إذا تكلَّم الحذاء فأنصتوا!

بقلم: جواد البشيتي

وكأنَّها إشارة البدء صَدَرَت عن المالكي إذ قال وهو واقفٌ إلى جانب "ضيفه" بوش: ".. والآن، اقتربنا كثيراً من النهاية". وكانت "النهاية"، أو "مِسْك (أو حذاء) الختام"، فإذا بالصحافي العراقي منتظر الزيدي، أو "الزيدي المنتظَر"، يخلع حذاءه، مطيِّراً إيَّاه نحو رأس الرئيس بوش وهو يهتف قائلاً: "هذه قُبْلة الوداع يا كلب"!

في المشهد، الذي رأيناه بعد توقيع المالكي وبوش لـ "الاتفاقية" في "عاصمة الاحتلال"، أي في "المنطقة الخضراء"، رأينا أحد الحذاءين ينطلق متَّجهاً نحو الهدف؛ ولكنه أخطأ هدفه، فسقط على بُعْد 4.5 متر من الرئيس بوش، الذي تفاجأ بـ "الحدث" أكثر كثيراً ممَّا أراد مفاجأتنا بزيارته؛ ثمَّ رأينا الآخر، أي الحذاء الآخر، يحاول إصابة الهدف.. ورأينا المالكي يفشل في محاولته تلقُّف والتقاط هذا الحذاء قبل أن يصيب من كرامة ضيفه الكبير مقتلاً.

بوش، الذي رأينا الفزع في وجهه بعد انطلاق الحذاء الأول لظنِّه أنَّه قد يكون قنبلة على شكل حذاء، سارع إلى إحناء رأسه، تلافياً لإصابتها، أو إجلالاً واحتراماً؛ ثمَّ تمالك نفسه، وتكلَّف الابتسام.

ولو كان بوش يملك نزراً من الروح القيادية لدعا رجال الأمن الذين انهالوا على "الزيدي المنتظَر" ضرباً إلى التوقُّف عن ضربه ونتف شعره، وتركه وشأنه، وإذلال هذا "الجاني" بالصفح عنه، فالعظائم تَصْغُر في عين العظيم، والصغائر تَعْظُم في عين الصغير؛ ولقد عظُمت في عين الصغير بوش، فغمرته السعادة وهو يرى الكلاب تنهش هذا البطل العراقي؛ ثمَّ تسلَّح بالوقاحة إذ قال، مفسِّراً ومعلِّلاً واقعة الحذاء، إنَّ هذا الشخص أراد أن يقوم بعمل، يسألني الصحافيون عنه.. وهذا الذي حدث (واقعة الحذاء) ما كان له أن يحدث لو لم يكن العراق ينعم بالحرية، فللحرية باب بكل حذاء يُدقُّ.

وإذا كان من شيء يَصْلُح "خبراً" في كل كلام بوش فهذا الشيء إنَّما هو كشفه للصحافيين أنَّ مقاس الحذاء كان 44!

إنَّها "النهاية" التي تُذكِّرنا بـ "البداية"، فهل ما زلتم تتذكَّرون؟!

لقد جاء "المارينز"، بحسب أساطير العهد البوشيِّ، "محرِّرين" لشعبه من الدكتاتورية والطغيان، وباذرين بذور "الحرية" برصاصهم وقنابلهم وصواريخهم، فخرج الشعب العراقي في استقبالهم بالزهور والورود. وبعدما أسبغوا على الشعب العراقي نعمة الحرية، وجعلوا العراق المثل الديمقراطي الأعلى لجيرانه الأقربين والأبعدين، جاء بوش بنفسه مودِّعاً لِمَن أحسن إليهم، ناسياً أو متناسياً أنَّ المُحْسِن ينبغي له أن يتقي شرَّ من أحسن إليه، فأتته "قُبْلة الوداع العراقية"؛ ولكنَّها لم تكن زهوراً ووروداً، وإنَّما حذاء، وكأنَّ جزاء الإحسان حذاء!

وأحسب أنَّ الرئيس بوش يحتاج الآن إلى من يشرح له معاني "الحذاء" في الثقافة العربية، فإنْ ظلَّ جاهلاً بها فلن يكسب أبداً "حرب الأفكار"، ولن يختم عهده إلاَّ بسؤال ثانٍ، مُسْتَغْلَقةٌ إجابته عليه، كسؤاله الأول. لقد بدأ عهده متسائلاً في سذاجة "لماذا يكرهوننا؟!"؛ وها هو يوشك أن ينهيه متسائلاً في سذاجة أكبر "لماذا يرموننا بالأحذية؟!".

