أضواء على الحالة العراقية الراهنة

بقلم: سمير عبيد

هناك أضحوكة صدّقها العالم بأن هناك "ديموقراطية وحقوق الإنسان"، والحقيقة أن هذين الاصطلاحين المهمين لا وجود لهما في ذهنية المسؤول الأميركي والغربي عندما يتعامل أو يتجه نحو العالم الثالث بشكل عام، ونحو منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. وحتى في داخل الولايات المتحدة وأوروبا فهما اصطلاحان ميّتان عندما يكون التعامل مع المهاجرين بشكل عام، ومع العرب والمسلمين بشكل خاص، بل هما اصطلاحان خاصان بالرجل الأبيض "الأشقر". وهذه حقيقة!

والحقيقة هي أن هناك قضية متعلقة بهذا الموضوع، وحيّرت معظم المفكرين والمحللين وهي: "كيف تُفتح المطارات والموانئ والحدود والقصور الرسمية العربية والإسلامية لهؤلاء الناس، ولا يُرد لهم أي طلب، بل يُسلّم العربي والمسلم لهم مكتوفا مع الممنونية، وهم بنفس الوقت يحتقرون العرب والمسلمين، ويمارسون ضدهم أبشع أنواع العنصرية والتعجرف في المطارات والموانئ ونقاط الحدود، وفي جميع محطات التعامل، وكذلك يشنون ضدهم أي ضد العرب والمسلمين أبشع الحملات ضد دينهم ومعتقداتهم وثقافتهم وثرواتهم وموروثهم وحضارتهم، بل وصل الأمر لتطبيق جميع أنواع الحصار، ثم شن الحروب ضدهم واحتلال بلدانهم ونهب ثرواتهم".

فهل هي سلطة القوي على الضعيف، أم هي سلطة الشجاع على المتخاذل... أم ماذا؟

ولماذا لا نمارس السياسة نفسها ضد هؤلاء، وثأرا لكرامتنا ومعتقداتنا وموروثنا وثقافتنا، خصوصا ونحن العرب أي دولنا، و"الرسميون" يمتلكون مشاركة فعالة في عصب اقتصاد أميركا والغرب، ونحن الذين أنعم الله علينا بالثروات والموقع الإستراتيجي، وإكسير حياة شعوب هؤلاء؟

فالعلّة إذن.. تكمن في فقدان الإرادة عند "معظم" حكامنا العرب، وفقدان الشجاعة تماما، والتعوّد على الخنوع والإهانة، والتلذذ بعذابات شعوبهم العربية والإسلامية سواء الصادرة منهم مباشرة، أو التي تصدر من أعوانهم، أو من سيدهم الأشقر!

وهذا يعني أنهم ينقسمون (القادة العرب) إلى قسمين:

1ـ قادة ديكتاتوريين، ولكنهم يحبون وطنهم وأمتهم، ويمتلكون حيزا من الكرامة والشجاعة التي يصعب تمييزها هل هي من أجل أنفسهم، أم من أجل شعوبهم وأوطانهم. وهذا الصنف من الحكام غير مرضي عليه من السيد الأشقر (الأميركي والأوروبي) ويعتبره تهديدا له ولمصالحه، وخاض ضد هؤلاء الحرب المباشرة والوصول لحالة الإعدام مثلما حصل مع نظام صدام حسين. وعلى الآخرين من هؤلاء شن الرجل الأشقر حرب التسقيط والاستنزاف والتهويل والحصار الاقتصادي والدبلوماسي والسياسي، ووضع الدول وهذه الأنظمة على لوائح أميركية وغربية سوداء، والسبب كله لأن هؤلاء رفضوا الانبطاح بدرجة 100%، ورفضوا إعطاء جميع مفاتيح دولهم وقصورهم ومكاتبهم وأسرارهم وخزائنهم للرجل الأشقر. وهنا سر العداء معهم، وليس من أجل الديمقراطية والإصلاح، ولا حتى من أجل حقوق الإنسان ولا بطيخ. فالرجل الأشقر الذي يحتقر ويكره العربي والمسلم وفي كل مكان قطعا لن يسأل عن حرية وحقوق هذا الإنسان، بل يتمنى له الإبادة وسيدعم من يبيدهم بشرط أن يكون صديقا وحليفا له!

