'أحلام النقاهة' كوابيس الواقع في وسادة الفن

بقلم: شريف الشافعي
اختزلت أزمات الواقع

"يبدو أن ما ننكوي به نحلم به!"، عبارة موجزة بالغة الدلالة لأديب نوبل الخالد نجيب محفوظ، تلخص باقتدار الأجواء والعوالم "الكاوية"، التي دارت فيها مجموعة أحلامه "أحلام فترة النقاهة"، أو قصصه القصيرة المكثفة، التي اختزلت أزمات الواقع المصري والعربي وكوابيسه في كلمات قليلة، وكان قد دأب في سنوات حياته الأخيرة على كتابتها ونشرها متتالية في مجلة "نصف الدنيا" المصرية التي تصدر عن مؤسسة الأهرام الصحفية، ثم صدرت عام 2006 في كتاب عن دار الشروق بالقاهرة، سبقته طبعة باللغة الفرنسية عن دار "لو روشيه"، وطبعة بالإنجليزية عن الجامعة الأميركية بالقاهرة.
تجسد أحلام نجيب محفوظ في مجملها ملامح بارزة من أزمات وكوابيس الواقع المصري والعربي على الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، وتبدو تلك الأحلام/القصص بمثابة تجليات بالغة الدقة والشفافية تعتمد الخيال والروحانية والأحلام الحقيقية منهجًا، من أجل القبض بقوة على الأحداث والوقائع والمستجدات العصرية.
ويمكن "اعتبار أحلام فترة النقاهة" تتويجًا للاستثمار الفني للأحلام في أدب نجيب محفوظ، وقد كان لهذا الاستثمار حضور في أعماله السابقة، وعلى رأسها مجموعته "رأيت فيما يرى النائم"، على أن الأحلام فيما سبق كانت أحلامًا روائية مصنوعة تمامًا أو مؤلفة كليًّا، أما أحلام النقاهة فإنها ترجمة أدبية لأحلام واقعية، عاينها الكاتب الكبير فعليًّا، رآها في نومه، واتخذها مجالاً لتوصيف الناس والأحداث وحركة الحياة في سطور قليلة ولغة شفافة مكثفة، مع تحميلها بالحكمة الإنسانية وعصارة الفكر والفلسفة والأدب، التي اختمرت في ذهنه على مدار عقود طويلة من الحياة والمعايشة والمكابدة والإبداع.
ومن أسرار عظمة نجيب محفوظ، في مجمل قصصه ورواياته، اتجاهه مباشرة نحو التعبير عن الحياة الإنسانية من خلال أقوى نماذجها، ويمكن رصد هذا الاتجاه بوضوح في أحلام النقاهة أيضًا، فالراوي أو الحالم ليس منقطع الصلة بالآخرين، ولا متقوقعًا على ذاته، وإنما هو متعدد العلاقات، متشابك مع الماضي والحاضر والمستقبل، متفاعل مع الحياة والأحداث والشخوص، رغم الإطار الأسطوري التخييلي للحلم.
ومن ثم، فإن قارئ نجيب محفوظ ـ الذي هو عادةً قارئ يؤمن بأن النص الأدبي تعبير عن ذات صاحبه، ونقطة لقاء حميم على المستوى الروحي والإنساني بينه بوصفه قارئًا وبين أفكار المؤلف ومشاعره ـ سوف يجد في "أحلام النقاهة" ما يتوقعه من توصيف الحياة الإنسانية، التي يتأسطر فيها الحدث وسلوك الشخوص في كثير من الأحيان، على اعتبار أن القصة تعبر عن (حلم) في الأساس، وأنها تمثل موازنة فنية دقيقة بين خيالات الأديب، وكوابيس الواقع.
وقد أوضح نجيب محفوظ ذاته أن "أحلام فترة النقاهة" هي في جميع الأحوال أحلام، فمنطقها غير واقعي، ونقلاتها هي نقلات الأحلام، حيث يمكن أن نكون في مكان فنجد أنفسنا فجأة في مكان آخر. فالأساس المحرك في هذه القصص هو حلم حقيقي، لكنه حلم ليس مساويًا للقصة كما تنشر، فالحلم قائم في كل القصص، ولكن كل قصة تتعدى الحلم إلى أن تصبح أدبًا.
