العراق بين سحب القوات واستحقاقات 'التغيير'!

بقلم: نجاح محمد علي

بدا الأمر مفاجئا، حين تبنّـى مجلس الوزراء العراقي مُـسودّة الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وقرر إرسالها إلى البرلمان للمُـصادقة عليها.. يوم الاثنين 24 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، في سياق خطّـة تمّ التوصل إليها سريعا، تمهِّـد التوقيع على الاتفاقية مع الرئيس الأميركي جورج بوش، برغم مطالبات بالتأجيل إلى ما بعد الإدارة الأميركية المقبلة.
غير أن العارفين بخفايا الأمور أو حتى المتابعين بدقّـة لما جرى في الآونة الأخيرة من اتِّـصالات خلف الكواليس وفي العلن، لاحظوا أن قبول مجلس الوزراء بهذه الاتفاقية، التي تمّ تغيير اسمها إلى "اتفاقية سحب القوات"، لتُـراعي بذلك الجانب النفسي للشعب العراقي وربما لخداعه بالتلاعب بالكلمات، سبقته تحضيرات داخلية وأخرى إقليمية مع دول الجوار، أهمها إيران.
داخليا، كانت اللقاءات، خصوصا الليلة التي سبقت اجتماع مجلس الوزراء (الأحد 16 الجاري) وتمّـت على أعلى مستويات نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، حيث تمّ التوصل إلى "توافق" حول الاتفاقية بين الكُـتل السياسية المشاركة في الحكومة، من خلال اجتماعين مهمّـين للمجلس السياسي للأمن الوطني، وهو المرجعية العليا للمفاوضات، باعتباره يمثل أحد مظاهر التوافُـق السياسي الذي يوجّـه لجانب الدستور، العملية السياسية في البلاد والذي يضم زعماء وممثلي الكُـتل السياسية ولمجلس الرئاسة، لترتيب سيناريو إعلان الحكومة عن إقرار الاتفاقية، قبل عرضها على البرلمان، إذ يُتوقّـع أن يتمّ التّـصديق عليها، بحيث تملِـك القوى السياسية المشاركة في الحكومة، الأغلبية البرلمانية، بعدما توصّـلت أكبر كُـتلتين، وهما: الائتلاف العراقي الموحد والتحالف الكردستاني، إلى اتفاق قبل ليلتين فقط من إقرار الحكومة، للتصويت على الاتفاقية.

