دورة البابطين تطرح سؤال الثقافات الحاكمة لعالم اليوم

الكويت ـ من أحمد فضل شبلول
القضايا العربية بين الفهم وسوء الفهم

انطلقت صباح الثلاثاء 28/10 فعاليات وأنشطة وجلسات الدورة الحادية عشرة لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري والتي تحمل اسم "معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين" برعاية الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت، وذلك بمقر مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي.
وحملت الندوة الأولى عنوان "المشهد الثقافي العالمي الراهن والثقافات السائدة فيه، ورأسها د. محمد الرميحي.
واستعرضت الباحثة هدي صالح الدخيل في بحثها "المشهد الثقافي العالمي المعاصر في ظل العولمة" البوادر الأولى للعولمة وبيان أن العولمة كانت اقتصادية في بداياتها، فهي قديمة قدم التاريخ، ابتداء من الحضارة الصينية، وانتقالا إلى الرومانية والإسلامية والمنغولية وغيرها.
وتحدثت الباحثة عن الفكر الليبرالي وبدايات انطلاقته الأولى في بريطانيا وكيف أن انتشار العولمة على مستوى دولي بدأ بتخفيض الرئيس ريجان الضرائب على المؤسسات وتحرير الاقتصاد من تحكم الدولة، ما أدى إلى انتشار السطوة الأميركية، وذلك على عدة أصعدة ثقافية وعلمية وتجارية وسياسية واجتماعية، لكن ذلك لم يمنع من ظهور مؤسسات منظمة تقف في وجه العولمة، مع أن الكثير من المختصين يرى أن العولمة ما هي إلا امتداد لليبرالية، وأنها السبب الرئيسي وراء الكساد الاقتصادي واستنزاف الطبقة الوسطى.
وتطرق بحث الدخيل أيضا إلى قضية العولمة الثقافية ومسألة التعدد الثقافي، حيث انتشرت هذه الثقافة عبر أفلام هوليوود، ونشر الثقافات الأميركية المحلية بدلا من الثقافات الأصلية للأمم سواء في العمل أو المطبخ أو غير ذلك كالموسيقى، مما يؤدي إلى انتشار الهوية المهجنة، والوعي العالمي.
ودرس البحث نقطة مهمة، هي "الصدمة الثقافية" التي تؤدي إلى "الضغط الثقافي" وذلك نتيجة معايشة أكثر من ثقافة أو الانتقال من ثقافة محلية إلى ثقافة جديدة كليا.
وتحت عنوان "المشهد الثقافي العالمي والثقافات المهيمنة" تحدث البروفيسور أنتونيو فريندو الذي أكد أن الإمبريالية الثقافية قد فسرت على أنها شكل من أشكال استعمار ما بعد الحداثة حيث أن الأمم المهيمنة تسيطر على "الوعي" و"الاستهلاك" عند الشعوب بدلا من السيطرة على الأرض، الدولة، أو المؤسسات السياسية.
وقال فريندو إن للثقافات المهيمنة أثرا كبيرا على بعض الأشخاص غير المدركين، فتأثرهم بالأجنبي قد يفقدهم الكثير من خصائص الثقافة الأم، وباختصار فإن هذا يعني بأن الظاهرة المعروفة بالعولمة هي بشكل رئيسي ظاهرة سلبية، وما يطلق عليها بـ "العولمحلية" وهي تعبير أو تسمية جديدة نابعة من "العولمة" و"المحلي" بالإشارة إلى محاولة أمم مختلفة أن تضفي الطابع المحلي أو الوطني على بضائع عالمية، وهذا بالطبع لا يشكل حلا للمشكلة. يبين هذا أنه من الممكن خلق نوع إنساني من العولمة يتجاوز فكرة التخطيط طويل الأمد من أجل التوزيع العادل للثروة، فهذا يشكل فقط خطوة أولى جيدة، لكن من أجل خلق عولمة إنسانية يجب رأب الصدع بين الغرب والشرق (الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي) فنحتاج إلى حل أكثر عمقا.
ويعتقد أنتونيو فريندو أن ذلك الحل يكمن في دعم العلاقات الإنسانية على المستوى الفردي والاجتماعي، ولكن الوضع الحالي بعيد كل البعد عن العلاقات الطيبة بين الأمم، فالشرق يرى في الغرب مجتمعا ماديا علمانيا إلى أبعد الحدود، بينما الغرب يعتقد أن الشرق متخلف ومتطرف دينيا، ومما يزيد الطينة بلة هو أن الغرب يفرض ثقافته على الشرق من خلال العولمة الاقتصادية.