2ـ قادة ديكتاتوريين على رؤوسهم ريشة وفوق قصورهم رايات حمراء! وهؤلاء هم الذين سلّموا مفاتيح دولهم وقصورهم ومكاتبهم وحقائبهم وخزائنهم، بل سلموا مفاتيح غرفهم الخاصة، وحتى خزانة ملابسهم للرجل الأشقر (ولا نعني المواطن الأميركي وشقيقه الأوربي بل نعني الإدارات السياسية)، فهؤلاء وبنظر الرجل الأشقر قادة رسميون ويمارسون حكمهم وعملهم بشكل ديموقراطي، بل هناك دعم لوجستي وعسكري واستخباري لهم من قبل الرجل الأشقر ليزيدوا من الظلم والقهر ضد شعوبهم، وكلما زادوا من هذا الظلم كلما حصلوا على التكريم و"العفارم" ولأن ظلمهم وقهرهم يُعزز قدوم ودخول وبقاء الرجل الأشقر في دولهم بحجة تطبيق الحرية والديموقراطية، وبحجة دعم المرأة والشباب والطفل، وبحجة الإصلاح والتحديث. ولكن الحقيقة هي الهيمنة على مقدرات هذه الشعوب والدول، والعمل على غسل أدمغة هذه الشعوب، وتحويلها إلى شعوب مستهلكة ومستقبلة للبضائع الفاسدة والمغلفة بالحرية والديموقراطية والتي يصدرها الرجل الأشقر، وحسب مزاجه ودون رقيب أو سؤال من قادة ومؤسسات هذه الدول التي تقودها قيادات من هذا النوع.
لذا فالجيوش، والشرطة، والمؤسسات الأمنية، والمطارات، والموانئ، وحرس الحدود، والمخابرات، وجميع أنواع الأسلحة ومعها خزائن هذه الدول كلها في خدمة وحماية الرجل الأشقر وتحت أمره، وما هؤلاء الحكام إلا مجرد "بوسطجية" ينفذون الأوامر، وإرسال الرسائل ليتم التنفيذ. وكل هذا مقابل بقائهم في قصورهم وكراسيهم، ولهذا شاركوا بجميع الحروب والدسائس التي قادها الرجل الأشقر ضد الدول والشعوب العربية التي تعرضت لظلم ومكائد وحروب وتدخلات الرجل الأشقر. لذا فهؤلاء مجرد منتسبين وبدرجات في فصيل تابع للرجل الأشقر ليس إلا!
المحصلة النهائية، والتي لا تقبل الجدل هي أن الولايات المتحدة والغرب غير معنيان بحريات شعوبنا العربية، فهذا الأمر غير موجود في أجندتهما إطلاقا، وأن موضوع حقوق الإنسان العربي، والتي توجد في أجندة هؤلاء الناس تتمثل بالعبارة التالية: "أقتلوهم، أبيدوهم، أكسروا شوكتهم، حولوهم إلى عبيد وخدم لنا ولشركاتنا".

هذه هي الحقيقة، ونحن هنا لسنا من دعاة العنصرية والتمييز، أو لدينا مشكلة مع الأميركيين والغربيين البسطاء، بل نحن نتكلم عن الإدارات السياسية في الولايات المتحدة والغرب، فمنطقها يقول ذلك، وهم يفكرون بمصالحهم فقط، ويعتقدون بمقولة وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الذي قال :"أن الله تعالى قد أخطأ عندما أعطى الثروات للعرب، وعندما جعلها في منطقة الشرق الأوسط. ويجب تصحيح هذا الخطأ".

