دروس اللحظة التاريخية للتغيير مع أوباما

بقلم: ماجد أحمد السامرائي

ما حصل في أميركا يوم الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري بالفوز المميز لباراك أوباما على منافسه الجمهوري جون ماكين في الوصول الي البيت الأبيض لا يمكن أن ينظر إليه بمقاييس اللعبة الديمقراطية الأميركية على أهميتها، ولا ينحصر في الرقعة الجغرافية للولايات المتحدة، لكونه يعني المجموعة الكونية الخاضعة لهيمنة القطبية الواحدة.
هذا الحدث له دلالات ومعطيات ينبغي التوقف عندها من قبل العراقيين كشعب واجه المحنة الكبرى في الاحتلال العسكري بكل ما خلفه من نتائج ما زال جرحها نازفاً لحد اللحظة، ويتطلع الى سبل الخلاص من الكارثة الممتدة إلى جميع نواحي الحياة وكذلك من قبل السياسيين الحكام والمهمشين ومن قبل عموم المثقفين.
فليس من المناسب حصر النتيجة الانتخابية الناجحة بالعوامل الفنية التي استطاع أوباما وفريقه الانتخابي إدارتها على الصعيد الداخلي بسبب السياسات الخاطئة لإدارة بوش في مجالات الاقتصاد والخدمات الاجتماعية وصولاً إلى الأزمة المالية التي تعصف بالولايات المتحدة حالياً وخلفت عجزاً يتجاوز 7 ترليونات دولار أميركي. أو لقدرة حملته الانتخابية على كسب موالاة المؤسسات المالية الأميركية وتمكنه من تحقيق مئات الملايين من الدولارات لدعايته الانتخابية. أو لفشل إدارة بوش في حربي العراق وأفغانستان.
إن ما حصل في الرابع من نوفمبر هو لحظة تاريخية مهمة في حياة الأميركيين وأبناء البشرية، وهي أكثر من ذلك بالنسبة للعراقيين، ولعل القفز فوق هذه اللحظة وعدم مراجعة معطياتها، ووضع مقاسات للسياسات المقبلة لأوباما تعبر عن مزاج المصالح الخاصة، ويتمنى بعضها لو ذهبت تلك السياسات الي أقسي ما نفذته سياسة بوش خصوصاً تجاه حالتي القضية العراقية والصراع العربي الإسرائيلي. والاستبقاء الأولي لبعض الإجراءات الإدارية التمهيدية لطاقم إدارة أوباما، وهذا مما لا يعطي هذه اللحظة التاريخية قيمتها على واقع الحركة الإنسانية وخصوصية القضية العراقية.
إن ما كشفته حقيقة اختيار الشعب الأميركي لأوباما هي إن هذا الشعب صاحب الحضارة المدنية الحديثة كان وفياً لتراثه الحي في الحرية والديمقراطية، وقد اخترق في الرابع من نوفمبر حواجز اللعبة الديمقراطية وسخرها لصالح خياره التاريخي في إسقاط منهج التوسع والحروب والعدوان وقهر الشعوب الذي مثله بوش الابن وفريقه المتمثل باليمين المتطرف، وصناعته بطله الرمز أوباما الذي كان ذكاؤه يتمثل في استجابته لضمير الشعب الأميركي، وتحمله مسؤولية التغيير. ولو لم يكن أوباما هو الذي استثمر تلك اللحظة لكان هناك قائد سياسي آخر يعبر عن انتفاضة الشعب الأميركي ضد رموز الظلم والقهر والاستبداد والاستهانة بالقيم الأخلاقية والإنسانية التي ارتكزت عليها معايير الديمقراطية منذ قرون. لقد أوقع منهج بوش أميركا والبشرية في مستنقع الرذيلة تمثل ذلك في شواهد مجزرة احتلال العراق التي ما زالت مستمرة علي يد ممثلي منهجه في العراق. حيث أرادوا أن يتوجوه بوهم "الانتصار" لكنهم فشلوا، واستطاع أوباما خطف "الانتصار" لصالحه وصالح منهجه.