وأكد البروفيسور أن العلاج الفعال للنواحي السلبية للعولمة الثقافية هو الحوار والاحترام المتبادل والوعي الثقافي (وهذا يشمل دراسة لغات الأمم الأخرى) والتجارة المبنية على المساواة. وهذه القيم يغنيها الدين، فقيمة الحب قيمة مشتركة بين الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي، وبناء على ذلك يمكن للهيمنة الثقافية أن تتحول إلى علاقات ما بين الثقافات المختلفة، حيث تتعامل جميع الأطراف باحترام ومساواة.
ومن جانبه رصد الدكتور هشام مصباح في بحثه "المشهد الثقافي العالمي المعاصر: قراءة نقدية ورؤية مستقبلية" الجزء الخاص بالمشهد الثقافي العالمي المعاصر وتطور ظهور الحضارة الغربية كقوة عالمية غالبة بدءا من القرن السابع عشر، وطبيعة الصراع الذي نشأ بين القوى الكبرى داخل هذه الحضارة، والذي انتقل من صراع اقتصادي تجاري في الأساس إلى أيديولوجي مع نجاح الثورة الشيوعية البلشفية عام 1917 وبداية ظهور الأنظمة الأيديولوجية في أوروبا، ليبدأ الصراع الدولي في تقسيم الاصطباغ بصبغة أيديولوجية جرى على إثرها تقسيم العالم إلى كتلتين مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم سقطت الشيوعية، وبدأت الاندماجات الاقتصادية الكبرى مؤذنة بالعولمة، لتصبح الحضارة الغربية هي الرافد الرئيسي للعولمة من خلال الهيمنة على قدرات اقتصادية وإعلامية ضخمة، خاصة الولايات المتحدة التي يمثل اقتصادها ثلث الاقتصاد العالمي، ليمتد التأثير إلى بقية العالم، وتصبح الدول التي تحتل المراتب الأولى في انتشار مظاهر العولمة بها دولا من خارج الحضارة الغربية.
وتشير دراسة مصباح إلى أن الثقافة العربية قد أصابها وهن كبير في إنتاجها الحضاري، وذلك على مستوى التعليم والرياضة والإبداع العلمي والفني، إلا أن الإنجاز الحضاري الأساسي للعرب يبقى دائما هو استمرارية هذه الثقافة بلغتها العربية ودينها الإسلامي، ومن ثم فإن تصنيفا للحضارات الرئيسة في العالم لا يخلو من الحضارة الإسلامية.
وفي بحثه شدد البروفيسور جوزيف مايلا على أن مسألة حوار الحضارات أصبحت اليوم قضية تفرض نفسها في آن معا على العلوم الاجتماعية والسياسية والحياة الدولية، لدرجة أنه لا يمر يوم واحد دون ذكر أهمية أو ضرورة العمل على تقريب الثقافات في جريدة ما، أو في مؤتمر من المؤتمرات الجامعية، أو في لقاء من اللقاءات السياسية.
وأوضح مايلا أن هناك عدة مبررات تجعلنا نفكر في هذه المسألة دون غيرها من المسائل التي تشغل العالم اليوم، مثل مسألة ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، أو أزمة الغذاء العالمي، وأمراض العصر من الإيدز إلى الأوبئة الأخرى.
وقال مايلا إن هذا البحث إذن معني بالتعرف على هذه المبررات التي جعلت من مسألة حوار الثقافات الشغل الشاغل لدى المثقفين في عصرنا الحاضر، وذلك في الرد على أسئلة كالمذكورة أدناه.
ـ هل أصبحت مسألة حوار الثقافات مظهرا من مظاهر "السياسة المقبولة؟"
ـ ما هي الحقيقة التي تكمن وراء حوار الثقافات؟ بمعنى ما هي وظيفة حوار الثقافات؟
ـ ما الدور الذي ينفرد حوار الحضارات في القيام به دون غيره من المؤسسات؟
ـ إلى أي مدى يصلح لنا أو يجب علينا إقامة مؤسسة لحوار الثقافات في كتابة دستور معين له وتحديد مقر لإقامة وإدارة نشاطاته ومواسمه وكتابة توصياته؟
وأشار مايلا إلى أنه، وعلى الرغم من المكانة الإعلامية التي اهتمت بمفهوم حوار الثقافات، إلا أنه لم يخضع حقيقة للفحص والتحليل في جوهر فحواه مع العولمة، ولم يحدث فقط أن الثقافات انفتحت بعضها على بعض، بل إن ثقافات مهيمنة تهدد بفرض نفسها على باقي الثقافات مخلفة حرمانا وإحباطا.
