المحروس يدرس مناهج الدراسات الدينية ومحنة التحول الثقافي

وقائع جديرة بالرعاية والاهتمام

المنامة ـ صدر كتاب "مناهج الدراسات الدينية .. التطور الإجتماعي ومحنة التحول الثقافي والبدائل المؤسسة" عن "دار المحجة البيضاء" في 640 صفحة من القطع الوزيري لمؤلفه الباحث البحراني كريم المحروس، ليبلور من خلاله محفزا علميا حديثا للمتخصصين الباحثين في أعماق هذه التجارب الإنسانية الرائعة، وليدل به على دوافع تتبع وقائع التطور والتحول الثقافي والمؤسسي لأهم مرحلة علمية مثيرة متميزة في نهاية القرن التاسع عشر حيث أسست لدور الإصلاح وقواعده ومنطلقاته، وتركت آثارها على خصوصيات نهاية القرن العشرين التي شهدت ولادة تجارب إصلاحية متقدمة في مناهج الدراسات الدينية في كل من المؤسسة التعليمية في الأزهر والقرويين والزيتونة والنجف الأشرف وكربلاء وقم المقدستين.
ويدون كريم المحروس في مقدمة كتابه هذا تصميمه على إعداد هذا البحث وتسجيل بعض الوقائع الجديرة بالرعاية والاهتمام والتقدير والاعتزاز في هذا الاختصاص، إلى جانب تسجيله للمحات عن الوقائع التي تقمصت لباس الإصلاح والتجديد ثم تكشفت ادعاءاتها وأن انحرافها في المنهج والوسيلة.
وإلى جانب المفصّل والمجمل من المعلومات والأفكار التي أوردها المحروس في كتابه هذا؛ يشير المؤلف إلى أنه وجد عناءً كبيرا في مهمة الوصول إلى المعلومات والأفكار المرادة من بين صفحات مصادر البحث، لأن الكثير منها لا تحكي قصة التجارب الإصلاحية في مناهج الدراسات الدينية ولا خلفياتها الفكرية ومقاصدها الحقيقية بشكل مجرد خالص، وكانت تحلل في أكثر الأحيان في الجوانب الشخصية لبعض المصلحين بغية توجيه فكر الإصلاح إلى أغراض ومقاصد فئوية أو طائفية خاصة أكثر منها علمية خالصة.
وكانت أكثر المصادر التي اطلع عليها المؤلف قد غطت جهود الإصلاح في المؤسسة التعليمية الدينية على اتجاه الخلافة، كالأزهر بشكل خاص، بينما افتقرت المكتبة إلى تغطية جهود الإصلاح في مناهج الدراسات الدينية في المؤسسة التعليمية الدينية على اتجاه التشيع بشكل تفصيلي وعلمي مجرد من الخلفيات والميول الفكرية والعصبية والحزبية السياسية، وهي جهود إصلاحية مهمة كان لها دور ريادي كبير وواسع جدا في أكثر التحولات المفصلية الخطرة التي عانتها مجتمعاتنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال المرور عليها بشكل متعجل.
ولا شك أن الطموح إذا ما كان خالصا، فذلك يقتضي أيضا الإحاطة بالتجربة بما كانت تظهر عليه من صحة وخطأ من دون الخضوع للقيود والضغوط على حساب الموضوعية والعلمية.
وفي هذا المجال يذكر المؤلف في كتابه أن الكثير من خبايا الأبعاد الإصلاحية تتداخل في بعضها البعض، ولو ذهب الباحث إلى تفاصيلها لخرج عن المراد البناء من وظيفة البحث ولألب على نفسه من لا يعي الحقائق من ذوي القصور العلمي والشحن الأيديولوجي الحزبي والعصبيات الطائفية. فالبحث المفصل في هذا المجال يقتضي كشف الكثير من الحقائق التي ربما يرجعها البعض إلى (عالَم سفلي) سلبي تدور الكثير من حوادثه بين زوايا وأروقة المؤسسة التعليمية الدينية.
ولمثل هذا البحث المفصل الذي نأى المحروس بقلمه عن سبر غوره بحاجة إلى تضافر الكثير من الجهود لدراسة كل قسم من مجالاته بشكل مستقل لإخراج تغطية متكاملة وشاملة له ومعوضة عما كان دارجا من مصادر وبحوث حذرة محدودة التغطية أو منحرفة النتائج أو قاصرة عنها.
اعتمد المؤلف في إعداد هذا الكتاب على المنهجين العامين: التاريخي والمقارن، وهما أساس الدراسات العلمية، حيث رجع إلى مصادر البحث (الكتب والأشخاص) وتدارس معارفها ونقل منها وعنها نصوصا كان لها علاقة بمادة البحث بعد التمعن فيها والإجتهاد في إدراك وفهم مدلولاتها، كما تدارس الأفكار ومبادئها العقلية وسيرتها الاجتماعية، وخلص بما توافر منها من معارف ومعلومات إلى أغراض تطلبها البحث واتجاهه العلمي، وسعى إلى تنظيمها تمهيدا للوصول إلى النتائج والاستنتاجات المرجوة من خطة البحث والكتاب.
