اليسار العراقي الوطني على طريق النهوض والوحدة

بقلم: باقر ابراهيم

نشأت الشيوعية وحزبها في العراق أوائل القرن الماضي، تعبيرا عن ضرورة وطنية، سياسية واجتماعية، لتحقيق أهداف تحرير العراق من الاستعمار، ولتغيير حياة الكادحين، وقيام نظام وطني بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية.
إن الجمع بين جانبي النضال ضد الاستعمار الأجنبي، وضد الطغاة المحليين، كان السمة التي ميزت مواقف الحزب الشيوعي العراقي طيلة الحقبة الطويلة من حياته.
لذلك فقد شارك نضال الوطنيين الآخرين من جميع الاتجاهات العقائدية والسياسية، لتحقيق ما هو مشترك من الأهداف.
في هذه المسيرة، حقق شيوعيو العراق، مع الوطنيين الآخرين، منجزات هامة في مقدمتها الاستقلال الوطني وتطوير الحياة السياسية وأعمار البلاد... كما قدموا في هذه المسيرة أيضاً تضحيات غالية في مقدمتها الشهادة في النضال... وهم في ذات الوقت، وقعوا ايضا، بالأخطاء التي أضرت بتلك المسيرة وأضعفت منجزاتها وعرّضتها لأخطاء أستثمرها أعداء الوطن والشعب، وفي مقدمتهم الإمبريالية العالمية بقيادة التحالف الأنكلو أميركي الصهيوني.
ان الأخطاء والعثرات لدى الوطنيين، يمكن النظر في معالجتها واقتراح سبل العلاج لها. ولكن ما لا يجوز قبوله أن يستخدم اسم وتاريخ هذا الحزب العريق بوطنيته، والمشهود له بالثبات على المبدأ، إلى الصف المتعاون مع غزاة الوطن والمشاركة في التمهيد لذلك الغزو والدخول في مؤسساته الاحتلالية.
وللأسف فلم يكن هذا الموقف البعيد عن متطلبات الالتزام الوطني والمبدئي، ابن يومه، فهو جرى التمهيد له والتخطيط للانخراط فيه، منذ سنوات طويلة سبقت احتلال العراق... كما لم تكن القيادة التي تنطق زورا باسم الحزب الشيوعي العراقي قد انفردت لوحدها بموقفها هذا، بل شاركت فيه أحزاب وقوى أخرى، إسلامية وكردية وليبرالية.
إن نظام الاستبداد السابق قد أضر بأخطائه السياسية وبنهجه الدكتاتوري كل شعبنا وعرض البلاد، لأوضاع مأساوية... ولكن لا يجوز القبول بذريعة الخلاص من الدكتاتورية باللجوء إلى تدخل العدو الأجنبي الطامع في بلادنا كما فعلت القيادة المرتدة للحزب الشيوعي العراقي والأحزاب والأطراف الأخرى التي تعاونت مع المحتل.
إن الارتداد عن مباديء النضال الوطني والقومي والاممي، لا يقتصر على القوى العراقية التي هرولت من معسكر الرفض والتغيير لتدخل الخيمة الأميركية، فنموذج هذه القيادة موجود أيضاً في كل البلدان وفي كثرة من الاحزاب التي ارتدت عن ثوابتها المبدئية، كما نلمس ونشاهد الآن.
لكن مثلما كان الاستبداد في نظام الحكم نموذجيا وصارخا في العراق، فقد كانت الردة والانقلاب على الوطنية نموذجية وصارخة فيه أيضا... وما دمنا قد تحدثنا عن جوانب السلب والنموذجية، فيلزم ان نضع اليد أيضا على أصالة شعب العراق وأصالة الكثير من قواه ومناضليه، ومثقفيه التي هي من صلب تكوين هذا الشعب وهذه البلاد.
فرغم وحشية الأعداء الجدد وخيانة وغدر المتعاونين معهم، ورغم مرارة العذاب والتضحية المطلوبة، فقد كان أهل العراق نموذجيين في مقاومتهم لاحتلال وتدمير واذلال بلادهم.