ويدخل في هذه الترتيبات، تلك الاتصالات المهمة، التي أجراها رئيس الوزراء نوري المالكي مع المرجعية الدينية الشيعية في العراق، خصوصا السيد السيستاني، للحصول على دعمه أو على الأقل مباركته وضمان عدم معارضته، عندما أوفد قبل ساعات من إعلان الحكومة تأييدها للاتفاقية، نائبين عن الائتلاف الشيعي، هما نائب رئيس البرلمان خالد العطية والقيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامي، الذي يتزعّـمه نوري المالكي والنائب علي الأديب، إلى المرجع آية الله علي السيستاني، وأطلَـعاه على الصيغة النهائية للاتفاقية.
السيستاني، الذي كان ترك في السابق أمر الاتفاقية للحكومة والبرلمان، رأى أن الصيغة النهائية للاتفاقية، هي أفضل الخيارات المُـمكنة للعراق، وأنه لن يعتَـرض عليها، مؤكِّـدا على التوصّـل إلى إجماع وطني، ينال تأييد مختلف مکوّنات الشعب العراقي وقِـواه السياسية الرئيسية، لضمان المصالح الوطنية للعراق في استعادة سيادته الكاملة وتحقيق أمنه واستقراره، ورفض أي اتِّـفاق يمسّ بالسيادة العراقية. إيران! أما إقليميا.. فإن هذه الاتفاقية لم تكن لتمرّر - إلى البرلمان ليُـصادق عليها، حسب مبدأ التوافق الذي حصل في الاجتماعات - من دون موافقة إيران.
طهران، التي كانت أول مَـن عارض الاتفاقية التي خضعت لنقاش طويل ولأربع تعديلات، ترى أنه سيكون من الأسهل قبول الاتفاقية بعد انتخاب باراك أوباما، الذي أعلن أنه ينوي سحب القوات الأمريكية من العراق قبل منتصف عام 2010، وأعطت بذلك الضوء الأخضر لأصدقائها العراقيين لتمرير الاتفاقية، بعد التعديل الأخير الذي لا يسمح للقوات الأميركية باستخدام العراق كقاعدة لشنّ هجوم على جيرانه.
وحتى إذا صدرت تصريحات هنا وهناك من مسؤولين إيرانيين برفض الاتفاقية، فهو أيضا من الأمور التي لابد لإيران، الجمهورية الإسلامية، التي تسمي الولايات المتحدة بـ "الشيطان الأكبر"، أن تمارسها في باب "الإتيكيت السياسي"، وهي تعلم عِـلم اليقين أن بعض أطراف الائتلاف الشيعي الحاكم، حليف إستراتيجي لها في السرّاء وفي الضرّاء، بالرغم من معارضة كُـتل أخرى، أبرزها التيار الصدري الذي دعا زعيمه مقتدى الصدر إلى مظاهرة حاشدة يوم الجمعة 21 نوفمبر في بغداد، للتنديد بالاتفاقية.
الصدر، ومن مقر إقامته في إيران، وهو يدرس العلوم الدينية بشكل مكثّـف للحصول على درجة الاجتهاد، تمهيدا لطرح مرجعيته المنافسة، هدّد بتشكيل لواء مقاومة باسم "اليوم الموعود"، لمقاومة الأمريكيين، معتبِـراً أن الاتفاقية تكريس لواقع الاحتلال. مواقِــف نستطيع القول أن الإجماع على الاتفاقية الأمنية، موجود في العراق بين القِـوى السياسية ولا فرق هنا بين السُـنة والشيعة والعرب والأكراد والتركمان، فالجميع في الداخل - عدا الصدريين - يريدون هذه الاتفاقية وموافِـقون عليها من حيث المبدأ.
والمثير، أن الذين يتحفّـظون على بعض البنود، كجبهة التّـوافق، التي تُـصر على الاحتماء بالاتفاقية مع الولايات المتحدة وتُـلحّ عليها أكثر من باقي القِـوى الأخرى، تخشى أن يُـسفر واقع الحال بعد انسحاب القوات الأمريكية إلى تغيير قي ميزان القِـوى لغير صالحها.
فمثلا، تطالب الجبهة بأن تُـفرِج القوات الأمريكية عن المعتقلين لديها وأن لا تسلِّـمهم للقوات العراقية، وهي تتحفّـظ على انتقال مسؤولية أمن "المنطقة الخضراء" من القوات الأمريكية إلى القوات العراقية.
وبالنسبة للصدريين، فإن معارضتهم الاتفاقية، لا تستند إلى برنامج عـملي واضح يساهم في إخراج المحتلّ، فهم يشاركون في عملية سياسية رَعاها الاحتلال منذ الصِّـفر، ويرفضون التوصّـل إلى اتفاقية مع المُـحتلّ.
أما هيئة علماء المسلمين، فإنها تطالب دائما بـ "جدولة الانسحاب"، الذي يبدو أنه تحقّـق في هذه الاتفاقية من خلال مواقيت واضحة، لا ينغِّـص عليها إلا تصريحات رئيس أركان الجيش الأميركي مايكل مولين بشأن احتمال تغيير التواريخ المُـدرجة في اتفاقية انسحاب قوات الاحتلال من العراق، معتبرا أن سحب القوات سيكون مرتبِـطا بالوضع على الأرض، وليس وِفق جدول زمني، ومتوقعًا أن يتِـم تعديل بنود الاتفاقية قبل عام 2011. ملاحظات كما تجب الإشارة إلى أن توقيع وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري والسفير الأميركي رايان كروكر في بغداد، مبدئيا، اتفاقية سحب قوات الاحتلال من العراق غَـداة مصادقة الحكومة العراقية عليها، وقبل أن يبدأ البرلمان بمناقشة مشروع قانون المصادقة على الاتفاقيات الدولية لمناقشة الاتفاقية، يشير إلى أن البرلمان، ليس عليه إلا أن يصادق عليها.
كما أن الضجّـة، التي يثيرها بعض مَـن هم شركاء في العملية السياسية حول الاتفاقية، ليست إلا مُـزايدة كلامية وشعارات. فالاتفاقية مطلوبة من قِـبل الجميع لحماية الجميع والخلاف هو، حول "حجم" المكاسب الطائفية والعرقية.
وبالإضافة إلى الاتفاقية الأمنية، وقّـع زيباري وكروكر اتفاق إطار استراتيجي طويل الأمد، سيحدّد العلاقات بين البلدين لسنوات قادمة، اقتصاديا وثقافيا وعلميا وتكنولوجيا وصحيا وتجاريا، من بين مجالات أخرى كثيرة.
الاتفاقية الأمنية تنُـص على انسحاب القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011، غير أنها تسمح للجانب العراقي بالتّـوقيع على اتفاقية أخرى منفصِـلة، لتبرير الاستعانة بالقوات الأمريكية في مرحلة مقبلة.

