النحاس يرصد الموجة الجديدة في السينما المصرية

كتب ـ أحمد فضل شبلول
اختفاء اللقطة السينمائية الطويلة الثابتة

استطاعت السينما المصرية أن تجدِّد شبابها على مدار السنوات السابقة عن طريق عدد من الأفلام التي قدمت بوساطة مجموعة من الفنانين والفنيين من الشباب الذين ظهرت أعمالهم لأول مرة خلال السنوات العشر السابقة بقدر لم يسبق له مثيل في مراحل سابقة، إلى جانب أعمال الفنانين والفنيين الكبار.
وقد رصد عدد من النقاد هذه الأفلام، بعضهم تفاعل معها وانحاز لها، وبعضهم هاجمها أو هاجم بعضها. ومن هؤلاء النقاد السينمائيين الناقد هاشم النحاس الذي أصدر مؤخرا كتابا مهما في هذا المجال اختار له عنوان "السينما الشابة: الموجة الجديدة في السينما المصرية"، رصد فيه ما جاءت به هذه السينما من تحولات في القيم الفنية والثقافية، حيث قام باستعراض نقدي لأكثر من أربعين فيلما سينمائيا مصريا طارحا وجهة نظر خاصة بهذه السينما، فيما قدم من منظور ثالث مقارنة بين بعض الأفلام الحديثة وأخرى قديمة، مع تتويج هذه الدراسة السينمائية بورقة إحصائية عن الدماء الجديدة من الشباب الذين يعملون في السينما المصرية لأول مرة وأبرز أعمالهم بين 1997 و2005.
ومن خلال الإحصائيات والأرقام ذات الدلالة، لاحظ النحاس أن مجموع الشاشات الجديدة بين 1999 و2004 بلغ 151 شاشة بعد فترة انحسار سابقة، فيما بلغ عدد نسخ الفيلم الواحد 80 نسخة عام 2004 لفيلم "عوكل"، بينما كان في السابق لا يتجاوز 10 نسخ، وبلغ عدد المترددين على السينما في عام 2004، 15 مليون فرد مقارنة بـ 10 ملايين في عام 1997، ليبلغ إيراد الأفلام 230 مليون جنيه مصري في عام 2006 وهو أقصى إيراد بلغه الفيلم المصري حتى تاريخ الانتهاء من الدراسة في عام 2007.
فما الذي حدث للسينما المصرية خلال سنوات الدراسة التي قام بها الناقد هاشم النحاس؟
حدث للسينما المصرية تحولات فنية منها ارتفاع مستوى التقنية فيها بصفة عامة، سواء من نقاء الصورة أو الدقة في عمليات المونتاج، مما حقق مصداقية السرد، فقد ساعدت إمكانيات المونتاج الحديث على خلق إيقاع أسرع في السرد يتناسب مع العصر، وقد شمل الإيقاع السريع معظم الأفلام بما يمثل ملمحا واضحا في أفلام بداية القرن الواحد والعشرين يكاد يفصلها عما سبق.
وقد رصد النحاس اختفاء اللقطة السينمائية الطويلة الثابتة التي يدور فيها الحوار بين اثنين أو أكثر، مع الارتفاع العام لأداء الممثلين الذي يبدو أكثر تلقائية مما سبق حتى بالنسبة للممثلين الثانويين، ويُرجع الناقد ذلك إلى مرونة حركة الكاميرا أو تقدم إمكانيات المونتاج.
أيضا لاحظ المؤلف أن أغاني الكليب تمثل أحد معالم أفلام هذه المرحلة الخاضعة أفلامها للدراسة، ولم يعد للأغنية الطويلة أو أغنية الطرب مكان في هذه الأفلام، مؤكدا على أن الأغنية الحديثة في الفيلم أصبحت أكثر سينمائية.
أيضا من الملاحظات الهامة اختيار أماكن تصوير في أماكن طبيعية وسياحية بعيدة عن القاهرة (حرامية في تايلاند ـ فول الصين العظيم ـ أفريكانو) على سبيل المثال، مع انتشار الفكاهة في الغالبية الساحقة من الأفلام، حيث يندر أن نجد فيلما دون مواقف فكاهية، وقد غلب في كثير منها، وخاصة في الأفلام الكوميدية، القفشات اللفظية (الإيفيهات) التي أثارت النقد ضدها.
