الأزمة المالية تنشر الرعب والأمراض النفسية في أميركا

نيويورك - من نيكول مايستري
السرقة والادمان يعوضان عدم القدرة على التسوق

أراد وكيل قانوني تم تسريحه من وظيفته مؤخرا أن ينتقم من "المؤسسة" التي شعر أنها الملومة في فقده لوظيفته. لهذا حين شعر برغبة شديدة في الحصول على ربطة عنق جديدة باهظة الثمن قام بسرقتها.

القصة التي رواها الطبيب النفسي تيموثي فونج بمعهد يو سي إل إيه للطب العصبي والنفسي مثال على السلوك المتهور الذي يظهره عدد متزايد من الاميركيين حيث يقوض الكساد نمط حياتهم القائم على الانفاق.

ويتوقع خبراء الصحة العقلية زيادة في الاشهر القادمة في حوادث السرقة والاكتئاب وتعاطي المخدرات والقلق وحتى العنف حيث يواجه المستهلكون واقعا قاسيا جديدا ويجب أن يعيشوا في حدود امكانيات مادية متناقصة.

وقال جايتانو فاكارو نائب مدير قسم الشؤون الاكلينيكية بمصحة مونفيو التي تعالج المرضى من اضطرابات عاطفية وسلوكية "بدأ الناس يرون أن وضعهم الاقتصادي تغير وهذا يحفز نوعا من الذعر المتصل بحب البقاء".

وأضاف "حين نعاني من ذعر بشأن حب البقاء نكون عرضة لممارسة سلوكيات متطرفة."

وهدد الكساد في الولايات المتحدة الذي بدأ في ديسمبر/كانون الاول العام الماضي الاموال الشخصية بعدة طرق حيث انخفضت أسعار المنازل وساءت أوضاع الاستثمارات وتقلصت صناديق التقاعد وقلت امكانية الحصول على القروض وتبخرت وظائف.

كما مثل نوعا من اليقظة بأسلوب قاس لجيل من المتسوقين الذين نشأوا على الحصول السهل على القروض الائتمانية والذين لم يكن عليهم قط أن يقصروا مشترياتهم على ما يحتاجونه أو ما يستطيعون تحمل تكلفته.

بل أن الشراء والاستهلاك أصبحا جزءا من الثقافة الوطنية حيث يستخدم الكثير من الناس ما هو موجود في حقائب التسوق الخاصة بهم للتعبير عن هوياتهم من أحدث الاجهزة الى حقائب اليد التي يصممها اشهر المصممين العالميين.

ويقول جيمس جوتفورخت الطبيب النفسي ورئيس مؤسسة "استشاريو علم نفس الاموال" التي تدرب العملاء على المسائل الخاصة بالاموال "بالنسبة لمن يحتاجون الى تقليل انفاقهم فجأة يترك هذا فراغا كبيرا.

وأضاف "الناس الذين كانوا... يتوحدون مع الاشياء المادية التي يملكونها ويعرفون أنفسهم من خلالها ومن خلال ما ينفقونه يفقدون جزءا مؤكدا من هويتهم ومن أنفسهم... يجب أن يتعلموا كيف يستبدلون هذا."

وتقول بيث روزنبرغ وهي معلمة بالقطعة في نيويورك وتصف نفسها بأنها صائدة للسلع المخفضة أنها توقفت عن التسوق لنفسها بعد أن فقد زوجها وظيفته في مجال النشر في يونيو/حزيران.

وهي الان تشتري دمى لشخصيات من فيلم مدغشقر الناجح لابنها مقابل دولارين وترتدي ملابس ظلت معلقة في خزانة ملابسها دون أن تلمسها لسنوات. وأضافت أنها تشعر بضغط من اضطرارها للالتزام بميزانية متقشفة بعد أن اعتادت أن تنفق 100 دولار على زوج من الاحذية بسهولة. وقالت عن التسوق "انا أفتقده".

وربما تكون مقاومة الاغراء الان أكثر صعوبة حيث تقدم متاجر التجزئة (المفرق) التي تكافح هي الاخرى تخفيضات هائلة لاغراء المتسوقين خلال موسم العطلات.