صديقي العراقي في قبرص فاضل الربيعي كان يتوعَّد كل خصم له قائلاً: "سأذبحه بالحذاء". ولقد ظللتُ أجهل معنى وعيده أو قوله حتى رأيتُ "حذاء الزيدي" ينقضُّ على بوش على هيئة سكين، تَذْبَح فيه الكرامة والكبرياء والغرور.

أمَّا زميلي في الجريدة "أبو وسيم"، رئيس قسم التدقيق اللغوي، فكان يناصبني عداءً لغوياً إذا أنا قلت "احتذى مثال فلان"، فكلمة "احتذى" عنده إنَّما تعني "اتَّخذ حذاء"؛ وخير استعمال لها إنَّما يكون في قول من قبيل "احتذى الحذاء (أي لبسه)". وأُوافِق زميلي "أبو وسيم" على ذلك إذا ما كان "احتذاء الديمقراطية العراقية" يَعْدِل في معناه "احتذاء الحذاء"، وأُخالفه إذا ما كان "الحذاء" في هذه العبارة يشمل حذاء الزيدي، فهذا الحذاء الذي كاد يشج رأس بوش يَرْفَع رأس العرب أجمعين، فلنقرأ باسم "الزيدي المنتظَر" الذي بحذائه خَلَق للأمة أفقاً!

ولقد جاءت "واقعة الحذاء" لتُذكِّرني بمعنى آخر للكلمة، فإذا أنتَ قلت "أحذاه طعنة" فهذا إنَّما يعني "طعنه طعنة قاطعة". وأحسب أنَّ الزيدي قد حمَّل حذاءه هذا المعنى إذ وجَّهه نحو بوش، جاعلاً له، بالتالي، شهرة تفوق شهرة "حذاء الطنبوري".

وللحذاء مرادِف هو "الخف"، الذي يقابله (ويا للمصادفة) في الفارسية "بابوش"!

ويبدو أنَّ "واقعة الحذاء" ستُغني "ثقافة الديمقراطية"، فهناك من الديمقراطيين (وأنا منهم) من فهم الواقعة على أنَّها شكل من أشكال "حرِّية التعبير"، التي يقدِّسها بوش في نفاقه الديمقراطي.

لقد اكتشف هذا الصحافي أنَّ "المقال" من جنس "المقام"، وأنَّ "الحذاء" في هذا المقام أصدق إنباءً من القلم واللسان.. ومن الكُتُب، فاستعماله على هذا النحو المخصوص فيه الحدُّ بين الجدِّ واللعب.

ولو كنتُ مكان "الحذَّاء"، أي صانع أو بائع نوع الحذاء الذي انتعله الزيدي، ثمَّ استعمله على خير وجه، لاتَّخذتُ من صُوَر "واقعة الحذاء" إعلاناً تجارياً، سيضاعف، بلا ريب، مبيعات المصنع أو المحل.

ولو كان في مقدوري الوصول إلى "حذاء الزيدي"، وتخليصه من براثن معتقليه، لضممته إلى المتحف السياسي الحديث للعراق، فهذا "الحذاء" لم يؤدِّ رسالته التاريخية إلاَّ بصفة كونه ممثلاً لأحذية الشعب العراقي جميعاً؛ أمَّا الزيدي نفسه فلم يَقُمْ بما قام إلاَّ نيابةً عن الشعب العراقي كله.

وإذا كان لي أن أنصح رجال الأمن فإنِّي أنصحهم أن يتوفَّروا مستقبلاً على نزع الأحذية، فنزع السلاح وحده لا يكفي على ما ثَبُت وتأكَّد في "واقعة الحذاء"، التي على وضوحها وجلائها خالطها شيء من الغموض والإبهام، فعيني رأت بوش مبتسماً؛ أمَّا أُذني فقد سمعت أنيناً، فحار عقلي في إجابة السؤال الآتي: هل المبتسم هو الذي ضُرِبَ بالحذاء؟

كان ممكناً أن يظل عقلي في حيرته زمناً طويلاً لو لم يتناهَ إلى سمعي صراخ الحذاء: بأيِّ ذنبٍ أُضْرَب؟!

عندئذٍ، عرفت على وجه اليقين أيُّهما ضُرِب بالآخر، فبئس رئيس طَبَع الشعب العراقي على وجهه "قُبْلة وداعٍ" على هيئة حذاء، ونِعْم حذاء دَخَل التاريخ بصفة كونه الحذاء الذي ضُرِبَ بهذا الرئيس! جواد البشيتي