هذا كان عن التحولات الفنية، أما بالنسبة للتحولات الثقافية فقد تجرأت السينما الشابة على المحرمات، ومنها الجنس (مذكرات مراهقة) والدين (بحب السينما) والسياسة (عمارة يعقوبيان)، فيما تصاعدت صورة القبطي في السينما المصرية الذي ظهر في عدد غير مسبوق من الأفلام، ودخول الأماكن القبطية المقدسة ومعرفة بعض ما يجري فيها من حياة اجتماعية، إلى جانب دورها الديني مما لم يسبق عرضه في السينما المصرية (الرهينة ـ فيلم هندي ـ فيلم ثقافي ـ بحب السينما ـ عمارة يعقوبيان) وقد نسي المؤلف ذكر فيلم "مافيا" في هذا المجال، ودور القبطي الذي قام بأدائه الفنان أحمد رزق.
ويشير النحاس إلى أن "بحب السينما" يتناول شخصية قبطي يؤدي تزمته الديني إلى انحراف زوجته، وإن انتهى الفيلم بإعادة القبطي إلى توازنه النفسي وتراجع الزوجة عن الانحراف بفضل الابن الذي كان يحب السينما.
وقد رصد المؤلف ظاهرة الإبداعات النسائية في السينما المصرية، مشيرا إلى اقتحام المرأة بأعداد غير مسبوقة في العمل السينمائي الإبداعي (خارج التمثيل) حيث بلغ عدد المخرجات ستا، وجميعهن من الشابات الجدد فيما عدا واحدة فقط هي إيناس الدغيدي، وهن: ساندرا نشأت، وأسماء البكري، وهالة خليل، وكاملة أبوذكري، ومنال الصيفي، ووصل عدد المونتيرات الجدد إلى 13 مونيترة، فضلا عن عمل المرأة لأول مرة في التصوير السينمائي ذاكرا نانسي عبدالفتاح في فيلم "في شقة مصر الجديدة".
أما عن الأنواع الفيلمية، فهناك الأفلام الكوميدية. وقد توقف النحاس أمام فيلم "اللمبي" الذي قوبل بأقصى هجوم من النقاد بينما قوبل من الجمهور بإقبال ساحق، ووصل إيراده إلى أعلى إيراد حققه فيلم مصري في تاريخ السينما المصرية، مشيرا إلى أن هذا الفيلم قدم ما يمكن اعتباره أول أغنية سينمائية كوميدية في السينما المصرية وهي أغنية "البسكلتة".
وأشار المؤلف إلى أن مخرج "اللمبي" وائل إحسان يعد أبرز المخرجين الشبان الذين تخصصوا في الأفلام الكوميدية (6 أفلام حتى 2007) فإلى جانب "اللمبي" هناك: اللي بالك بالك 2003 ـ زكي شان 2005 ـ مطب صناعي 2007 ـ وغيرها.
أيضا هناك ظاهرة الأفلام الغنائية وأفلام الحركة وتيار الواقعية التي توقف عنده المؤلف موضحا أن تيار الواقعية أخذ ثلاثة محاور، المحور الأول يدور حول الفساد (مواطن ومخبر وحرامي ـ معالي الوزير ـ ديل السمكة ـ عمارة يعقوبيان) والمحور الثاني يدور حول مشاكل الشباب (فيلم ثقافي ـ أوقات فراغ ـ مذكرات مراهقة ـ أسرار البنات ـ سهر الليالي ـ حب البنات ـ بنات وسط البلد ـ في شقة مصر الجديدة) مؤكدا بروز البطولة الجماعية في أغلب تلك الأفلام.
أما المحور الثالث من تيار الواقعية في السينما المصرية، فيناقش علاقة الشرق بالغرب ويمثلها (الآخر ـ إسكندرية نيويورك ـ المصير ـ جنة الشياطين ـ بحب السينما ـ العاصفة ـ الرغبة ـ القبطان) وغيرها.
وفيما يعد دراسة بين سينما الشباب الجديدة وسينما الكبار المعتقة يعلق النحاس على ثلاثة أفلام شبابية (ميدو مشاكل ـ حرامية في تايلاند ـ ازي البنات بتحبك) في مقابل ثلاثة أفلام قديمة في برنامج "إعادة اكتشاف أفلام مصرية" وهي (رسالة إلى الله ـ غرباء ـ البرنس).
أما عن الموضوع الفسطيني بين القديم والحديث في السينما المصرية، فتمثله أفلام "فتاة من فلسطين" إخراج محمود ذوالفقار 1948، و"باب الشمس" إخراج يسري نصر الله 2005، و"أصحاب ولا بيزنس" إخراج علي إدريس 2001، ويوضح المؤلف الفروق الشاسعة بين الأفلام الثلاثة، متمثلة في الدوافع ومصداقية الصورة.
