في العراق بصرة ليست كالبصرة

البصرة (العراق)
أين مدينتي؟

تجادل أسرتي في بريطانيا مع جيرانها بشأن الضوضاء لكن احدى الشكاوى لاولاد عمومتي في العراق كانت استضافة جيرانهم لمقاتلي تنظيم القاعدة المتخفين في زي النساء.

قابلت عماتي واعمامي وأولادهم للمرة الاولى في زيارة قمت بها في الاونة الاخيرة الى البصرة بجنوب العراق ذي الاغلبية الشيعية والتي اضطررت الى مغادرتها قبل 28 عاما للعيش في بريطانيا. كان بعض اولاد اعمامي يشبهونني وكانوا في مثل سني تقريبا لكن حياتنا مختلفة جدا.

كانت البصرة في وقت من الاوقات خط المواجهة الامامي في حرب العراق مع ايران وفرت عمتي الشيعية واولادها الخمسة في الثمانينات وذهبوا للعيش في الانبار بغرب العراق وهي محافظة ذات اغلبية سنية.

اخبرتني عمتي انهم كانوا محل ترحيب من الناس هناك الى أن بدأت أعمال العنف الطائفي بعد وقت قصير من الغزو بقيادة الولايات المتحدة للعراق عام 2003.

حضرت مجموعة كبيرة ممن بدا أنهن نساء جميعهن ترتدين عباءات سوداء تلف اجسامهن الى باب جيرانها ثم رفعن النقاب ليتضح انهم مقاتلون ملتحون من تنظيم القاعدة.

وجاء أعضاء تنظيم القاعدة وغيرهم من المسلحين السنة الذين جرى تهريب كثير منهم من دول مجاورة ليسيطروا على الانبار في ذروة أعمال العنف المناهضة للولايات المتحدة.

واضطر أبناء عمومتي الى السماح لاعضاء من تنظيم القاعدة بدخول منزلهم وتظاهروا بأنهم من السنة ومع تقديم 700 دولار لهم "كتبرع" تظاهر أعضاء القاعدة بأنهم يصدقونهم.

ومضى ابن الجيران في نسف نفسه في تفجير انتحاري فاشل ووزعت امه الحلوى احتفالا "باستشهاده".

وبلغ الحقد الطائفي درجة من السوء خرجت معها نداءات من ماذن المساجد تطالب السنة بقتل الشيعة وكان المسلحون يأتون لباب عمتي يسألون عن ابنائها ومن ثم فرت الاسرة مرة اخرى عائدة الى البصرة.

وبالنسبة لعمة اخرى وهي سنية لم تكن البصرة ملاذا. فقد اختطف أخو زوجها واحتجز مقابل فدية. وعاد وقد اوسع ضربا.

والى أن شنت حملة أمنية حكومية في مارس/اذار الماضي كانت المدينة الغنية بالنفط ذات الاغلبية الشيعية تديرها الميليشيات والعصابات المسلحة.

ورغم العنف الطائفي فان عائلتي ذات الخليط الطائفي في البصرة كانت منسجمة. فكثير من العائلات في العراق تضم بين أفرادها سنة وشيعة مخالفين بذلك تصوير وسائل الاعلام للجانبين على أنهما منفصلان ويريد كل منهما دم الاخر.

لكن على طول الطريق الذي استمر ست ساعات من بغداد جنوبا تلاشى تدريجيا املي في ان تكون البصرة تلك المدينة الخضراء الغنية بالنخيل والقنوات المائية كما وصفها لي ابواي.

وبالاضافة الى الحرب العراقية الايرانية شهدت المدينة حربي الخليج الاولى والثانية وعقوبات منذ غادرها ابواي للدراسة في بريطانيا في الثمانينات. كانا معارضين للرئيس العراقي الراحل صدام حسين وقررا عدم العودة.

كنت لم اكمل عامي الاول عندما تركت البصرة. ورغم انني لا احمل ذكريات للمدينة فقد كونت صورة مما ابلغت به من زيارات اسرتي الى الشرق الاوسط. واخذت والدتي افضل ما في المنطقة وزرعت البصرة في رأسي.

ولكن كان اول ما وقعت عليه عيناي عند زيارتها الاحياء العشوائية الواقعة على مشارفها والتي كانت تسبح في برك قذرة من مياه الامطار.

وكانت اكوام القمامة على جانبي الطريق بما في ذلك جيف حصان وكلاب وجاموسة وقطط واغنام وجمل على وشك النفوق.

كانت البصرة توصف في وقت من الاوقات بأنها "فينيسيا الشرق الاوسط". ويمكنك بكثير من التخيل فيما تسد أنفك ان تكون فكرة عن ماضي المدينة التي تنتشر فيها القمامة.

تقطع الجسور العديد من القنوات لكن المياه غير نظيفة. ورغم وجود بعض النخيل الا أن الحرب مع ايران دمرت الكثير منه. وهناك ميناء شط العرب والكورنيش الخاص به لكنه مليء أيضا بالقمامة والسفن الغارقة التي يعلوها الصدأ. ويقف احد يخوت صدام على جانبه.

وكما هو الحال في انحاء العراق يرتدي اهل البصرة زيا محافظا فالنساء يرتدين الحجاب ومعظم الرجال يرتدون زيا داكن اللون اغرق البلاد صنع اغلبه في الصين.

وعندما تصفحت البوم صور عمتي شعرت بالصدمة ازاء ما وصلت اليه البصرة التي كانت مزدهرة في وقت من الاوقات. ففي الستينات والسبعينات كانت تكتسب شهرة أنها مدينة عالمية.

وكانت عمتي الشيعية التي حناها الكبر وترتدي عباءة تشبه في وقت من الاوقات المطربة البريطانية امي واينهاوس من حيث قصة شعرها وملابسها الفاخرة. وبدا زوجها الراحل كما لو كان عضوا في فرقة بلو براذرز الموسيقية الأميركية.

اما جدتي التي اصبحت الان فعليا بلا اسنان وترتدي الحجاب وفي صلاة دائمة فكانت تبدو فاتنة في فستان احمر قصير وحقيبة يد وحذاء من نفس اللون.

واظهرت صور احدث ملابس اكثر محافظة فيما عانى العراق من الحرب والفوضى في عهد صدام ووقع لاحقا تحت امرة الاحزاب الدينية.

ولم تحسدني عائلتي في البصرة على حياتي في بريطانيا الاكثر راحة وامانا بل كانت مسرورة لاني لم امر بما مرت به.

وذات مساء اخذتني عمتي السنية الى حيث عاش ابواي في وقت من الاوقات في الجزء القديم من البصرة. وكان المكان كما وصفاه لي تماما.

اضاء القمر في تمامه فيلات كبيرة بابواب ونوافذ تتخذ شكل أقواس فيما اطلت شرفات على قناة ضيقة اسفل المنزل.

لقد كان المنظر جميلا ولم اضطر لسد أنفي.

(محمد عباس مراسل رويترز في بغداد. ولد في البصرة وفي عام 1980 هاجر مع ابويه الى بريطانيا عندما كان يبلغ من العمر عاما).