وكانت خطة السير في هذا البحث قد تحددت في إطار أربعة فصول رئيسية تقدمها تمهيد في تعريف الإصلاح لغة واصطلاحا حيث عني المحروس فيه بمفهومه واختلافه عن المفهوم الغربي الذي طغى على منابع الفكر الديني وقواعده القيادية وأحدث انقلابا حقيقيا على هذا الفكر وقواعده. كما عني بمفهوم الإصلاح في المصادر الدينية وتفاعله عند جهود الإصلاح وتمسكها به في التعاطي مع المحيط التعليمي الديني.
وقُسّم الفصل الأول من هذا الكتاب إلى قسمين: عني القسم الأول بمبدأ الاجتهاد ودوره في التمهيد للإصلاح والتجديد في مناهج الدراسات الدينية ومفهومه عند مدارس التجديد وأقسامه، بينما عني القسم الثاني بنشوء المؤسسة التعليمية الدينية وتطورها انطلاقا من المساجد إلى الدور والمنازل، ثم استقلال التعليم الديني في أماكن خاصة به. كما عني هذا القسم أيضا بحركة الإبداع ودور التبعية والتقليد فضلا عن أهم تجربة رائدة خاضتها أهم شخصية دينية شيعية (ابن إدريس) وأبدعت فيها.
ناقش الفصل الثاني بعض جوانب التحولات المجتمعية التي سبقت ورافقت جهود الإصلاح والأسس الحضارية التي رافقت عهد التحول العلمي والمعرفي الديني وبدايات عهد الانحطاط وغلبة الاستعمار القادم على عصبية علمية منظمة في ظل أجواء اضمحلال لمقومات عهد السلطنة العثمانية وتراجع الأوضاع التعليمية التي عاصرت هذه الظروف وتأثرت بها بشكل خطير.
وغطى الفصل الثالث دراسة تحليلية لخلفيات الإصلاح وعواملها وتفاعل التحولات السياسية والإدارية في سلطة العثمانيين في عاصمة السلطنة ذاتها وولاياتها وتقدم الجهود الإصلاحية التعليمية في بعض الولايات على الحركة التعليمية الجامدة في عاصمة السلطنة، ودور حركات التبشير في الجذب التعليمي وفصل التعليم المدني عن التعليم الديني، ودور ذلك في إثارة حفيظة المؤسسة التعليمية الدينية وتأهبها للمواجهة، ودور الجذب التعليمي في خلق الجدل المجتمعي في أمر المناهج التعليمية وأثرها في الجمود أو التطور الحضاري.
وفي هذا الجانب عنى هذا الفصل أيضا بأهم ثلاث ولايات عثمانية تركت بصماتها واضحة وجلية على مناهج التعليم، هي العراق والشام ومصر، إضافة إلى صراع النفوذ في هذه الولايات الناجمة عن حركة التعليم المدني المسيحي التبشيري.
وغطى هذا الفصل أيضا مقومات وآليات التجديد بين فكر ابن خلدون والتنظيمات العثمانية وتطور جهود الإصلاح وخلفياته النظرية والعملية على دور النموذج الكبير السيد جمال الدين الأفغاني وانقلابه على الجمود وصناعته وتأصيله للبديل الثقافي والتعليمي الحضاري بمعونة تلامذته، وتفاعلات المؤسسة التعليمية الدينية عند اتجاهي الخلافة والتشيع، إضافة إلى ركائز الإصلاح والوعي وتفعيل الذاكرة والتصدي لمساعي قوى الاستعمار ودراسة ظواهره.
أما الفصل الاخير فقد خلص فيه المؤلف إلى تفصيل مواطن التقويم في المنهج القديم وغياب النظام والتدرج التعليمي وانقطاعه عن المحيط الخارجي، وأثر التمسك بالعلوم القديمة ومؤلفاتها، ومؤدى جهود الإصلاح في العراق ومصر وتونس والمغرب والجزائر، ثم تخلف النظم والطرق التعليمية القديمة.
وعالج في هذا الفصل مسألة التعليم الديني والاختراقات الثقافية بين اتجاهي التشيع والخلافة والغرب الوافد ودور الفلسفة والتصوف الفلسفي في ذلك، ومقومات منهج الإصلاح وصناعة البدائل المنهجية والمؤسسية ووجوه التعليم الديني العراقي بين حوزتي النجف وكربلاء المقدستين والمنفى القسري واستقلاله وتطور البدائل المؤسسية، ثم محنة الأزهر الشريف والقرويين والزيتونة أمام تحولات الدولة وتطورها.
وإلى جانب تلك الركائز ومواطن التقييم في نظم ومناهج الدراسات القديمة ووسائطها، وما ذكره المؤلف في فصول بحث هذا الكتاب، أوجد منهج البحث نتائج عامة، كان أهمها: أن التعليم المدني لم يستطع أن يحل بديلا متكاملا عن التعليم الديني، إنما استطاع أن يشكل من نفسه نظيرا أو منافسا له في مجالات كثيرة، ومتفردا بخصائص وأهداف تختلف عن أهداف وخصائص التعليم الديني. لكن قيام الدولة الحديثة على أسس علمية حضارية رفع من حظوة التعليم المدني، وأسقط من هيبة وأهمية دور التعليم الديني، وحدد مجالاته في شؤون خاصة كالقضاء وبعض مجالات المواريث والأوقاف والأحوال الشخصية والاجتماعية.
