روتانا.. ريادة عربية لكن بزحام يعيق الحركة

بقلم: هلال القرشي
روتانا تحاول الخروج من عباءة 'مش حتئدر تغمض عينيك'

تتكاثر القنوات الفضائية على الساحة الإعلامية بشكل يومي حيث أن هواء الفضاء بات متاحاً لكل راغب في فتح قناة تلفزيونية.
وتختلف روتانا عن غيرها من القنوات الفضائية في الكثير من الأمور تعود إلى الديناميكية العالية لسياستها الإدارية والتسويقية، فالقناة تخاطب جماهيرها المستهدفة بأسلوب يتميز بالابتكار والفعالية والبساطة والمرونة.

وتجاوزت نسبة مشاهدة مجموعة قنوات روتانا العديد من القنوات المنافسة بحسب الأبحاث الأخيرة، مما يثبت نجاح الشبكة في صياغة رسائل تسويقية تستهدف كل شريحة على حدة من هذه الشرائح وتستقطب اهتمامها.
وأدركت القناة منذ تأسيسها بأن مبدأ "قياس واحد يناسب الجميع" لا يتلاءم مع السوق العربية التي وإن تجمعها لغة واحدة على رأي شاعرنا الكبير أحمد شوقي، إلا أن اذواق المستهلكين تختلف بين سوق واخرى واحيانا كثيرة ضمن السوق الواحد.
ولروتانا خصوصية تسويقية مستمدة من السمعة العالية والمكانة الدولية للأمير الوليد بن طلال ومن دعم الفنانين العرب الكبار الذين لا يمانعون بموجب عقودهم مع الشركة أو كبادرة حسن نية منهم في التسويق لروتانا كـ"سفراء لهويتها التجارية"، ولهؤلاء تأثير قوي في الجماهير المستهدفة حيث أن معظمهم هم "مكوني رأي عام" بامتياز.

والتنوع في روتانا ساهم في تألق القناة، فهي استطاعت أن تخاطب كل جمهور على حدة، كما أنها اعتمدت بشكل مكثف على عمليات بحوث التسويق التي تسبق عملية إطلاق قنواتها وبرامجها والتي حددت تفضيلات المشاهد العربي وأذواقه.

وسر نجاح روتانا برأيي هو هويتها العربية الجامعة حيث أن صبغة القناة هي عربية عامة صرفة وخطابها يتحدث بلسان حال العرب من المحيط إلى الخليج.

تؤثر الأعمال الأخرى التي تقوم بها الشركة الأم للقناة مثل وحدة لتسجيل الأفلام وشركة إنتاج موسيقي والراديو ووحدة إنتاج أفلام والمقاهي بشكل كبير في تعزيز نجاحات روتانا وهي ترسخ مركز القناة الريادي على الساحة الإعلامية العربية كسلطة غير رسمية ناظمة وحاضنة للفن العربي من طرب وسينما ودراما وموسيقى وغيرها.
ولكل من وحدات الأعمال تلك مساهمتها في تطوير أعمال روتانا. ولهذه الوحدات دور مجتمعي لا ربحي، يعود إلى رسالة الوليد في النهوض أكثر وأكثر بالفن العربي. وكلما ذهبت الأعمال بعيداً عن الربح المادي كهدف أساسي، نجحت دون أن تدري أكثر في الوصول إلى عقول وقلوب المشاهدين.

وتعتمد روتانا سياسة التسويق الداخلي من خلال الترويج لقنواتها فيما بينها وعبر مجلتها "مجلة روتانا" ومقاهيها. وتعتبر هذه السياسة التسويقية ناجحة من الناحية النظرية غير أنها تعمل في بعض الأحيان على تسويق قناة على حساب قناة أخرى خصوصاً عند تقاطع مشاهدي القناتين.
وطريقة تقسيم شعارات القنوات حسب اللون هامة جداً أيضًا في خلق ونسج علاقة تفاعلية بين أي من تلك القنوات والجماهير المستهدفة. ومركزية العمل التسويقي داخل روتانا قد يضعف علامتها التجارية بدلاً من تقويتها حيث تأتي الرسالة التسويقية أشعة مبعثرة في بعض الأحيان بدل أن تكون مركزة مثل شعاع ضوء "الليزر".
وهنا برأيي، على القنوات أن تنضوي جميعها تحت مظلة روتانا، دون طمس الهوية الفردية لكل قناة والتي تخاطب فئات مشاهدين ذات خصائص مختلفة من ناحية العمر والذوق والطباع والتفضيلات. وعلى مجلة روتانا أن تعمل على نقد روتانا تماماً كنقدها البنّاء للقنوات الأخرى المنافسة لتحافظ على مصداقية عالية ومناقبية صحفية بين قرائها ونظيراتها.

ونجحت روتانا في بناء هوية مؤسساتية. احتاجت في البداية الشركة إلى دعم الأمير الوليد المباشر غير أنها اليوم قادرة على مواصلة النجاح وكسب ولاء المشاهدين بشكل مستمر بمعزل عن دعم الوليد.
وبدأت إدارتها العليا بإتباع سياسة "الاكتفاء المالي الذاتي" التي لا تعتمد على اي دعم مالي خارجي، مما يحفزها على التفكير خارج الصندوق وتكثيف حملاتها التسويقية الرامية إلى احتلال مركز ريادي على خارطة القنوات الفضائية في العالم.