فالمشكلة، نحن شعوب لا تقرأ، وليست لديها قيادات حكيمة تعتمد على الخطط الإستراتيجية طويلة الأمد، وبالتالي عم التعويل على التكتيك المرحلي، وقصير الأمد، والذي معظم نتائجه تعوم في مستنقع الخطأ والفشل. والحقيقة هم سلطوا علينا قادة من هذا النوع، ليخدموا مصالح أسيادهم، ويكونوا نواطير ومخبرين على الشعوب بأوامر الرجل الأشقر!

ديكتاتورية العراق الجديد

تعالوا معي لنعطي مثالا على الديكتاتورية المرغوبة من قبل الولايات المتحدة والغرب، متمثلة في العراق الجديد الذي خرج من ديكتاتورية الشخص والعائلة والمجموعة والقرية، ليدخل في الديكتاتورية السياسية والإقطاعية والقبليّة والدينية. فقد رحل صدام ولكن جاء ألف صدام. ورحل علي كيمياوي فجاء ألف كيمياوي وبوسائل أكثر تقنيّة.
ذهب الظلم والإرهاب والقهر الذي لم يرض عليه الرجل الأشقر في سنوات عمر النظام العراقي الأخيرة، فجاء ظلم وقهر وإرهاب بألوان وأنواع جديدة لم يألفها المواطن العراقي وطيلة وجوده في هذه البقعة الجغرافية المباركة التي أسمها العراق (وادي الرافدين) والتي أكرمها الله بأن تكون مهبطا للصالحين!
فلقد أصبحت للديكتاتورية وللظلم والقهر والإرهاب في العراق مؤسسات ودوائر ورجال يحميها الرجل الأشقر الذي قرر غزو العراق واحتلاله، وبمساعدة قوية جدا ولا زالت من بعض الأنظمة العربية التي سلمت جميع مفاتيحها للأميركيين، وأصبحت رديفا للأميركيين في غزو واحتلال العراق، ورديفا للأميركيين ومرتزقتهم وحلفاؤهم الغربيين، أي رديفا لهم في كل جريمة حصلت وتحصل وستحصل في العراق!

فلقد تمأسس الإرهاب والظلم والقهر، وتمأسست الديكتاتورية في العراق وأصبحت لها فروع منتشرة وطواقم كبيرة، وتحديدا منذ التاسع من ابريل/نيسان عام 2003 الى يومنا هذا، وبدعم وحماية من الأميركيين والغرب، لذا هم جاءوا فأسقطوا ديكتاتورية صدام واحتلوا العراق، ولكنهم أسسوا ديكتاتوريات أبشع وأقرف من الديكتاتورية السابقة ولكنها دائرة في الفلك الأميركي، ومؤمنه بالثقافة الأميركية وبالكذب الأميركي، ولديها الاستعداد لتنفيذ كل شيء يطلبه السيد الأميركي، وصدّرها الإعلام الأميركي والإدارة الأميركية على أنها مجموعات نزيهة ومتمدنة من وجهة نظر الأميركيين، بل نظام ديموقراطي جديد، ونموذج في المنطقة!

ومن إنجازات هؤلاء الملائكة التي جاء بهم جورج بوش ليحكموا العراق: مئات الآلاف من العراقيين الذين قتلوا وبشهادات غربية وأميركية، وملايين الناس الذين هُجروا من ديارهم وبيوتهم ومدنهم ولا زالوا ، وآلاف الناس والعائلات التي حرمت من قوتها اليومي ومعاشاتها، وعشرات الآلاف المغيبّة في المعتقلات والسجون الحكومية والأميركية، وعشرات المقابر الجماعية، وتفتيت النسيج الجغرافي الوطني والشعبي والاجتماعي في العراق ولا زال، والكراهية الدينية والمذهبية والعِرقية والمناطقية التي انتشرت وأصبحت جزء من الثقافة العراقية الجديدة، والترويج لانتشار التميّع والتخلف والأميّة والقبليّة والأصولية الدينية، ودعم وتأسيس العصابات المنظمة وحمايتها ودعمها لتقوم بالجرائم المنظمة في العراق، ودعم التهريب والفساد والرشوة والمخدرات والعصابات وقطاع الطرق، وتشجيع ثقافة العصابات والمليشيات وجعلها بأطر رسميّة وتستلم ميزانيات من الدولة العراقية، وإشاعة ثقافة المذهبية والطائفية، ودعم نظام "ولاية الفقيه الأميركي" في العراق... وما خفي أعظم، وكل هذا مرضي عليه من قبل الولايات المتحدة والغرب وتطلق عليه تسمية "التحول الديموقراطي".