من التجليات الواقعية السوداوية في "أحلام النقاهة"، التي وصفها أديب نوبل بمنتهى التواضع بأنها "أشياء صغيرة لا تزيد على حجم الكف، يقول بعض الكرماء إنـها قصص"، تلك الحالة من الفظاظة والغلظة الإنسانية في العصر الحديث، حيث نهاية الألفية الثانية من عمر البشرية، ومطلع الألفية الثالثة، ومع سيادة تلك الغلظة تتكاثر الجرائم الوحشية، ويصير الملايين في أرجاء العالم ضحايا للفزع والقلق والاضطراب، وتتحول الحروب وميادين القتال إلى "معاهد" عصرية علمية لتعليم القتلة والسفاحين فنون القتل الحديثة! ومن كثرة جبهات القتال وتعددها في مواضع مختلفة من العالم (وبعضها بالطبع في الوطن العربي والعالم الإسلامي)، فإن تلك الممارسات الدموية والأحداث القاسية تغدو أمرًا طبيعيًّا معتادًا لا يستغربه أحد، وكيف يستغرب أحد هذه الممارسات التي يعمل (أصحاب لغة العلم والمنطق) على إضفاء صفة الشرعية والقانونية عليها؟!
ويعد الحلم رقم (87) الأكثر تمثيلاً لتلك الأفكار والسمات المستمدة من الواقع، وفيه يقول نجيب محفوظ "في الصباح الباكر اكتشفت الجريمة الوحشية. وما لبثت وحشيتها أن صارت حكاية على كل لسان. ولكني لم أجد موضعاً للاختباء إذ أن المكان كله يتقاسمه رجال الشرطة وطبيبات المرض النفسي. وأصبحت فريسة للقلق، حتى استدعتني إلى حجرتها كبيرة الطبيبات. وقالت لي: الأكثرية هنا يفسرون وحشية هذه الجريمة بالقسوة الكامنة في طبيعة القاتل، أما أنا فأفسرها بقلة خبرته وجهله للأصول العلمية الحديثة لفن القتل، لذلك قررت إلحاقه بالمعهد العصري للجريمة. والله ولي التوفيق."
ويقترن بتلك البشاعة والفظاظة والممارسات الدموية والأفعال الإجرامية (المنظمة والمهندسة) في الواقع الكابوسي إحساس المواطن (خصوصًا في الوطن العربي) بأنه مستهدف دائمًا من القوى الخارجية والداخلية، التي تتهدده، وترغب في سحقه بدون رحمة، وبلا أية محاكمة، فيشعر المواطن بأنه فريسة ستقع لا محالة أمام السباع الضارية. ويستوي في هذا الشعور العسكريون والمدنيون في العالم العربي والبلاد المستضعفة المغلوبة على أمرها، فالفرد يحمل هزيمته في قلبه، ويتوقع الموت والغدر في أية لحظة، وينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه بدون تهمة واضحة.
وقد أثبت نجيب محفوظ هذه الإحالات والإسقاطات في أكثر من حلم في سياق تنويعات وأجواء متشابهة، ففي الحلم رقم (106) يقول مركزاً على فكرة إعدام المواطنين دون محاكمة في أعقاب الانقلابات الداخلية "غزا الوزارة نبأ بأن انقلابًا قد وقع في الصباح الباكر فتجمع الموظفون حول التليفزيون، واستمعنا إلى البيان الأول، فقال موظف قديم إنه سمع هذا البيان في مطلع شبابه، أما أنا فاكتشفت في زعيم الانقلاب صديقًا حميمًا، ومن فرحتي أعلنت الخبر، فيسرني في ضيق بأن الحياة سوف تضحك لي، فقال الموظف القديم إنه قد تضحك لي الدنيا، وقد أعدم بدون محاكمة."
وفي الحلم رقم (100) يقول الراوي موضحاً أن الإعدام من الممكن أن ينال أي مواطن حتى ولو كان خارج القضية وفي مقاعد المشاهدين "هذه محكمة وهذه منصة يجلس عليها قاضٍ واحد، وهذا موضع الاتهام يقف فيه نفر من الزعماء، وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقاً لمعرفة المسؤول عما حاق بنا. ولكني أحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل، حتى اعتدل القاضي في جلسته استعدادًا لإعلان الحكم باللغة العربية، فاسترددت للأمام، ولكن القاضي أشار إليّ أنا، ونطق بحكم الإعدام، فصرخت منبهًا إياه بأنني خارج القضية، وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي."