إن وقفة شعب العراق ضد الاحتلال، ونهوض المقاومة، منذ ست سنوات مرت، وأنخراط قوى ومنظمات وشخصيات وطنية، من جميع الاتجاهات السياسية، بفعاليات متصاعدة في المقاومة وفي حركة رفض الاحتلال، ومن أجل تحرير العراق وتقدمه، تدحض تلك التبريرات باللجوء إلى خيار التعاون مع المحتلين، أو الدعوة للانتظار وإعطاء فرص أخرى لمعرفة نواياهم، أو لمحاربتهم.
لقد سجل التاريخ، إن القيادة الحالية للحزب الشيوعي العراقي، أفلحت في توريط اسم الحزب للسير في دروب خدمة الاحتلال، والتنكر للوطن والوطنية. إنها حولت الحزب إلى مؤسسة ترتضي الاحتلال كمقدمة جرى التحضير لها قبل أكثر من عقد من السنين وما يشرّف السجل الشيوعي الناصع في العراق، إن الآلوف من شخصياته المعروفة، ومن أعضائه وأصدقائه قد رفضوا في وقت مبكر السير في ذلك الدرب.
وإن الكثير من هؤلاء قد واصلوا مسيرة النضال الوطني من أجل التقدم، وهم اليوم يكونون فصيلا مهماً فيها.
وعلى الرغم من اننا تجنبنا قيام التنظيم الحزبي بمقوماته المعروفة، لكن تيارنا، بتجمعاته وشخصياته، له حضور واضح ومشاركة فعالة في مؤسسات النضال من اجل التحرير وقيام عراق ديمقراطي.
وما تجدر الإشارة إليه، أنه تحت وطأة الإحساس بالمأساة التي سببها الاحتلال الأميركي، والمتواطئون معه، لشعبنا وبلادنا، فان وسطاً مهماً، ممن ظلوا يعملون داخل الحزب الشيوعي العراقي، بدأوا يعيدون النظر باتجاه مراجعة موقفهم من السياسة التي رسمها لهم قادتهم... ويحق لكل الوطنيين الصادقين، أن يرحبوا بهذه العلامات من التحول الايجابي، على بساطتها الآن، وكذلك ببروز الأفكار والدعوات الباحثة عن سبل تطوير عمل اليسار الشيوعي المقاوم والرافض للاحتلال وفرص توحده.
تنخرط في الدعوة لنهوض اليسار الشيوعي وتجديده وتوحيده، جهات وشخصيات مخلصة وموثوقة في تاريخها النضالي. ولكن، من الضروري الانتباه إلى أن بين الداعين أيضا، جهات وشخصيات تفتقر إلى التزكية النضالية، تلبست منذ فترة طويلة، ثوب اليسار الزاهي، ثم لتزايد في إعلان المواقف ما فوق الثورية.
ويسجل التاريخ القريب، ان بعض هذه الجهات، كانت قد بدأت فعالياتها بتوزيع بياناتها "الثورية"على ابواب مقرات الحزب الشيوعي وصحافته بحرية وعلى مرأى ومسمع الاجهزة القمعية، في ذات الوقت الذي كانت تحاصرتلك المقرات والمنظمات الحزبية، وتنزل بها الضربات المتلاحقة عامي 1978- 1979.
ومن المعلوم، ان نظام الاستبداد، استخدم طاقما من الشيوعيين المتخاذلين والمتعاونين مع اجهزته القمعية في الحملة الاعلامية التي هيأت ورافقت الحملة الارهابية لتصفية الحزب.
إني اذكر هذه الحقائق في وقت كنت فيه المسؤول الاول في قيادة الحزب داخل الوطن، في تلك الفترة العصيبة. وبعد انتقال مركز ثقل الحزب الى بلاد المهجر، نقلت نفس الجهات فعالياتها بيسر هناك.
