه، أنها تسعى لإعطاء قوّة المثل على قدرة وطاقة المواطنين على مواجهة الإحتلال. أنها تعمل على تفجير طاقات الرفض الخلاقة، أما الإرهاب فهو يقضي عملياً على قدرات الناس، ويحيل حياتهم إلى رعب دائم، ويضعف مقومات الصمود لدى عامة الناس الذين سيضطرون إلى الإمتناع عن العديد من النشاطات الإنسانية الضرورية. المقاومة تحرص على المواطن العراقي، وتحمي المواطن العراقي من أي مذهب كان أو من أي دين كان، تحميه لأنه عراقي، فهي ما وجدت إلا للدفاع عن كرامته وأمنه، والإرهاب يقسّم المواطنين إلى سنة وشيعة، كفار ومؤمنين، مسلمين وغير مسلمين، شعاره (كل من هو ليس منا هو ضدنا يجب قتله). المقاوم يترّصد المحتل وأذنابه، والإرهابي يترّصد السني لأنه ليس شيعياً، ويترّصد الشيعي لأنه ليس سنيّاّ، ويترصد المسيحي لأنه ليس مسلماً، والذين قيّض لهم البقاء في البلد ومزاولة العمل السياسي المناهض للإحتلال يستطيعون أن يدلوا بدلوهم في هذا المجال، يستطيعون أن يحدّثوا من هم في الخارج عن تعذر العمل، أي عمل بسبب الإرهاب، وبسبب عدم قدرة المواطن على التحرّك، خلِّ عنك على قدرته على الإتصال بغيره والتنسيق مع الآخرين. أن إشاعة بيئة كهذه أمر مناسب تماماً للمحتل لفرض سيطرته على البلد، وإجبار الناس على البقاء في بيوتهم أغلب الوقت. أن إلصاق تهمة الإرهاب وإشاعته بالمحتل وإذنابه مسألة تمتلك الكثير من الوجاهة والراهنية، وتصل إلى حد اليقين، مع أن هناك "إرهابيين" غير مرتبطين بالمحتل، وربما هم ولحسابات مختلفة معادين له، إلا أن الإرهاب يظل بمجمله في خدمة المحتل وفيه تبرير لوجوده، وهو إذ يشوّه صورة الكفاح المسلح، وإذ يعّقد الخارطة، وإذا يدمج العمل المقاوم النبيل بالعمل الإرهابي البشع، يعمل بشكل مثالي على خدمة المحتل وأهدافه، ويسهّل له مهمته، ويعطي للخونة ومطايا الإحتلال حجة ومبرر لحرف الصراع عن مساره الطبيعي، وإظهار الخونة بمظهر المدافعين عن المواطن وأمنه، وإظهار المقاومين بمظهر الذين ينتقمون من الناس لأنهم لم يثوروا بوجه المحتل.
الإرهاب الذي أطلقه أو رعاه المحتل هو من أجج الصراع الطائفي، والإرهابيون العنصريون، والتكفيريون، والطائفيون هم من قتل على الهوية، وهجّر على الهوية. هم الذين فجّروا الجوامع والحسينيات والكنائس، وقتلوا الناس في الأسواق، وفصلوا رؤوس الضحايا عن الأجساد، وهؤلاء عملوا تحت سمع وبصر المحتل، وقاموا من حيث علموا أم لم يعلموا بالمهمة القذرة التي كان يقوم بها جنود ومرتزقة الإحتلال والهادفة إلى إضعاف وإذلال الشعب، وتحطيم قدراته.
لم يكن بإمكان المحتل ولا أذنابه خلق كل هذا الكم من القتل والفوضى والدمار لو لم يجدوا تلك الأدوات الغبية المتخلفة، التي كانت خير معين لهم لتمرير مخطط الإحتلال الأسود، وبعد أن كان جنود الإحتلال وعملائهم مذعورين ومحاصرين في أماكن محدده، يتصيدهم الأحرار عندما يغادرون مواقعهم المحصنة، بات المواطن العراقي هو المذعور والمحاصر في بيته، وحارته، ومدينته وبلده. باتت الأسوار تقف بوجهه أينما أتجه، والموت يترصده أنّى سار، فهل بعد هذا ثمة من لا يعرف الآن لزوم ما يلزم. صباح علي الشاهر