وفي الحلم رقم (88) يسخر نجيب محفوظ من قرارات الإعدام التي تصيب المواطنين بلا محاكمة ودون تهم واضحة، ويبرز كيف أن مشهد الإعدام قد بات مثل مناسبة اجتماعية تستحق الاحتفال ودق الطبول، حيث يقول "في قريتنا كل فرد ينتظر رسالة قد تقرر مصيره. وذات يوم تلقيت رسالتي فقرأت فيها أن الحكم صدر بإعدامي شنقاً. وذاع الخبر كعادة تقاليدنا. فاجتمع أعضاء نادي القرية وقرروا الاحتفال بالأمر في حينه. أما في بيتي حيث أعيش مع أمي وأخوتي وأخواتي فقد انشرحت الصدور وعم السرور. وفي اليوم المنتظر دقت في النادي الطبول. وخرجت أنا من بيتي في أحسن زينة محاطًا بأفراد أسرتي، ولكن أمي شذت عن حالنا، فدمعت عيناها، وتمنت لو كان العمر امتد بأبي حتى يشهد بنفسه هذا اليوم السعيد."
وفي الحلم رقم (51) يكشف نجيب محفوظ كيف أن كتائب الجيش قد طوقت قطار الحياة واستولت عليه، وشنت الحرب بلا هوادة على ركابه من المدنيين والعسكريين على السواء. ويوضح محفوظ كيف أن الهجوم العسكري الذي تقوم به الجيوش العملاقة ضد بلاد مسالمة بأكملها وحالات القتل الجماعية قد باتت كلها أمورًا عادية لا تحتاج إلى عقد محكمة أو حتى مساءلة! يقول صاحب نوبل "وقف القطار دون وجود محطة فتساءلت صاحبتي عن السبب، ولكني لم أدر كيف أجيبها. وإذا بكتائب من الجيش تطوّقه وتقتحمه شاهرة أسلحتها، وساقت إلى الخارج كثيرين من ضباط الجيش الذين كانوا بالقطار وعدداً محدوداً من المدنيين. وقُبض عليَّ فيمن قُبض عليهم، فتركت صاحبتي منزعجة خائفة. وجدنا أنفسنا في صحراء. أمرنا الجنود المسلحون بخلع بدلنا والبقاء بملابسنا الداخلية، ولكنهم وضعوا العسكريين في ناحية والمدنيين في ناحية. وأخذنا نتهامس أننا ضعنا وانتهى الأمر. وجاء قائد الجنود ونادى علينا. كل واحد باسمه، وتساءل صوت منا: هل تقتلوننا بلا محاكمة؟ فأجاب القائد بصراحة: الأمر لا يحتاج إلى محاكمة. وتحرك القطار، فتذكرتُ صاحبتي."
وحول انقسام العرب إلى جماعات متناحرة متعددة الأفعال والأقوال متراشقة بالألفاظ بلا فاعلية حقيقية وبلا قدرة على توحيد الجهود من أجل نضال جاد ضد القوى الخارجية المعادية تدور مجموعة من أحلام النقاهة. ومن خلال هذه الأحلام يكشف نجيب محفوظ كيف أن العرب ـ من قادة وجماهير وأحزاب وتيارات سياسية وأيديولوجية ودينية ..إلخ ـ قد باتوا عاجزين عن الفعل في أحوال كثيرة، وغير قادرين إلا على السفسطة والكلام المكرور بلا طائل، وهو الأمر الذي يقود إلى (اللاشيء) وإلى تداخل الأصوات واختلاطها في الهواء وإلى الانتظار المجاني السلبي لأن تتحسن الأوضاع في المستقبل!
ويجسد الحلم رقم (60) بشكل مكثف جانبًا من تلك المعاني، وفيه يقول "دققت جرس الباب ففتح عن ثلاث فتيات، يقينًا أني لا أعرفهن، لكنني شعرت بأنني لا أراهن لأول مرة. سألت عن السيدة صاحبة الشقة فأجبن بأنها ما زالت في الحج ولم يعرفن بعد ميعاد عودتها. وسرن بي إلى حجرات الشقة. وعند فتح كل باب أرى جماعة حول مائدة مستديرة غارقين في مناقشة حادة، ولكني لم أعرف أي موضوع يناقشون من اختلاط الأصوات وتداخلها. ولم أرغب في الدخول في أي غرفة مفضلاً انتظار السيدة صاحبة الشقة. ولفتت نظري إحدى الفتيات بأن السيدة سوف تتأخر بضعة أيام، ومن يأسي أجبتها ـ بعد أن اشتركت في المناقشات دون جدوى ـ أنني أفضل انتظار عودة السيدة."