وتسارعت وتيرة انفاق الاسر الاميركية في معظم العقد المنصرم فيما تراجعت معدلات الادخار بسبب سهولة الحصول على القروض الائتمانية وطفرة في سوق العقارات وازدياد الاستثمارات.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول 2001 التي قتلت الآلاف وأضرت بالاسواق المالية الاميركية شجع ساسة وقياديون في مجال الاعمال المستهلكين على الانفاق كوسيلة لانقاذ الاقتصاد واثبات أن الرأسمالية لا يمكن سحقها.

ويقول ستوارت فايس استاذ علم النفس ومؤلف كتاب "الافلاس... لماذا لا يستطيع الاميركيون التمسك بأموالهم". "تصلنا هذه الرسائل بأن انفاق المال تصرف وطني."

ويرى فاكارو أن الولايات المتحدة تعتمد بشدة على هذا النوع من الانفاق حيث يخلق الاستهلاك ثلثي النشاط الاقتصادي. لكن المشاكل تظهر حين يبدأ المستهلكون في الاعتماد على شراء السلع والخدمات للتغلب على مشاعرهم.

وأضاف "لدينا صعوبة في التعامل مع حالتنا العاطفية الداخلية بأساليب أخرى حين لا نستطيع أن نفعل هذا" مما يدفع البعض الى السعي الى الاشباع الفوري من خلال المخدرات او الكحوليات.

والى جانب الزيادة في سرقة السلع من المتاجر يقول علماء نفس انه يجب أن يكون تجار التجزئة مستعدين لمزيد من حوادث السلوك العنيف مثل تلك التي شهدها متجر وول مارت في لونغ ايلاند بنيويورك في اليوم التالي لعيد الشكر.

وقال فونغ من يو سي ال ايه "لن أندهش اذا شهدنا زيادة في الجريمة المتصلة بالسرقة... لن أندهش اذا شهدنا مزيدا من العنف في محل العمل ومزيدا من العنف في المراكز التجارية".

وتدفقت حشود من المتسوقين الذين يسعون الى الحصول على شاشات مسطحة وأجهزة تلفزيون وكمبيوتر بأسعار بخسة على متجر وول مارت في الساعات السابقة للفجر وفي هذه الاثناء دهسوا عاملا وقتلوه.

وذكر فونغ أن الكثير من المتسوقين لم يتوقفوا قط للتفكير في السبب وراء شرائهم الاغراض التي يشترونها وكان من السهولة بمكان تجاهل النظر بتمعن خلال طفرة دعمت هذا الانفاق.

لكن الان أصبح المرضي الذين لم يعد بامكانهم الشراء لتخفيف الضغوط التي يعانونها قلقين ومكتئبين.

وتابع قائلا أن هناك اخرين يستشيطون غضبا قائلين "كنت أستطيع شراء هذا يجب أن أكون قادرا على شرائه الان فأنا أستحق هذا الشيء".

لكن فاكارو يرى أن الازمة يمكن أن تكون فرصة للمتسوقين ليتوقفوا ويدرسوا ما الذي يحاولون تحقيقه او أي فراغ يحاولون ملاه من خلال الانفاق.

وقال فاكارو "نحن لا نشتري منتجات بل نشتري مشاعر... نشتري توقع الشعور الذي نعتقد أن المنتج او الخدمة سيعطيه لنا".

ويقول غوتفورخت انه يشجع الزبائن على الخروج في نزهة للتمشية او التنفس بعمق قبل شراء اي شيء تجنبا للشراء المتسرع. كما أوصى أن يكتب عملاؤه ملاحظات عن شعورهم حين قاموا بشراء غرض ما. أضاف أن على العملاء بعد ذلك أن يفحصوا القائمة بعد هذا بأسبوع ليروا ان كان " وهج" عملية الشراء قد ذوى وأنها لم تشبع الا رغبة فورية وليس احتياجا حقيقيا.

ويرى فاكارو أن الفرصة الاكبر التي توفرها الازمة المالية هي الابتعاد عن النزعة الاستهلاكية "غير العقلانية" و"غير المبالية" نحو" مستهلك اكثر ادراكا".