ويعود المؤلف إلى الأرقام والإحصائيات مؤكدا دلالاتها في النهوض بالسينما المصرية خلال فترة الدراسة 1997 ـ 2005 حيث بلغ عدد المخرجين الجدد 68 مخرجا من العدد الإجمالي وهو 100، كان من أبرز هؤلاء الجدد وأكثرهم إنتاجا: ساندرا نشأت 5 أفلام، علي إدريس 4 أفلام، وائل إحسان 4 أفلام، خالد يوسف 3 أفلام، مع بروز مخرجين آخرين لفتوا الأنظار بعملهم الأول وهم: عاطف حتاتة "الأبواب المغلقة" 2001، وإيهاب لمعي "من نظرة عين" 2003، سعد هنداوي "حالة حب 2004.
وبلغ عدد كتاب السيناريو من الشبان الجدد الذين ظهروا خلال سنوات الدراسة 79 كاتبا من إجمالي 107 كتَّاب، وفناني المونتاج الجدد 22 مونتيرا من 40، فيما بلغ عدد المصورين الجدد 20 من مجموع 36 مصورا، وبلغ عدد مؤلفي الموسيقى التصويرية الجدد 37 من مجموع 57.
أما عدد الممثلات الجدد اللائي قمن بأدوار البطولة فكان 18 ممثلة، فيما بلغ عدد الممثلين الجدد 27 ممثلا.
ومن الأفلام التي توقف عندها هاشم النحاس بالتحليل والنقد "أصحاب ولا بيزنس" الذي يقدم بناء فنيا متكاملا تربطه وحدة متماسكة تكشف فيه الأحداث لا الأقوال عن مضمونه، بينما يخطو خالد يوسف في فيلمه "زواج بقرار جمهوري" خطوة للأمام وخطوة للخلف، ويقدم داود عبدالسيد في "مواطن ومخبر وحرامي" رؤيته الفكرية لما وصل إليه مجتمعنا من ميوعة أذابت الحواجز بين اللص والمغني، والمخبر والسياسي، والمثقف والمدعي، وبين الجميع ورجل الأعمال، فيما تطرح إيناس الدغيدي أسئلة ملغومة في "مذكرات مراهقة"، ويقدم رضوان الكاشف اللامعقول في فيلم "الساحر".
ومن يقرأ كتاب "السينما الشابة" يجد أن مؤلفه يدافع عن فيلم "اللمبي" في أكثر من مقال وأكثر من تعليق داخل الكتاب، استنادا إلى الدفاع عن حق الجمهور في الضحك، وحق الشباب في الغضب، وحق الفنان في التعبير، بينما يتوقف أمام "محامي خُلع" مشيرا إلى أن الفوارق الثقافية تنفي النهايات السعيدة، موضحا كيف خدع وحيد حامد الرقابة في فيلمه "معالي الوزير"، متوقفا عند الآباء وثقافتهم التي هي في موضع الاتهام في فيلم "عسكر في المعسكر"، وصداقة البنات في "أحلى الأوقات"، وعندما تبتعد أفلام الغرام غن إغراءات الرومانسية الهشة في "حالة حب"، و"الباحثات عن الحرية" والأسئلة الشائكة في مجتمعات مقموعة، والمفاضلة الصعبة بين الحياة والقيم الاجتماعية في "أنت عمري"، واليقين المشروخ في فيلم "ملاكي إسكندرية"، وعادل إمام يدخل حقل ألغام في "السفارة في العمارة".
أما فيلم "يا انا يا خالتي" فيدافع عنه المؤلف بعد أن ظلمه النقاد وأنصفه الجمهور، بينما يعبر "دم الغزال" عن عالم ينهار وفساد يستشرى، وفي "ليلة سقوط بغداد" نواجه بصرخة مصرية فانتازية في مواجهة الغطرسة الأميركية.
يذكر أن كتاب "السينما الشابة: الموجة الجديدة في السينما المصرية" لهاشم النحاس صدر عن سلسلة "آفاق السينما" (العدد 57) التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ويرأس تحريرها الناقد السينمائي أحمد الحضري، ووقع في 214 صفحة، وجاءت كل صوره ولقطاته السينمائية بالأبيض والأسود على ورق عادي مما أضعف من قيمة الكتاب من الناحية الإخراجية، ولكنه مقارنة بسعره الشعبي (ثلاثة جنيهات مصرية، أقل من ثلاثة أرباع دولار) يعد شيئا جيدا. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية