إن لم ننتخب للشورى فلنسكن تورا بورا

بقلم: محمد الصادق

في زيارة قام بها فريق عمل سعودي للفلبين وكان من المهام المناط بها الفريق إجراء مقابلات شخصية لاختيار أيدي عاملة للعمل في السعودية وكان على عاتق أحدهم شرح طبيعة العمل وبعض القوانين السعودية لأولئك المرشحين قبل الموافقة على العمل ومن المعروف بأن العمل في السعودية حلم يراود الكثير من أبناء شرق آسيا، إلا إن الضيف السعودي صعق برفض أحد المرشحين قبول السفر للسعودية مرجعا سبب ذلك لتجربة سابقة سيئة من عدم وجود حرية دينية أو قانون يؤمن له ممارسة معتقده بحرية تامة.
نحن أصحاب شعارات حوار الأديان والتسامح والإصلاح في حاجة ماسة لزلزال إصلاحي تغييري لهدم البيروقراطية وتحويلها الي كومة أنقاض كي نتمكن من تشييد ديمقراطية متينة ذات قواعد وأسس صلبة وليس مجرد تغييرات شكلية.
العالم اليوم بعد أحداث11 سبتمبر وبعد خطاب حوار الأديان في الأمم المتحدة يضعنا تحت المجهر وقد ضرب العالم عرض الحائط بالشكل الخارجي للإصلاح وبدء يبحث عن تغييرات داخلية جذرية تؤسس لأرضية ديمقراطية.
مصطلحات الإصلاح، التغيير، التحديث، التجديد لا يتم تحقيقها عن طريق مجلس للشورى يتم تعيين أعضائه. لا مناص اليوم عن انتخاب أعضاء مجلس الشورى إذا ما أردنا تحقيق بعض تلك المطامح والتطلعات، فكما نستورد السيارات الغربية بمواصفات محلية تتناغم مع بيئتنا كذلك بالإمكان استيراد ديمقراطية تتناسب مع حاجاتنا وخصوصيتنا الدينية والوطنية.
بالتعيين دائماً ما يستطيع العضو العودة لكرسي المجلس حتى لو قام بارتكاب أخطاء كارثية. أما العضو المنتخب فلا يملك الكثير من الفرص للاستمرار في ارتكاب الأخطاء والتجاوزات لأن العضو يعي تماماً أنه سيسقط في أقرب انتخابات قادمة تماماً كما حدث في الحزب الجمهوري الاميركي في مجلسي النواب والكونغرس وأخيراً الانتخابات الرئاسية.
شرعية العضو المعين شرعية منقوصة على الأقل من وجهة نظر عامة المجتمع. أما العضو المنتخب فيملك شرعية كاملة تخول له التصرف في مصير منتخبيه خلال فترة عضويته بالمجلس.
نحن نملك مجلساً نموذجياً للشورى من حيث الشكل والتشكيل. ففيه لجان متعددة ومتخصصة ويتم تجديد عضوية أعضائه كل أربع سنوات وله صلاحية مسائلة بعض المسؤولين والوزراء دون استجوابهم والكثير مما يشبه أحدث البرلمانات الديمقراطية ولكن ينقصه الركن الأساسي للنظام وهو انتخاب العضو. يقول شبستري عن النظام الديمقراطي "نحن لا نتحدث عن يوتوبيا أو نموذج نظري تخيلي، بل نظام قائم، عناصره واضحة ومعروفة بدقة، وجرت تجربته على نطاق واسع".
أن من يحاول الترهيب والتخويف من إنتخاب اعضاء مجلس الشورى لا ينطلق في دعواه من منطلق الحرص على الوطن أو أن لديه حس وولاء وطني أعلى ولكن المصلحة الفردية تقتضي هذا الهلع والجزع بالتالي يلجأ لتشويه وتقويض التعددية السياسية وتمثيلها أمام صناع القرار على إنها انتقاص من ملكية اتخاذ القرار. وهذا كلام عبثي لا أساس علمي يستند اليه. أليس من المعيب والمخجل لدولة بحجم السعودية تلعب دوراً سياسياً بارزاً في المسرح الاقليمي وذات وزن اقتصادي عالمي لا يزال مسرحها الداخلي راكداً ولا يزال التعيين من أدبياتها السياسية؟ أن الديمقراطية تعزز قوة صانعها وتجعله أكثر صلابة لكونه أرسى أسس ديمقراطية ووضع حجر أساسها.
من المؤكد بأن دعاة نظرية ترشيد المجتمع وحق الوصاية عليه، إسلاميين أو غير إسلاميين، لم ينطلقوا من سبر غور عقيدة إلهية أو من منطلق دراسة اجتماعية معمقة للمجتمع بقدر ما هي مواريث تراث تقليدي تحفظ مكانة دينية ونفوذ اجتماعية لدعاة هذا المبدأ.
في اعتقادي كما في اعتقاد الكثير من المتابعين إنه لو قدر وأجريت انتخابات لمجلس الشورى فقد يسيطر الإسلاميون المتشددون على المجلس وقد يتحول المجلس إلى تصفية حسابات طائفية تماماً كما هو حاصل في مجلس الأمة الكويتي. إلا أن التجربة الانتخابية وحدها تكفل العبور بالمواطن من الإطار الطائفي والقبلي إلى الإطار الوطني ولسوف يفاضل مستقبلاً في اختياره بين قضاياه الجوهرية وبين الشعارات البراقة التي لا تمس همومه وطموحاته، كما حصل في تركيا ذات الهوى العلماني. فبعد سيطرة حزب الشعب الجمهوري مكتفياً بالشعارات العلمانية دون تطبيقها أسقطه الشعب ولم يعد للسلطة منذ 1950.
يجب رفع شعارات الديمقراطية كما يرفع صوت الآذان على المآذن وأن يُسعى بجهد لتطبيق أدبياتها يُضاهي جهد سعي الحاج بين المروة والصفا، لأن الديمقراطية عبارة عن طقوس يؤمن بها الناس فيمارسونها، كلٌ بمقدار إيمانه. يقول الدكتور توفيق السيف "الطريق الوحيد لإرساخ الديمقراطية، كثقافة وآلية عمل، يكمن في توطينها، من خلال إدماج قيمها الأساسية في النسيج الثقافي المحلي للمجتمع".
لا أحد يستطيع الجزم بأن الديمقراطية قد لا تحل جميع مشاكل المجتمع إلا إنها من المؤكد ستجلب رضا المزاج العام وستساعد في حل الكثير من القضايا العالقة والمنسية منذ ردح من الزمن ولنا تجربة ناجحة في الانتخابات البلدية السابقة.
ما أود التأكيد عليه هو أننا بحاجة لعصرنة البناء السياسي، كما أننا نملك الإمكانيات المادية والطاقات البشرية والمناخ الاجتماعي الملائم لتشييد مجلس منتخب للشورى لو توفرت الإرادة السياسية لخوض غمار تجربة ديمقراطية حقيقية. محمد الصادق