اما الحملة الفكرية والاعلامية، التي هيأت لغزو العراق واعقبته، فقد نشرت الفضائح عن الاعداد الضخم الباذخ لها، والذي شمل طواقم من الدعاة واعلاميين من مختلف الاتجاهات، بينهم مرتدي اليسار الشيوعي، وقادة احزاب ومؤسسات دينية وصحافة وفضائيات ومنظمات المجتمع المدني.
***
تبرز دائما في المنعطفات والظروف الصعبة، القوى والشخصيات الوطنية الاصيلة، التي تدافع عن حقوق الشعب ومصالح الوطن.
وفي المقابل، تبرز أيضا قوى أخرى، خاصة في ظروف انعدام المؤسسات الديمقراطية، تتخذ من التخاذل والخيانة منهجا، كما تلجأ قوى وشخصيات أخرى، مستغلة ظروف الإحباط، إلى الهروب بعيدا للإمام بادعاء الثورية واليسارية.
لكن ما يميز جدية ومصداقية أية جهة سياسية مناضلة هو: وضوح منهجها وممارساتها في الواقع وموقفها من المشاركة والتعاون مع القوى الوطنية الأخرى، وعقلانية طروحاتها واساليب نضالها، وأخيرا حرصها على تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة او الآنية.
اما الظواهر الشاذة والطفيلية، وكيل الشتائم للآخرين، ومن ذلك دق طبول الحرب والعداء للتيار الشيوعي المكافح ضد الاحتلال، فهي لا تنتمي الى الفكر والسياسة، بل الى بيئة وحالة مرفوضة، تنتهي بزوال مسبباتها الشاذة، وينبغي إن توضع تحت مجهر الفحص لدوافعها ونواياها.
فمن المفارقات التي شهدتها الحقبة التي سبقت ورافقت الاحتلال الاميركي للعراق، انه قد تهاوى امام جزرة وعصا المحتل من مناضلي الامس المزيفين، ليس من عرفوا بميولهم المهادنة والتساومية فقط، بل كذلك من ركبوا موجات التطرف اليساري، فتقاربوا وصاروا "في الهوى سوا".
إن مهمة هؤلاء، ليست مجرد أن تكون قنابل موقوتة داخل أي بديل يساري نضالي مقبل، بل كذلك للحيلولة دون ظهوره، أو التشويش عليه على الأقل.
كما تتضح لهم مهمات أخرى، تضع كل المناضلين امام التساؤلات المشروعة التالية: لمصلحة من يجري افتعال المعارك الجانبية ضد اليسار الوطني، ونبش قضايا الماضي وتزييفها، وخلط الاوراق وصرف الأنظار عن العدو الرئيسي لشعبنا، وإعاقة أي جهد لتوحيد اليسار والقوى الوطنية الاخرى، على أسس سليمة.
وعلى النقيض من ذلك، فقد أكدت مسيرة هذا اليسار المكافح إن انتعاش دوره، هو نتاج وقفاته المشهودة في المنعطفات التي مرّ بها داخلياً وعالمياً... فمن مآثره، انه كان الأجدر بالتمسك بمباديء النضال الأساسية التي نشأ على أساسها، والأقدر على تخطّي الجمود، وعلى النزوع نحو التجديد.
وطيلة السنوات الستة الماضية، أنزلت كارثة الاحتلال، الأذى بكل فئات شعبنا، لكن النصيب الأكبر منه أصاب كادحي وفقراء الشعب... لذلك ظل اليسار الشيوعي أمينا على تقاليده في الربط بين الدفاع عن مصالح كادحي وفقراء الشعب، وبين النضال ضد النهب والسيطرة الاستعماريتين اللتين كانتا الدافع الأول لاحتلال العراق.
أما مأثرته الأخرى، ان هذا اليسار المكافح، على ضآلة فرصه، وشدة المحاربة له وتشويه مواقفه، فقد ظل رائدا في الدعوة لوحدة قوى النضال الشعبي، لذلك تزداد الآن الحاجة الوطنية لدوره. باقر ابراهيم