ويبالغ نجيب محفوظ في إظهار صور السلبية وحالات التغييب التي تبدو عليها بعض دول العالم العربي والإسلامي إزاء الأزمات والكوارث التي تصيب دولاً عربية وإسلامية أخرى (الممارسات الصهيونية في فلسطين على سبيل المثال)، ويرصد بشاعة أن يجد الإنسان لذة في ممارسة حياته وأن يستمتع بها في حين أن أخاه الإنسان ينـزف دمًا ويتضور ألمًا على بعد سنتيمترات قليلة منه، ويرى محفوظ أن هذه هي قمة المفارقة وغاية المأساة الإنسانية في عصرنا الحديث الذي لا يفكر أحد فيه إلا في مصلحته الشخصية.
ويجسد الحلم رقم (53) هذه الصورة الواقعية الكابوسية، حيث يقول فيه "سألت عن صديقي فقيل لي إن الموسيقار الشيخ زكريا أحمد يسهر في بيته كل ليلة شادياً بألحانه حتى مطلع الفجر، فقلت (يا بخته). ودعيت لحضور سهرة، فذهبت إلى الحجرة الواسعة المزخرفة جدرانها بالأرابيسك، ورأيت الشيخ زكريا جالساً على أريكة محتضناً عوده وهو يغني (هوه ده يخلص من الله)، وفي حلقة جلست الأسرة نساء وأطفالاً وبينهما رجل معلق من قدميه وتحت رأسه على مبعدة ذراع طست مليء بمية النار. ذهلت. وضاعف من ذهولي أن الجميع كانوا يتابعون الغناء دون أدنى التفات إلى الرجل المعذب."
ومع شيوع وتعدد حالات السطو على المنازل (وكذلك السطو على الدول وحصارها وشن الحروب عليها.. إلخ) تشيع أيضًا حالة من القبح الكلي فوق وجه الواقع، وتصير الكلمة العليا للفوضى التي تعود بالإنسان إلى شريعة الغاب، في حين يتذرع المتمدينون بالنظام ويتقنعون بأقنعة التحضر، وفي ظل هذه الأوضاع تتحول بيوت المواطنين غير الآمنين إلى مسارح للخوف وكهوف مظلمة تتجول فيها الأشباح كما يصور نجيب محفوظ في أحلامه، ومنها الحلم رقم (103) الذي يقول فيه "ماذا جرى لبيتنا؟ جميع المقاعد تلاصقت وسمّرت قوائمها في الأرض، وخلت الأسقف من المصابيح، والجدران من الصور، والأرض من السجاجيد، فماذا جرى لبيتنا؟ قالوا بأنه إجراء لتأمين البيت لتعدد حوادث السطو على المنازل، فقلت دون تردد إن السطو أحب إليّ من القبح والفوضى."
وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية، فلن يسلم أحد من الطوفان، ولن يأمن بيت من النيران التي تأكل كل البيوت، ولن تبقى دولة بمعزل عن الخطر حتى وإن ظنت أنها في أمان وقتي، فأصحاب اليد العليا والقوة العظمى والمصلحة في استمرار المعارك لن يدعوا أية فرصة للمعارك لكي تتوقف أو تهدأ، وهذا ما عبر عنه محفوظ في الحلم رقم (96) قائلاً "اشتد العراك في جانب الطريق حتى غطت ضجته ضوضاء المواصلات، ورجعت إلى البيت متعباً، وهناك تاقت نفسي إلى التخفف من التعب تحت مياه الدش، فدخلت الحمام فوجدت فتاتي تجفف جسدها العاري، فتغيرت تغيراً كلياً، واندفعت نحوها، ولكنها دفعتني بعيداً وهي تنبهني إلى أن ضجة العراك تقترب من بيتي."
وفي الحلم رقم (94) يشير محفوظ إلى معنى مشابه، مركزًا على أن الخطر سيطول الجميع وينال منهم بالتأكيد ولو بعد حين، ومؤكداً أن المشي في الشوارع الجانبية مثله مثل المشي في الشارع الرئيسي، ففي الحالتين سيقع المواطن البريء المسالم فريسة للصوص وقطاع الطرق والبرابرة الغازين، حيث يقول "خمسة انقضوا عليّ شاهرين المطاوي، فسلبوا نقودي وفروا بسرعة مذهلة، ولكن بعض ملامحهم انطبعت على ذاكرتي، ومنذ وقوع هذا الحادث تجنبت المشي منفرداً في الشوارع الجانبية، غير أن الشارع الرئيسي لم يكن يخلو من متاعب. فذات يوم وجدت المرور متوقفاً والناس متكدسين على الجانبين، وما لبث أن جاء طابور من سيارات عديدة، ولما مر أمام ناظري مؤخرة الطابور لمحت وجهاً انشق لمرآه قلبي، فجعلت أنطق (يخلق من الشبه أربعين)."
