هل تعاند 'البقرة الحلوب' الخليجية مطالب الغرب لأول مرة؟

باريس - من حبيب طرابلسي
أمام فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها

"عذرا مستر براون.. الخليج ليس بقرة حلوب" و"لدينا أزماتنا الخاصة" و"عبد الله ليس ملك الكاش العالمي"، هذا ما قاله كتاب الافتتاحيات السعوديون خلال جولة رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون الأخيرة في الخليج بحثا عن مساهمات لمصلحة صندوق النقد الدولي لمساعدته على مواجهة الأزمة المالية العالمية خلال قمة مجموعة الـ20 المزمع عقدها في 15 نوفمبر/تشرين الثاني في واشنطن.

"بقرة حلوب".. نعم لكن بدون ضغوط

رغم أن السيد براون صرّح عقب جولته الأخيرة في الخليج أنه حصل على "ردود إيجابية" من الدول النفطية الخليجية الثلاثة (السعودية وقطر والإمارات) التي زارها، واصلت الصحافة السعودية التي عادة ما تعكس الآراء الرسمية تأكيدها أن بلدان الخليج عازمة على "عدم الخضوع للضغط"، وحتى على "فرض شروطها".
يهدف برنامج صندوق النقد الدولي الذي تقدر قيمته بـ250 مليار دولار إلى مساعدة البلدان المتأثرة بالأزمة المالية التي اندلعت في 15 سبتمبر/ايلول الماضي في وول ستريت.
واقترح عبد الله القويز، الأمين العام المساعد الأسبق لمجلس التعاون الخليجي المكلف بالشؤون الاقتصادية، سلسلة من "التوصيات" الموجّهة بصفة غير مباشرة للملك عبد الله بن عبد العزيز الذي ستمثل بلاده مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر، بحرين وعُمان)، في اجتماع مجموعة الـ20 المقبل.
وأوصى القويز، وهو كذلك وكيل سابق لوزارة المالية والاقتصاد الوطني للشؤون الاقتصادية السعودية، بإنشاء "جهاز أو هيئة مستقلة أو مرتبطة بصندوق النقد الدولي مشابهة لمجلس الأمن الدولي لديها سلطة تنفيذية من أجل مراقبة المؤسسات المالية وشركات الاستثمار الأميركية".
وأضاف القويز أنه "من المتوقع أن يطلب من بلدان مجلس التعاون المساهمة لتوفير موارد إضافية للصندوق، وسيكون ذلك مقابل الحصول على امتيازات إضافية ومحسوسة" موصيا هذه البلدان برفض "أي قيود على استثمارات صناديق الثروات السيادية العائدة لدول المجلس" في الولايات المتحدة وأوروبا، التي كانت تقدّر بحوالي 1000 مليار دولار قبل انطلاق الكارثة المالية.
كما صرّح القويز في مقال نشرته الصحيفة السعودية "الاقتصادية"، أنه "ينبغي مطالبة الدول الأوروبية بعدم وضع بنود سياسية ضمن اتفاقية التجارة الحرة التي يجري التفاوض بشأنها بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي".
وكان القويز دعا في مقال نشرته نفس الصحيفة مطلع سبتمبر دول المجلس إلى إعادة النظر في مفاوضاتها "العقيمة" مع الاتحاد الأوروبي، متهما البرلمان الأوروبي بـ"عرقلته" من خلال تقديم "تسعة مطالب" سياسية، من بينها مطلب خاص بحقوق الإنسان في بلدان مجلس التعاون.
يقوم مجلس التعاون الخليجي الذي تم تأسيسه في 25 مايو/أيار 1981، منذ سنة 1988 بمناقشة هذه الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي التي طالما تم الإعلان عن إبرامها، ولكنها لا تزال في طريق مسدود.

