'كازانيغرا' فيلم مغربي يتميز في مهرجان دبي

دبي
الواقع كما هو، والكاميرا سلاح لكشفه

قدم المخرج المغربي نور الدين لخماري فيلمه "كازانيغرا" العنيف والقاسي لكنه محكم الصنع يلعب عنوانه على الكلام فيقلب اسم العاصمة الاقتصادية للمغرب كازابلانكا اي الدار البيضاء الى "السوداء" وهو الاسم الذي اعتاد شابان عاطلان عن العمل اطلاقه على مدينتهما.
ويقدم الفيلم سينما واقعية مغربية جديدة حافلة بالحركة والطاقة رغم العنف المسيطر في العاصمة الاقتصادية لبلد يشكل الشباب 60 بالمائة من مجمل سكانه ويجد الكثير منهم الافق مقفلا امامهم رغم الجهود التي تبذلها الدولة لتغيير الاوضاع.
بهذه الصيغة السوداء لواقع مدينة كبيرة مسورة بما يعرف بـ"مدن الصفيح" صور لخماري شريطه المبني على قصة صداقة بين شابين بائسي المصير يتلازمان في السراء والضراء ويحاولان التمرد على واقعهما الاسود دون ان يملكا لاجل ذلك غير الحلم.
وتتحول كازابلانكا الى نوع من فخ يحكم اطباقه على الشابين اللذين يحلم احدهما بان يحصل على عمل كريم يعيله هو واسرته بعد ان عجز والده عن العمل بينما يحلم الثاني بالهجرة الى السويد ليلتقي بالسويديات ويحصل على عمل هناك بعيدا عن عنف زوج امه الذي يضربه ويضربها.
لكن محاولاتهما الانفصال عن عالم الشارع او الحصول على عمل شرعي او غير مشروع باءت دائما بالفشل بحيث يجدان نفسيهما دائما في الشارع حيث يقعان فريسة في ايدي محترفي الجريمة.
فمشكلتهما انهما ليسا بمجرمين فعليين لكن رفضهما السكوت على وضعهما المزري يدفعهما اكثر فاكثر نحو عالم الجريمة.
وتظل الكاميرا تلاحق وجهي الشابين بحيوية وحركة مستمرة يبعثها املهما وهما يجربان نحو تحطيم قيود اليأس فيضربان بعنف وكيفما اتفق الى ان يلتقيا برجل مافيا محلي يعتقدان انه سيتيح لهما "ضربة كبرى" تنجيهما.
وتبدو الصداقة القائمة بينهما الخيط الوحيد الذي يحفظهما على قيد الحياة وهي تنجيهما في كل مرة، ورغم قساوتهما فهما يتمتعان بقلب طيب ولا يعترفان بذلك بل يفضلان صورة ابن الشارع.
وقد ابدع الشابان انس الباز في دور كريم وعمر لطفي في دور عادل بعد ان اختارهما المخرج من غير الوسط المحترف في اداء دورهما الى درجة فاقت الاداء الفني في معظم الافلام العربية المشاركة في مسابقة المهر العربي في مهرجان دبي في دورته الخامسة.
واهتم المخرج ايضا بالعمل على كافة الادوار الصغيرة في الفيلم لتأتي جميعها مقنعة تماما الى جانب اداء الشابين الذي ظل تلقائيا طبيعيا على طريقة لخماري الذي يطمح الى تقديم صورة راهنة وواقعية باسلوب جديد لبلده ويكرر باستمرار ان "احسن فيلم هو الفيلم الذي سانجزه في المستقبل".
وظهرت حذاقة المخرج وقدرته على ادارة الممثل، في اداء الممثلين جميعا الى جانب عناصر اخرى مثل الاضاءة وكيفية تصوير المدينة في الليل وحركة الكاميرا السريعة النابضة.
غير ان متانة "كازانيغرا" تضعف في المشاهد ما قبل النهائية حيث تصبح التطورات اقل اقناعا وتماسكا من سابقاتها قبل ان تعود الصورة الى لحظة انطلاق الفيلم بعد ان يعيش المشاهد ثلاثة ايام مع بطلي القصة.
و"كازانيغرا" محاولة مغربية متفردة لرسم المكان في صورة منبثقة من قلب الشارع بل من القاع ونظرة بعيدة عن الرومنسية الحاضرة مع ذلك في الفيلم لكن كحلم ليلة صيف حين يتعلق كريم باحدى السيدات الجميلات الراقيات ويتصل بها قبل ان يعيده الشارع اليه ويحرمه حتى من شرب فنجان قهوة معها بعد لقائهما الاول.
انها صورة شديدة الاختلاف عن "كازابلانكا" الرومنسية كما قدمها مايكل كورتيز (1942) مع همفري بوغارت وانغريد بيرغمان فشريط لخماري مبني على لغة كلامية شبابية جديدة اساسها السباب والشتائم التي تتدفق على السنة الممثلين باستمرار كانهم لا يجدون غيرها للتعامل مع واقعهم.
ويستخدم لخماري الكاميرا كسلاح لكشف هذا الواقع الذي يلف الجميع بعنفه والذي توقفت عنده السينما المغربية كثيرا في السنوات الاخيرة كما في افلام "فوق الدار البيضاء العصافير لا تحلق" و"علي زاوا" و"الشوارع الخلفية" و"الدار البيضاء ليلا" وكلها نظرات صورت الحياة المغربية في تلك المدينة.
وسبق للمخرج ان وقع اول اعماله الروائية الطويلة عام 2005 بعنوان "نظرة" الذي سبق عرضه في دبي وفاز بجوائز عديدة وجاء هذا الفيلم بعد اعمال قصيرة للمخرج نفذها اثر هجره لكلية الصيدلة في باريس والتحاقه بكلية السينما في اوسلو.