وفي الحلم رقم (81) يوجه محفوظ تحذيراً غير منقطع الصلة بالتحذيرات السابقة يوصي فيه بعدم الارتكان إلى الدنيا على وجه العموم، على اعتبار أن الأيام دول، وأن الدنيا خادعة، تغري أصحابها وأتباعها بالشهد، في حين تدس لهم السم في العسل، حيث يقول "أخيرًا ذهبت إلى القصر ورجوت البواب أن يبلغ الهانم أن الفائز بجائزتها حاضر ليقدم الشكر بنفسه إذا تنازلت وسمحت بذلك، ورجع الرجل بعد قليل وتقدمني إلى بهو راعني جماله وضخامته. ولم تلبث أن عزفت الموسيقى لحن الإقبال، فأقبلت الهانم تتهادى في أبعادها الفتانة، فقمت لألقي خطاب الشكر، ولكنها بحركة رشيقة من يديها كشفت عن ثدييها وأخذت من بينهما مسدساً أنيقاً وصوبته نحوي فنسيت الخطاب، وأخذت أنصهر من قبل أن تلمس الهانم زناد المسدس."
ويجسد نجيب محفوظ في أحلامه حالات الازدواجية التي تمر بها كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، حيث التذبذب في السياسات والأفكار بين القديم والجديد، الموروث والوافد، الكلاسيكي والحداثي، الأصيل والمعاصر، ويوضح كيف أن تلك الازدواجية قد تقود إلى ضياع الشخصية وفقدان الملامح والذوبان في الآخر، كما قد ينشأ عنها صراع ذاتي واجتماعي بالغ الخطورة.
ويجسد الحلم رقم (95) ملمحًا من تلك الازدواجية، وفيه يقول "تمت الموافقة على بدء الرحلة، فتلقى الأهل الخبر بالرضى وسارعوا إلى إمدادي بالمال، فذهبت من فوري إلى الترزي لتفصيل بدلة على أحسن موضة، وقام الرجل بعمله كأحسن ما يكون، ولم يكتف بذلك، بل جاء بعمامة أنيقة ووضعها على رأسي وهو يقول: إنه بذلك تصبح البدلة على أحسن موضة."
أما الحلم رقم (71) فيبرز فيه نجيب محفوظ جانباً من التناقض بين الماضي والحاضر أكثر مأساوية، حيث يرسم صورة هزلية كاريكاتورية للقائد أو الزعيم أو السياسي أو الدبلوماسي (العربي)، فهناك تناقض صارخ بين تفاهة وقدم موكبه وفخامة وعصرية ملبسه، وبين روحه المرحة الهزلية ومنصبه الراقي الجليل، وبين مظهره المثير للضحك وشخصيته القوية الوقور، يقول محفوظ "كان أجمل ما في عهد شبابنا صديق نادر المثال. آية في خفة الروح وحلاوة النكتة ورشاقة القفشة وبراعة القافية وثراء الحكايات والنوادر، وإلى ذلك كله لم يكن يضن علينا عند الطلب بالغناء والرقص وسائر فنون اللهو. هكذا أمتعنا دهراً، حتى وقع عليه الاختيار لشغل وظيفة مرموقة عرفت في بلادنا بالجلال والوقار. وتوجسنا خيفة أو سرعان ما تحقق تخوفنا فقال لنا وكأنه يرد عنا إنه قرر تغيير حياته من الألف إلى الياء، ولم يراجعه أحد وسلمنا أمرنا لله. وكان إذا قابلنا في مناسبة حيانا بوقار شديد يعمق شعورنا بالغربة والأسى. ووهنت العلاقة الحميمة وقاربت التلاشي، ولم نعد نسمع عنه إلا في نشرة التنقلات والترقيات. وأخذنا نتناسى حتى نسيناه أو كدنا. وباعد الزمن بيننا وبينه حتى شاء القدر أن نلتقي على غير ميعاد، ذلك عندما احتفلت البلاد بعيدها القومي الجديد. خرجنا للمشاركة والفرحة، وعزفت الموسيقى النحاسية، ودقت الطبول. وتقدمت فرقة من الجيش تبعتها فرقة من الشرطة تبعتها سيارات الصفوة، وهنا طالعنا صديقنا القديم ولكن على حال لم تجئ لنا في خاطر. رأيناه يمتطي حماراً، ويتجلى التناقض صارخاً بين تفاهة موكبه وفخامة ملبسه. وكان يثير الضحك أينما ظهر. لكنه والحق يقال لم يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا حاد شعرة عن وقاره."
