غزة تغرق في دمها ودموعها، ولا مخرَج

لندن ـ من شريف كتَّاني
لا أراحتهم السياسة بالعيش في سلام، ولا أراحهم القتال بالموت في سلام

حشود غاضبة، جثامين ملفوفة بأعلام حماس، ومشيعون يسيرون خلفها بالزي العسكري والبنادق الآلية.
في شارع آخر حشود غاضبة أخرى، لكنها تصطف في انتظار الخبز والتموين هذه المرة.
وفي شارع ثالث حشود غاضبة تصطف للحصول على بعض المحروقات.
مشاهد ما زالت مألوفة في القطاع المحاصر، يجمعها الغضب والرغبة في الخروج من واقع مرير وجدت غزة نفسها فيه بلا مخرج.
فلا أراحتهم السياسة بالعيش في سلام، ولا أراحهم القتال بالموت في سلام، والأفقان السياسي والعسكري يبدوان مغلقين إلى إشعار آخر.
وكانت غزة عاشت وضعاً مشابهاً قبل أشهر، لكنها خرجت منه بفعل اتفاق التهدئة الذي وقعته "حماس" التي تحكم القطاع مع الدولة العبرية، والذي أتاح للغزيين التقاط أنفاسهم بعد شهور من الحصار اضطرتهم إلى كسر الحدود مع مصر والاصطدام مع جيشها من أجل الحصول على أسباب الحياة.
لكن الواقع هذه المرة يبدو مختلفاً.
وعاد التوتر إلى القطاع المحاصر بعد أن قرَّرت إسرائيل إغلاق نفق تدَّعي بأن حماس تستخدمه لتهريب الأسلحة، ومع الدماء التي سالت لدى إغلاقها النفق وجدت إسرائيل نفسها تواجه مطراً من الصواريخ التي أطلقتها حماس، وفصائل مقاتلة أخرى.
وأغلقت إسرائيل المعابر في الخامس من الشهر الجاري بعد عملية توغل أعقبها قصف متبادل واستئناف الفصائل الفلسطينية الهجمات على البلدات الإسرائيلية.
وقالت الإذاعة الإسرائيلية إن وزير الدفاع ايهود باراك أصدر الأسبوع الماضي وبعد جلسة مشاورات أمنية، توجيهات بإبقاء جميع المعابر بين إسرائيل وقطاع غزة مغلقة رداً على استمرار "الاعتداءات" الصاروخية الفلسطينية على النقب الغربي.
وهكذا انهارت التهدئة الهشة؛ لكن استخدام حماس لصواريخ من نوع "غراد" أوصل رسالة واضحة في الدولة العبرية مفادها أن إمكانيات الحركة الإسلامية في تطوُّر وأن قدراتها العسكرية الجديدة تنذر بأن القطاع لن يكون لقمة سائغة للجيش الإسرائيلي إن حاول القيام باجتياح.
أما في إسرائيل، فلا باراك ولا ليفني ـ زعيمي أكبر حزبين إسرائيليين كديما والعمل ـ يرغبان في خوض الانتخابات المقبلة تحت وابل من الصواريخ لأنها تضعف موقفيهما.
لكن التحرك الإسرائيلي العسكري أجِّل لاعتبارين؛ الأول الموقفان الأردني والمصري من اجتياح غزة، والثاني تركيز الدولة العبرية على حزب الله الذي ترى فيه تهديداً أخطر من تهديد حماس.
وذكرت الإذاعة الاسرائيلية نقلاً عن "مسؤول اسرائيلي كبير" القول ان عاهل الاردن طلب من أولمرت وباراك اللذين التقى بهما في عمَّان الامتناع عن شن عملية واسعة النطاق على قطاع غزة وعزت ذلك إلى تخوفه من "اضطرابات في مملكته يمكن ان تزعزع نظامه".
وأبدت مصر مخاوفها من أن يؤدي التوتر إلى إشعال حريق في المنطقة يهدد النظام في الأردن.
وبحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن مصر مهتمة لأسبابها الخاصة باستمرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس وأن "التخوف الأكبر في القاهرة هو من احتمال أن يؤدي استئناف الأعمال العدائية إلى إشعال حريق في المنطقة وحتى تشكيل خطر على استقرار النظام في الأردن".
ونقلت صحيفة "معاريف" عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن الأيام المقبلة ستشهد توتراً ليس عادياً لكنه رفض الدعوات في إسرائيل لشن عملية عسكرية شديدة ضد القطاع، مشيراً إلى أن "حماس لا تشكل التهديد المركزي على إسرائيل ولذلك فإن لدينا سلم أولويات، فحزب الله يعمل على زيادة قوته فهل نحن نهاجمه؟".
لكن رسالة حماس إلى إسرائيل تعني للغزيين أن إعادة فتح المعابر باتت ضرباً من المستحيل، وأن حصارهم سيطول إلى أمد ليس بالقصير.
وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة من عمان "نحذر من تداعيات التهديدات الخطيرة التي تصدر عن الحكومة الاسرائيلية ضد قطاع غزة" مشدداً على ان "هذه التهديدات تؤثر على مصير التهدئة وسير المفاوضات".
وتبخَّرت آمال الغزيين مرَّة أخرى بعد فشل الحوار الفلسطيني مع حركة فتح التي تسيطر على الضفة الغربية برعاية مصرية، فمن شأن هذه المصالحة أن تعيد ترتيب أوراق الفلسطينيين تمهيداً للمضي قدماً في السعي لحل سياسي.
وبعد رحلات الوفود المكوكية من الطرفين إلى القاهرة والقدس وعمَّان، ومفاوضات بوساطة مصرية امتدت لشهور، قرَّر الفصيلان المتصارعان إجهاض الحوار.
واستمرت المزاودات بين الطرفين، وأطلقت حركة فتح شرارة حرب قد تنتهي لتكون حرباً مفتوحة ضد حركة حماس عندما دفعت بالمواجهات الكلامية بين الطرفين الى حد غير مسبوق، وقررت نزع الشرعية عن نواب حماس.
وردَّ المتحدث الرسمي باسم حركة "فتح" أحمد عبدالرحمن في تصريح له على وزير الداخلية في الحكومة المقالة بغزة سعيد صيام الذي هاجم الرئيس الفلسطيني محمود عباس معتبراً أنه "لا قيمة له".
وشدَّد عبدالرحمن على رفض الشعب الفلسطيني يرفض "الانقلاب" الذي نفذته حركة حماس وأنه "لا يقبل باستمراره يوماً واحداً بعد أن تحولت (حماس) إلى مجرد عصابة للابتزاز والسرقة وعصابة أنفاق".
غزة اليوم تجد نفسها في مواجهة لاءات ثلاثة جديدة: لا للحوار، لا للقتال، ولا رفع للحصار.