المفقودون، ملف سوري ـ لبناني شائك

زهيرة نجار رأت ابنها عبدالله آخر مرة عام 1982

بيروت ـ رأت زهيرة نجار، 66 عاماً، ابنها عبدالله آخر مرة عام 1982 وكان عمره 17 عاماً حينئذ.

فقد كانت الأسرة في بلدة بحمدون، وهي منتجع سياحي يقع شرق بيروت، عندما وصلت الحرب الأهلية في لبنان - التي امتدت 15 عاماً - أوجها.
وقالت زهيرة إن القوات السورية وحدها كانت تسيطر على الأرض عندما خرج عبدالله ليجد وسيلة نقل تقله إلى العاصمة لعلاج ساقه المصابة، ومنذ ذلك الوقت لم تسمع زهيرة عنه أي خبر.

وقالت الأم المكلومة وهي تسحب صورة ابنها بالأبيض والأسود من محفظتها "لا استطيع وصف شعوري. إنه قلب الأم الذي يبكي دماً...ولكننا ما زلنا نعيش على الأمل".

وعبدالله هو من بين 643 "ضحية اختفاء قسري" على قائمة لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين "سوليد" ووفقاً لشهادات أسرته.

وتقول المنظمة إن معظم هؤلاء تم اعتقالهم من قبل القوات السورية خلال فترة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 أو تم تسليمهم من قبل المليشيات اللبنانية والفلسطينية المتحالفة لإخفائهم في السجون السورية.
كما تم اعتقال البعض على يد الجيش اللبناني أو السوري خلال التسعينيات عندما كانت القوات السورية تتمتع بنفوذ في لبنان.
ومنذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، حاولت صونيا عيد معرفة مصير ابنها جهاد، الذي كان يقاتل في صفوف العماد ميشيل عون الذي ثار ضد السوريين مع نهاية الحرب.
وقد اكتشفت حينها أنه قد نقل إلى مقر "فرع فلسطين" في المخابرات السورية في دمشق.
وفي عام 2002، كانت صونيا من بين مجموعة من الأمهات اللواتي سمح لهن الذهاب إلى هناك، وقالت عن تلك الزيارة "رأينا سبعة سجناء يمرون على بعد 200 متر وعيونهم مغطاة. بدا أحدهم وكأنه هو ولكنني لست متأكدة...سيقوا مثل الخراف..وكانوا مكبلين مع بعضهم البعض وتم دفعه بكعب بندقية".
ولكن لم يتمخض عن وعود السوريين بمراجعة هذا الملف أي نتائج وبردت القضية.
ورأينا سبعة سجناء يمرون على بعد 200 متر وعيونهم مغطاة. وبدا أحدهم وكأنه هو ولكنني لست متأكدة...سيقوا مثل الخراف..وكانوا مكبلين مع بعضهم البعض وتم دفعه بكعب بندقية.
وأضافت صونيا قائلة "نحن نعيش في كابوس..إنها كارثة. لدي إيمان بأن جهاد سيعود. أشعر أنه ما يزال على قيد الحياة".

وانسحبت القوات السورية من لبنان عام 2005 تحت ضغط شديد عقب اغتيال الرئيس اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وقد اتهم الكثيرون من لبنان والغرب سوريا بالضلوع في مقتله، إلا أن دمشق نفت تورطها في تلك الحادثة.
وقال غازي عاد، أحد مؤسسي لجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين "سوليد" خلال اعتصام المجموعة الأسبوعي في وسط بيروت "نحن متأكدون أنه ما يزال هناك لبنانيون على قيد الحياة في السجون السورية...لقد تغيرت الأمور بعد عام 2005 وعلينا إقفال هذا الملف".
وكانت سوليد حققت بعض النجاحات حيث تمكنت من إطلاق سراح 121 معتقلاً من السجون السورية في مارس/آذار 1998 و54 غيرهم في ديسمبر/كانون الأول عام 2000، ولكنها لم تحقق تقدماً كبيراً خلال الأعوام الثمانية الماضية.
وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2008، أقامت سوريا ولبنان علاقات دبلوماسية بينهما لأول مرة منذ استقلالهما من الحكم الفرنسي في الأربعينيات.
ولكن لم يتم إلى الآن تبادل السفراء بين الجانبين.
وأغضب وزير الخارجية السوري وليد المعلم العديد من اللبنانيين بسبب تصريحاته التي قال فيها إنه طالما انتظرت الأسر لهذه الفترة الطويلة من الزمن، يمكنها أيضاً "الانتظار لبضعة أسابيع".
ولكنه أفاد أيضاً أن هذه القضية مهمة جداً لتحسين العلاقات بين البلدين، وهو ما اعتبره عاد من منظمة سوليد اعترافاً غير مسبوق من قبل مسؤول سوري بأن هناك مفقودين لبنانيين في السجون السورية.
وأضاف قائلاً "إنها الخطوة الأولى. ولكن يجب أن تحث على فتح تحقيق في المستقبل وألا تبقى تصريحات فقط".
كما أفاد المسؤولون السوريون أنهم سيقومون بتحقيق في اختفاء قرابة 800 سوري يقولون أنهم في السجون اللبنانية.

وتم تشكيل لجنة في يونيو/حزيران 2005 تجتمع بصورة دورية على الحدود لتبادل المعلومات.
وقال عاد إن اللجنة لديها السلطة لجمع المعلومات ولا يمكنها التحقيق أو البحث عن شهود عيان.

ودعت سوليد ممثلي أسر المفقودين والمنظمات غير الحكومية المعنية بالانضمام إلى اللجنة وطالبت بتمديد فترة عملها.
ولكن عاد قال إن مسؤولين في وزارة العدل السورية أخبروه أن الجانب السوري رفض طلبهم.

ولم يستطع مصدر في وزارة العدل اللبنانية تأكيد أو نفي صحة عدد المفقودين الذي قدرته سوليد ولكنه أفاد أن اللجنة ما تزال تجمع المعلومات.
وقال وزير العدل إبراهيم النجار في أغسطس/آب إن لبنان طلب من سوريا الكشف عن مصير 745 مفقوداً لبنانياً في سوريا.

وقال المصدر "يعتمد حل القضية على السوريين...فعلى الأقل نحن نعرف الآن أن هناك أحياء في السجون (السورية)".

وعبّر الخبير الجنائي والمحرر القانوني في صحيفة الأخبار المستقلة الموالية للمعارضة عن تفاؤله الحذر قائلاً إن الزيارة التي قام بها وزير الداخلية اللبناني زياد بارود إلى دمشق في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي خلقت أجواءً إيجابية.

وأردف قائلاً "ولكنها ليست كافية. لا بد أن يبدأ الآن تنسق قضائي ـ إنها الطريق للسير قدماً"، مضيفاً أنه يأمل أن يحدث ذلك قبل نهاية هذا العام.(ايرين)