تضع الاتفاقية القوّة الأميركية في العراق تحت سلطة الحكومة العراقية شكلِـيا، ليحُـل ذلك محلّ تفويض تبنّـاه مجلس الأمن بعد الاحتلال الأميركي. وستسلم القوات الأميركية قواعدها للعراق خلال عام 2009 وستفقد سلطاتها بمداهمة منازل عراقية دون أمر من قاضٍ عراقي وتصريحٍ من الحكومة، غير أن بعض المعلومات تشير إلى أن القوات الأميركية ستحصل على تصاريح عراقية جاهزة، فيما ينصّ الاتفاق بوضوح على "حماية الجنود الأميركيين من أي اتهامات بارتكاب جرائم، طالما أنها ارتُـكبت" أثناء الواجب.
ويعطي الاتفاق، المحاكم العراقية سلطة إسمية لمحاكمة جنود أميركيين "في حالة ارتكابهم جرائم خطيرة خارج ساعات الخدمة"، ومع ذلك، فقد وضعت الاتفاقية شروطا معقّـدة للغاية، تجعل من المستحيل، عمليا، محاكمة أي جندي فعلا. ويحتفظ الطرف الأميركي بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق، كما هو معرف في القانون الدولي.

صادق على الاتفاقية مجلس الوزراء، المكوّن من 32 وزيرا بأغلبية 27، واعتراض وزيرة شؤون المرأة عن قائمة التوافق (سُـنية) وغياب أربعة وزراء خارج العراق.

وهناك فقرة فيما يتعلّـق بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، تحمِـل في طيّـاتها تهديدا بانسحاب أمريكي مفاجئ في أي وقت، وأن الطرفين يقومان بمراجعة التقدّم الذي تَـحقَّـق باتِّـجاه الوفاء بالتاريخ المحدّد للانسحاب.. والأحوال التي يمكن أن تسمح لكل من الطرفين أن يطلب من الطرف الآخر إعادة النظر في الفترة المحددة.. ويخضع قبول مثل هذا الأمر لموافقة الطرفين. ردع المخاطر الأمنية لا تتضمن الاتفاقية تعهّـدا أميركيا واضحا للدفاع عن العراق ونظامه الاتحادي واستقلاله السياسي ووحدة أراضيه أمام أي تهديد.. وما تم الاتفاق عليه، ليس إلا كلِـمات غير مُـلزمة، مثل "الشروع في مداولات إستراتيجية ووِفقا لما قد يتّـفقان عليه في ما بينهما، وتتخذ الولايات المتحدة الإجراءات المناسبة للتعامل مع مثل هذا التهديد، خصوصا وأن العراقيين يستذكِـرون أن الاتفاقية الأمنية، بين أميركا وكوريا الجنوبية، لم تمنع من وقوع انقلابَـين عسكريين في كوريا الجنوبية، خلال نصف قرن من الوجود العسكري الأميركي.
كذلك، تمهد الاتفاقية لشرعنة الاحتلال الأميركي في العراق وتجعل العراق جزءا من الإستراتيجية الأميركية في محاربة الإرهاب، الذي يشمل هنا حماس والجهاد الفلسطيني وحزب الله، بما يجعل العراق خارج معادلة الصِّـراع مع إسرائيل.
وتمهِّـد الاتفاقية لسيطرة أميركية على الموارد النفطية العراقي، إلى جانب أنها تمنح إدارة بوش المُـنهزمة، نصرا طالما حلمت به.. في العراق.

سيخرج العراق، وفق الاتفاقية الأمنية، من طائلة الفصل السابع، وإذا أخفق البرلمان في المصادقة على الاتفاقية، فستسحب الولايات المتحدة قواتها – كما هدّدت - أو ستبقى في العراق كقوات محتلّـة من غير غطاء دولي، ليتدهْـور الوضع الأمني، وتدخل معه العملية السياسية في دوائر مفتوحة من الاستحقاقات... كل خيوطها بيد الاحتلال! نجاح محمد علي، دبي