فهل هناك عاقل في الكون يصدّق الساسة في أميركا؟ وهل هناك عاقل في الكون يقتنع أو أقتنع بأن في العراق ديموقراطية وحرية وتحول ديموقراطي!

فالذي أباد رفاقه وخصومه السياسيين، وجلس رئيسا لحزب ولحركة ولأكثر من أربعين عاما وثلاثين عاما وعشرين عاما لا يمكن أن يكون ديموقراطيا إطلاقا، ولن يقتنع بالديموقراطية والتعددية!

والذي أسس حزبا وحركة عائلية، ومنذ عقود وتوارث الزعامة عليها لن يقتنع يوما بالديموقراطية والتعددية، ولن يمارسها لأنه لا يعرف غير الإقصاء والإبعاد والتغييب ،ولم يمارس الديموقراطية في حياته!

والذي مارس سلطاته الدينية من خلال الطلاسم والطرق التي لا يعرفها العراقيون، ولم يلتق بهم أو يتحدث لهم أو يخاطبهم إطلاقا، بل يحتقرهم ويكرههم لأنه يتعالى عليهم كونه من أعراق غير عراقية، كيف يكون ديموقراطيا ويعمل لصالح العراقيين ولصالح التعددية، وهو الذي يجلس في كرسيه حتى الموت، بل أصبح متوارثا في السنين الأخيرة!
والذي تعود وطيلة حياته على الحيلة وإستحمار الناس، ولم يمارس عملا بحياته غير الترهيب والترغيب الديني، فهل يقتنع يوما بأن يشاركه أحد في الحكم والرغيف والثروة!
والذي خدم عند نظام صدام حسين لأكثر من 35 عاما، وعلى نظام واحد، ووتيرة واحدة، وثقافة واحدة، كيف يكون ديموقراطيا ومؤمنا بالتعددية ومغادرة المنصب والكرسي!

والذي طيلة حياته مركونا في النواحي والقصبات والقرى ويمارس طقوس وأحكام القبيلة، ومن ثم فسد سياسيا من خلايا عطايا ومكارم الديكتاتورية السابقة وفرقه الحزبية، وأصبح مخبرا على أهله وزملائه فأمتهن الإتتهازية اليومية، كيف تريد من هذه النوعية الإيمان بالديموقراطية والتعددية، وتكون قائدة للعراقيين!
جميع هذه الأصناف هي التي ساندت وتساند المحتل في العراق لأنه أصبح ولي نعمتها، لهذا تؤيد سياسات وخطوات وأوامر المحتل الأميركي "الرجل الأشقر" لهذا فأن هذه الأصناف وبدعم من المحتل وضعت حواجز ومصدات بوجوه وبطرق جميع الوطنيين والمثقفين والشرفاء من رجال دين، وعسكريين، وطلبة، وشيوخ قبائل، وشيوخ دين وغيرهم كي لا ينظم هؤلاء صفوفهم، وكي لا يجتمعوا على رأي واحد، لهذا مارست هذه الأصناف سياسة الاغتيال الجسدي والسياسي والاجتماعي والشخصي بحق هؤلاء!

فأصبح الشرط في العمل السياسي في العراق هو "الإيمان بالتحول الديموقراطي والعملية السياسية" أي التحول إلى بوسطجي للمحتل، وساجد ليل نهار لولاية الفقيه الأميركية، ورافع أصبعك مؤيدا وعلى طول الخط لأي أمر يصدره المحتل، والإيمان التام بالمقولة التالية: "لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم، لا أعترض، لا أناقش، لا ألتفت، لا أحتك بأي شخص وطني وشريحة وطنية، أعمل ليل نهار لاجتثاث الأكفاء والوطنيين والشرفاء من مؤسسات الدولة الجديدة، وأسجد لولاية الفقيه الأميركي، وأؤمن بالرشوة والفساد والتهريب والطائفية والإثنية والمحاصصة، وأشارك في ترتيب جميع أنواع السمسرة ،وأن لم أشارك لن أبوح بسر من أسرارها".