ويفصل المؤلف بين نتائج البحث في نشوء وتطور المؤسسة التعليمية الدينية ومناهجها ووسائلها التعليمية في مراحل متقدمة كانت تتبع حاجات الناس وتفاعلاتها الاجتماعية والثقافية، لكن تبلور النظام السياسي للدولة الحديثة وتطور مهامه في شأن علاقته بالمجتمع ورجوع المجتمع إلى بعض مؤسساته التي أضحت بديلا نظريا وعمليا عن مهام ووظائف المؤسسة التعليمية الدينية؛ ربما جعل بعض مدارس المؤسسة التعليمية الدينية تميل كل الميل إلى كسب صفة رسمية في نظام الدولة، خصوصا وأن الدولة الحديثة لم تتجرد مطلقا عن المذهبية الدينية، فكان ذلك مبررا صريحا لخضوع هذه المدارس التعليمية الدينية للنظام السياسي المتبني لمذهبها الديني، فعقدت معه تصالحا وحلفا على التمثيل.
ويؤكد المؤلف كريم المحروس من خلال أهم نتائج بحثه على مسألة في غاية الأهمية عالجت ملكات الإرث والتراث العلمي الضخم وإمكانية تأسيس مؤسسات تعليمية عظيمة على أثره، كالمعاهد والمراكز والجامعات في مختلف التخصصات العلمية المتقيدة بمناهج حديثة معالجة ومنظمة لهذا الإرث والتراث ووسائل حديثة يمكنها من إيصال المادة العلمية إلى ذهن طالب العلم بسهولة ويسر وبأقل كلفة مادية حتى تجعل منه شخصية متكاملة الأبعاد وقادرة على التفاعل مع محيطها العلمي.
ويختتم المؤلف بحثه بهذه النتيجة، وهي: إنه لا خلاف في أهمية صناعة مؤسستين تعليميتين دينيتين: تعتمد إحداهما على نفس المنهج التقليدي القديم، إلى جانب مؤسسة أخرى تعتمد المنهج الحديث بمستويات علمية وتدرج مماثل لما هو معتمد في المؤسسات التعليمية المدنية كالجامعات ومعاهد الدراسات العليا، فتؤدي كل واحدة منهما وظيفة مختلفة وتستوعب الميول الخاصة عند الطالب مع حساب المستوى العمري ودرجة الذكاء والحفظ وملكة التحليل والربط.
ولكن الخلاف يكمن خلف تحقيق الأهداف والغايات والمقاصد ومستوى مخرجات ونتائج وظيفة دينية وتربوية خطيرة وحساسة جدا يستوجب جعلها الرأس المفكر والقائد والزعيم والموجه والمصوب لحركة الأمة.
فلو قررت مناهج تعليم حديثة في كلا المؤسستين التعليميتين، فإن فرزا مهما سيحدث بين المواد المعتمدة كعلوم وقواعد أساسية يجب على الطالب اجتياز مراحلها الدراسية وبين علوم أساسية يتوجب على الطالب دراستها والتفوق فيها بعد انتهائه من تعلم القواعد الأساسية، لأن منهج المؤسسة التعليمية الدينية في حال تضخم دائم، تحشر فيه المواد الأساسية التي تمثل قواعد الدراسة الدينية إلى جانب مواد أساسية يستوجب على الطالب متابعة دراستها بعد الانتهاء من التمكن من القواعد والأساسيات العلمية. فهناك مادة الفلسفة والعرفان والمقارنات الأصولية والفقهية والمنطق والنحل والملل التي تحتاج في معرفتها إلى قواعد ومقدمات يمكن أن يلج فيها الطالب بعد انتهائه من دراسة القواعد والأسس العلمية الدراسية بجهد ذاتي أو بمساعدة المدرسين في أوقات وظروف خاصة.
إن هذا التضخم والتكديس للمواد في مراحل المقدمات أو السطوح إذا ما رافقته شدة التعقيد في عبارات وألفاظ المؤلفات المعتمدة في منهج الدراسة إضافة إلى اختصار شديد بين الأسطر ملزم لتفكيك مدرس بارع وذهن استيعابي متين للطالب؛ فإن ذلك مما يسهم في تقليل النتائج الإيجابية المرادة من الدراسة الدينية.
بهذا الكتاب الشامل والجامع بين رسالة الماجستير ومخطوطة أخرى له في اختصاص "المناهج" يكون المؤلف قد خرج على اتجاهه في الكتابة السياسية عقب صدور مؤلفاته "جزيرة بلا وطن"، و"مظاهر التغير السياسي والاجتماعي في البحرين"، و"المنشأ السياسي للفرق الإسلامية" ليدشن مرحلة جديدة من البحوث العلمية المنهجية.