و أقامت روتانا العديد من الشراكات مع مؤسسات مثل "إل بي سي" و"فوكس موفيز"، وتصب هذه الشراكات لصالح روتانا بلا أدنى شك حيث أن إدماج شبكة روتانا لنشاطاتها الإعلامية مع "إل بي سي" الفضائية اللبنانية والتي يملك الوليد فيها الحصة الكبرى من الأسهم يساهم في إدخال أفضل الممارسات المتبعة في مجال البث الفضائي في العالم العربي إلى روتانا.
أضف إلى ذلك ثقافة المؤسسة اللبنانية للإرسال ذات الطابع القيادي والإبداعي منذ أكثر من عقدين. وعلى الشبكة الفضائية أن تملك علاقة ندية مع شريكاتها الإعلامية حيث أنها بموجب هذه الشراكات تتاح لها الفرصة للاستفادة المباشرة من خبرة هذه الشركات العريقة التي لم نلمسها بعدُ لمس اليد إن من ناحية نوعية البرامج التي توفرها القناة أو منهجيتها التسويقية التفاعلية مع جماهيرها المستهدفة.
وعلى القناة التنبه لعدم تذويب خصوصيتها الثقافية مع أي شريك إعلامي لها، ولا شك بأن هذه الشراكات تضيف قيماً نوعية للمعلنين وبرامج أفضل للمشاهدين من خلال خبرة المؤسستين العريقة في مجال الإعلام والإعلان.
واعتبر أن فائدة فوكس من روتانا هي كبيرة حيث أنها ستستخدم الأخيرة كمنصة لزيادة عدد مشاهديها في الوطن العربي، بيد أن روتانا ستتكفّل بالإعلانات والمبيعات لمحطات فوكس في المنطقة، وستتقاسم أرباح الإعلانات ومردودها معها.

وما زالت قنوات روتانا كلاسيكية جداً في رسائلها الإعلانية عكس القنوات الأخرى المنافسة، غير أنها نجحت في ترسيخ نفسها مركزاً رائداً لنقاط قوة عدة تتلخص بدعم الوليد المتواصل (الذي من الممكن أن يصبح نقطة ضعف إذا ظلت القناة غير واضعة مبدأ الربح المادي كهدف أولي لها مما يريح الماكينة التسويقية العاملة فيها)، هويتها العربية غير المحددة بنطاق معين والتي تعزز انخراط كل مشاهد عربي في القناة بوصفه معني بخصائصها وبرامجها، دعم المطربين العرب لها وتمثيلهم لها في حفلاتهم وحصرية ظهورهم من خلالها، تنوع القنوات وفعالية استهدافها لفئات المشاهدين، وبحوث التسويق الكبيرة التي تقوم بها القناة للتعرف على احتياجات المشاهدين.

و للأسف، فالإعلان عبر القنوات الفضائية العربية لم ينضج بعد. ومعايير الإعلان في هذه القناة أو تلك ليست فعالة ولا تتسم بالشفافية أو المصداقية. ونجح العالم الغربي في اجراء بحوث تسويق صادقة تعكس درجة مشاهدة برنامج معين عبر قناة معينة مع خصائص الفئات المشاهدة، مما يمنح المعلن وضوحاً تاماً للإعلان في هذا البرنامج أو ذاك.
غير أن الإعلان التلفزيوني في الوطن العربي محكوم بعدم احترافية في التعاطي معه، اذ لم تنجح شركات بحوث التسويق في تصنيف القنوات الفضائية من حيث نسبة مشاهدتها وخصائص الفئات المشاهدة.
وعلى روتانا أن تجذب المعلنين عن طريق التسويق المباشر الذي ينسج علاقات الكسب المتبادل بين كافة الأطراف من عميل ووكالات إعلان والقناة الفضائية. وحققت روتانا موقعاً هاماً في السوق الإعلانية العربية غير أن حجم استثماراتها الكبيرة لا تزال أكبر بكثير من عوائد إعلاناتها برأيي الشخصي.

والتحدي الأبرز الذي يواجه روتانا في الوقت الحالي هو تغطية عوائدها الاستثمارية من خلال برامج تسويقية فعالة وممنهجة. كما تواجه القناة برأيي تحدياً هاماً يتمثل بمحافظتها على الهوية "البيضاء" واقصد بها الهوية العربية الصرفة التي لا تعكس ثقافة عربية محلية مناطقية بل أنها تحكي لسان حال العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج.
وبدأت الشبكة تخرج من اللباس الضيق في تعاطيها مع مشاهديها مثل "مش حتئدر تغمض عنيك" إلى الجلباب العربي الكبير الذي يتسع لمختلف الثقافات المحلية في إطار موحد وتحت مظلة شاملة تحوز على تأييد وإعجاب الكل والجزء في آن معاً.

هلال القرشي