وفي إطار هذه الصور السياسية والعسكرية والاجتماعية القاتمة، فإن صورة الثقافة والمثقفين في الواقع العربي تبدو هي الأخرى مختلة في أحلام النقاهة، فنجيب محفوظ يرصد حالة التردي والتخلف والانحدار التي وصل إليها أدعياء الثقافة والفكر والمسؤولون عن المنتديات والمعاهد والمؤسسات الثقافية في البلاد، وكيف أنهم يكادون يكونون أميين أو جهلاء بأبسط مسلمات العصر وأشهر الحقائق العلمية المكتشفة منذ قرون طويلة. ويبالغ محفوظ في إظهار الفقر الثقافي لدى طبقة الرأسماليين على وجه الخصوص، وإبراز انعدام الوعي لدى الجماهير التي تتدفق لحضور ندوات ومؤتمرات ينظمها ويتحدث فيها أشخاص غير مؤهلين للحديث، ورغم ذلك فإن آلافًا من البشر يتدافعون للنهل من ثقافة وعلم هؤلاء المتحدثين والخطباء الذين لا يفقهون شيئًا، في حين يبدو المثقف الحقيقي منعزلاً أو منبوذاً!
يقول محفوظ في الحلم رقم (93) "على سطح بيت قريب رأيت أثاثاً يرتب وينمق، فسألت، قيل لي إن صاحب ذلك البيت حول بيته إلى معهد ثقافي بالمجان قانعاً بالمعيشة فوق السطح، فأعجبت به وأكبرته وعزمت على حضور بعض دروسه، ووجدت المكان غاصاً بالبشر، وقال الرجل إن درس اليوم سيكون عن الثور الذي يحمل على قرنه الأرض، وصدمني قوله بشدة، ففرت مني ضحكة ساخرة، فاتجهت نحوي الوجوه شاخصة بالغضب. أما الرجل فرماني بنظرة عابسة وهو يشير إلى باب الخروج."
ويفيد نجيب محفوظ صراحة في بعض أحلامه بأن منطق القوة هو الذي يسود العالم ويحكمه في العصر الحديث، حيث يبطش القوي بالضعيف أمام أعين الجميع بكل بجاحة وصلف، ولا يمتلك أحد من الضعفاء حق الدفاع عن نفسه أو عن غيره أو حتى إبداء المعارضة، وإذا تجرأ أحد على الاعتراض أو المقاومة فإنه يلقى مصيراً محتوماً هو الهلاك.
ويرى محفوظ أن الوحدة العربية تظل حلماً صعب المنال ولكنه غير مستحيل، وأنه إذا تحقق فستكون للعرب حركة مجدية، في حين أنهم في شتاتهم الراهن يبدون فاقدي الحركة أو فاقدي الوعي إزاء التحديات والقوى العدوانية والمستجدات العصرية.
ويمثل الحلم رقم (90) تصوراً لمثل هذه الأفكار والإحالات الواقعية، وفيه يقول نجيب محفوظ "تم بناء البيت فكان تحفة معمارية جاء إليها الناس من جميع الأطراف وكل يأمل امتلاكها. وكثرت المساومات واشتد الجدل حتى شق الجموع عملاق وهو يقول بصوت جهير: إن القوة هي الحل. ووجم الناس إلا واحداً تصدى له فقامت بينهما معركة حامية حتى تمكن العملاق من توجيه ضربة إلى رأس خصمه فهوى فاقد الوعي، ثم اقتحم العملاق البيت وأغلق البيت بإحكام. وتمر الساعات فلا يفتح في البيت منفذ إيفاء للانتقام. أما الواقفون في الخارج، فلم يأتوا بحركة مجدية، وكأنهم في الوقت ذاته لم يتفرقوا." شريف الشافعي
شاعر وكاتب من مصر sharifjournal@hotmail.com