***
وفي الجلسة الثانية من دورة البابطين وحملت عنوان "صراع المصالح تأثيره في المشهد الثقافي العالمي والعربي" وترأسها د. سليمان العسكري، استعرض د. الحسان بوقنطار تأثير المصالح في المشهد الثقافي العالمي، موضحا أن الثقافة أصبحت تمثل رهانا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا "فهي المحدد للسياسة الاقتصادية والتربوية وقواعد العمل السياسي وتأصيل الديمقراطية."
وقال بوقنطار إن الوطن العربي لا يمكن أن يكون فعالا في هذه الثورة التكنولوجية العالمية إذا لم يستثمر مصادر النفوذ المعاصرة ونقل قيم الحداثة عبر الحوار والتفاعل الإيجابي بين ما هو عالمي وما هو مرتبط بخصوصيته.
وأضاف بوقنطار أن الوطن العربي ينبغي ألا يبقى في موقف دفاعي أو رافض للتدفقات الثقافية المختلفة بل عليه أن ينخرط بشكل فاعل عبر سياسات ثقافية واضحة المعالم توفر الإمكانات الضرورية للخلق والإبداع في الديناميكية العلمية التي يتفاعل فيها الثقافي بأبعاد مادية أخرى.
ومن جانبها تحدثت الدكتورة أنس دباش في الجلسة عن الثقافة باعتبارها تمثل مجموعة من السمات الروحية والمادية التي تشكل المجتمع ومعناها الأنثروبولوجي الذي يرى أن الثقافة موجودة بجذورها في سلوك كل إنسان يعيش في مجتمعات حديثة أو تقليدية.
وأضافت دباش أن الدولة المتقدمة تنظر إلى عولمة الثقافة كضمان تعاون في مجالي التربية والثقافة مع الدول النامية بهدف بلورة الوعي في الحقائق الاجتماعية والاقتصادية باسم الثقافة.
وتحت عنوان "القضايا العربية بين حسن التقدير وسوء الفهم" استعرض أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي الدكتور عبدالرزاق قسوم في الجلسة ذاتها قضية هاجس الالتحاق بالغرب التي استبدت بالذهنية العربية.
وقال قسوم إن غياب الوعي بإثبات الوجود وضياع كل معالم الحدود هو الفاصل الهش بين الشعور بالقوة ودبيب الإحساس بالضعف موضحا أن فوضى الأيديولوجية المستبدة بالغرب قد أحدثت انقلابا في العقليات العربية نتج عنها ما يعانيه المجتمع العربي من ولع بالتقليد والاتباعية للغرب.
وأضاف أنه من ذلك تبدأ رسالة المثقفين الملتزمين بقضايا الأمة في العمل على تحصين الذات وشحن العقل بالعلم والوعي بمكونات المجتمع العربي سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا كي يتمكن من تغيير عقليته الحالية.
وأكد الدكتور جميل جريسات في بحثه "القضايا العربية بين الفهم وسوء الفهم" في الجلسة أن الوطن العربي يقف على تقاطع مصيري تاريخيا حيث يواجه العديد من القضايا الداخلية والخارجية قد تؤدي إلى مستقبل أفضل أو الانزلاق في منعطفات خطرة.
وتحدث جريسات عن أهمية دور العولمة والتي هي "روابط عالمية بآثار مختلفة" في الوضع العالمي الجديد، وأن على الدول العربية تفهم الوضع وتغيير سياساتها الإدارية وإلا ستبقى مهمشة في الساحة العالمية.
وتنتهي أنشطة وفعاليات الثلاثاء من أيام الدورة الحادية عشرة لمؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بأمسية شعرية شارك فيها الشعراء: إبراهيم الأسود (سوريا) ولينا إسماعيل مطاوع (الأردن) وعبدالمنعم عواد يوسف (مصر) ومحمد نجيب مراد (سوريا) وعبدالله السلوم (السعودية) وروضة الحاج (السودان) وهارون هاشم رشيد (فلسطين)، بالإضافة إلى فقرة فنية قدمتها الفرقة الكويتية. أحمد فضل شبلول ـ الكويت