وبالنسبة لنا كعراقيين ينبغي التوقف عند خلاصة المعطيات والدروس التي تشكلها اللحظة التاريخية التي أختار فيها الأميركيون أوباما وعدم القفز فوقها للسياسات المتوقعة من قبله تجاه العراق. أولاً: شكل الرابع من نوفمبر نهاية وسقوط مشروع الاحتلال والعدوان الذي قاده بوش ضد العراق وشعبه. ولكن، ليس من المنطقي توقع ان الاحتلال العسكري بوجهه الفني سينتهي خلال شهور قليلة. إن ما حصل في واشنطن، التي ما زالت الحالة العراقية بيدها، يعني بأن ظلال هذا التغيير ستحدث في بغداد، أي إن جميع الأدوات الفنية العراقية (السياسية والأمنية والعسكرية) ستبطل مفاعيلها مهما حاولت تمرير وسائل التمويه بعدم حصول التغيير ومظاهر النفاق السياسي الذي قد يقنع بعضها بعضاً، لكنه لن يقنع إدارة أوباما ومعه الكونغرس وجميع المؤسسات السياسية والاستخبارية والإعلامية التي ستخدم المنهج الجديد.
ثانياً: خلال المرحلة الانتقالية التي قد تمتد قليلاً الى ما بعد العشرين من يناير/كانون الثاني 2009 من وجهة النظر التكتيكية في إدارة بلد مثل أميركا، تعيش الأحزاب والقوي الحاكمة اليوم في بغداد حالة طوارئ جدية خشية علي مصيرها الحتمي وهو إنها كانت الجزء الأخطر في مشروع بوش في العراق، فقد منحته الشرعية، حيث كان يدعي في خطابه السياسي والإعلامي "بأن العراقيين يريدون هكذا" وستنشط تلك الأحزاب والقوى والجماعات الحاكمة باتجاهات قد تقع تحت تأثيرات الموقف الإيراني وليس العراقي خصوصاً بعد الرسائل الأولية السلبية التي صدرت من أوباما تجاه ملف إيران والرد من قبل حكومة طهران. مما سيجعل حكام المنطقة الخضراء في وضع قلق إذا ما رجحوا مصالح الغير على مصالح العراق. كما إن تلك الأحزاب والجماعات وكذلك الحكومة ستحاول التسريع بانجاز مشاريع الفيدراليات التقسيمية لضمان الوضع الإيراني في جنوبي العراق، وكذلك انجاز قانون النفط والغاز والاتفاقية الأمنية لتقديمه كهدية ملغومة للإدارة الأميركية الجديدة. وستعمل على تصوير حالها أمام إدارة أوباما بأنها الممثل الشرعي الوحيد لشعب العراق مستندة على وثائق مزيفة في الدستور والانتخابات سوقت مشروعهم الطائفي. لعل الأخطر مما تواجهه تلك الأحزاب والحكومة هو تصميم إدارة أوباما المقبلة على برمجة الانسحاب وفق الأجندة الأميركية ومصالحها والسقوط الحتمي لمشروع الطائفية في العراق.
ثالثاً: كما ستشهد المرحلة الانتقالية هذه احتمالات تعطيل معظم البرامج والسياسات الإعلامية والترويجية التي كانت تديرها مافيات مرتبطة بالبنتاغون أو الخارجية داخل العراق حيث تقدم النفقات المالية الطائلة الي أشخاص ومؤسسات إعلامية وثقافية أو منظمات مجتمع مدني محلية وهمية وفق كذبة "تحسين وجه أميركا" عندما تكون عملية التحسين الحقيقية هي تغيير المنهج. وليس من المشكوك فيه أن يتسارع الراضعون الذين اعتادوا على الارتزاق قبول البديل الإيراني الذي قد تقنن تخصيصاته وفق الواردات النفطية مع ان ما يعطي يؤخذ من نفط العراق المنهوب.
رابعاً: أمام هذا المشهد الملتبس الذي سيصاحب العملية السياسية العراقية خلال الأيام المقبلة تبرز أهمية المشروع الوطني العراقي اللاطائفي الذي تتوزع قواه داخل وخارج العراق بعد التهجير الإجباري لقرابة ثلاثة ملايين من العراقيين بينهم النخب السياسية والثقافية الرافضة للاحتلال والطائفية، ضمن مخطط الإفراغ لمواجهة مثل هذه اللحظات المصيرية. إن حضور مكونات هذا المشروع السياسية بقوة الى جانب المقاومة الوطنية الرافضة للإرهاب بكل جماعاته، عبر عمل سياسي وإعلامي جاد وتوافق على الحد الجبهوي الأدنى، يشكل ضرورة لا تتحمل التأجيل. لتقديم رسالة واضحة الى الإدارة الجديدة عبر برنامج وطني للانقاذ.
إن الفشل في العراق لا يقتصر على الجانب الأميركي حسب، بل إن الجماعات والأحزاب الطائفية تتحمل مسؤولياتها، وإذا كان إعصار التغيير قد حصل في واشنطن، فإن صداه لا بد أن يحصل في بغداد، ولا بد من عودة الحقوق لشعب العراق الصامد الصابر. ماجد أحمد السامرائي، كاتب وسياسي، لندن