المساهمة في اتخاذ القرار

إن دول الخليج التي تأثرت بالأزمة المالية، خاصة تدهور أسواقها المالية وانخفاض شديد لأسعار النفط "ترغب في المشاركة في صنع القرارات الخطيرة المتعلقة بحالة المال والاقتصاد في السوق العالمية"، حسب عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات.
من جهته، قال كاتب افتتاحية صحيفة الوطن "لم يكن للدول الخليجية يد في الأزمة (...) والحل هو إعادة هيكلة النظام المالي العالمي"، مضيفا أن "الغرب الذي يبدو أنه يسعى خلف مصالحه لا يعبأ كثيرا بمصالح الدول الخليجية. على الدول الخليجية أن تسعى هي الأخرى خلف مصالحها. أيّ أموال تقدمها الدول الخليجية يجب أن تتم بشروطها وبضماناتها أنها ستعود إلينا. فالوضع الخليجي اليوم لا يسمح بأن نذرف الدم من أجل الآخرين". لا مجال للمجاملة كتب راشد محمد الفوزان عشية زيارة براون إلى السعودية "حين ارتفعت أسعار النفط أصبحت هناك مطالب وضغوط على المملكة لضخ مزيد من النفط لخفض السعر وقد حدث. والآن الأزمة العالمية تطالب 'الدول النفطية الخليجية' كما تسميها الصحافة حتى إنها لا تذكر أسماء الدول ذات السيادة والوجود، بمساعدة 'العائلات البريطانية' وكأن بلادنا لا توجد بها عائلات ولا فقراء ولا محتاجون".

وواصل الفوزان في صحيفة الرياض قائلا "أتمنى أن يقوم الوزير البريطاني بزيارة لجنوب الرياض وجنوب المملكة وشمال المملكة وغيرها، وأن يعلم أن لدينا بطالة وأزمة مياه وأزمة تعليم ومخرجات وتحديات سياسية لا تنتهي، وأن لدينا نصف سكان المملكة لا يملك منزلا، والقائمة تطول"، مشيدا رغم كل هذا بـ"ملك الكاش العالمي" على جهوده من أجل القضاء على الفقر.
وكان العديد من كتاب الافتتاحيات، في أغسطس/آب المنصرم عشية اجتماع جدة بين بلدان منتجة وبلدان مستهلكة للنفط من أجل توقيف التهاب الأسعار انتقدوا بشدة قرار الرياض باستعدادها لاستخراج المزيد من النفط الخام.
كتب عبد الله ناصر الفوزان في 18 أغسطس في صحيفة الوطن قائلا "هل نحن محتاجون لكل هذا الإنتاج الضخم؟ الإجابة (...) وهي أننا لا نحتاج ذلك لأننا الآن نحول جزءاً كبيراً من هذا الإنتاج اليومي إلى أرصدة دولارية تبقى في البنوك الغربية".

"هم يخزنون البترول ونحن نخزن الدولارات في بنوكهم! لماذا نجامل الدول المستهلكة على حساب مستقبل أبنائنا وأحفادنا؟".
"أعتقد أننا نقترف خطأ كبيراً في حق أبنائنا وأحفادنا مجاملة لمن لا يقدر تضحياتنا".

واستاء "زكي" في منتدى حوار الانترنت "لسنا بقرة حلوب. كل يوم تستعملون الفيتو ضدنا في مجلس أمنكم. أبناؤنا يذوقون الأمرين للحصول على تأشيرة دخول بلدانكم للتعلم فقط! أنتم أول من يقفل الأبواب لمجرد أن مجموعة من بعض الأشخاص من بين ملايين هاجموكم، وكأننا كلنا إرهابيون (...) ها قد جاءت الفرصة لدول الخليج لتعيد لنا ولو بعض الاعتبار".
أخيرا، صرّح وزير الثقافة والإعلام السعودي إياد مدني عشية توجه الملك عبد الله إلى واشنطن مرورا بالمغرب الأقصى، أن الرياض "ستؤكد على ضرورة مراجعة أسلوب المراقبة على المصارف الدولية وكذلك أسلوب عمل وهيكليات المؤسسات المالية العالمية".