مثال ديكتاتورية الطالباني

جلال الطالباني، هذا الرجل الكردي الذي لعب على جميع أنواع الحبال السياسية، ومارس أفكار جميع المدارس الفكرية العالمية والإقليمية والمحلية، حتى كان من أنشط القوميين العرب، هذا الرجل الذي لا صاحب له ولا حليف ولا صديق إطلاقا، بل أن حلفاءه وأصدقائه يمرون على مصالحه وجيبه، وأن كانوا غير ذلك فسيكونوا خصوما من وجهة نظره.

جلس الطالباني أمينا عاما (رئيسا) لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه في دمشق بعد أن طرده الملا مصطفى البرزاني من الحزب العائلي والإقطاعي "الحزب الديموقراطي الكردستاني"، ولكن جلوسه أستمر ولأكثر من ثلاثين عاما ولا زال رافضا لجميع أنواع الانتخابات، بحيث أستطاع، بحيل سياسية وبوليسية، إبعاد جميع منافسيه وخصومه، فبقي مهيمنا على رئاسة الحزب بطريقة ديكتاتورية إسوة بـ "معظم" الأحزاب العراقية التي هي الآن في الحكم العراقي الأميركي الجديد!

والحقيقة التي لا يجب القفز عليها وهي "أن نسبة 85% من السياسيين العراقيين الذين هم في الحكم العراقي الجديد والمسنود أميركيا هم في داخلهم صدام حسين،بل أن بعضهم في داخله صداّمات وليس صدام واحد ، وبداخل البعض صدام وكيماوي وناظم كزار وأبو طبر".

والطالباني واحد من هؤلاء. فمثلا قال عنه وعن غريمه مسعود البرزاني، الباحث الأميركي البروفسور مايكل روبن، وهو خبير الشرق الأوسط فى معهد أميركان انتربرايز انستيتيوت وعمل في الجامعات في شمال العراق، وكان مستشارا إلى الحاكم الأميركي السابق في العراق بول بريمرـ قال في تقرير منشور له "أن ثروة البرزاني ـ عرفات الجديد ــ تقدّر بـ 2 مليار دولار، أما ثروة الطالباني فتقدّر بـ 400 مليون دولار".

ولقد أوصى روبن وصيّة رائعة، وشهادة رائعة عندما قال انه "وبسبب هيمنة عائلية وعشائرية على أحد الحزبين، ومجموعة أشخاص على الحزب الآخر، وبالتالي على كل شيء في كردستان، نحث إدارة الرئيس بوش على إسقاط القيادة الكردية كما أسقطت قيادة صدام، وأن مثقفي الكرد وأساتذة جامعاتهم ومعلميهم ومتنوِّريهم كانوا ينتظرون ذلك. وهم يطالبون بتغيير كردستان كما تغيّر العراق".

ولكن عندما تحرك البعض من أجل إزاحة جلال الطالباني وإنهاء ديكتاتوريته الحزبية، وهم مجموعة من قادة حزب الإتحاد، وعندما تجرأت زوجته أيضا وطالبته بسماع الرأي الآخر، رفض ذلك وأصر على قيادة الحزب، وأصدر بيانا سياسيا نشر في كافة وسائل الإعلام جاء فيه :"أعلن جلال الطالباني الذي يرأس الإتحاد الوطني الكردستاني عن طرد هلو إبراهيم أحمد شقيق زوجة طالباني من الإتحاد لعدم التزامه بالقواعد الحزبية".

وقبل أيام من هذا البيان أصدر حزب الإتحاد الكردستاني وبأوامر من جلال الطالباني أيضا بيانا أخر طرد بموجبه مجموعة من قيادات الحزب ونشر في الإعلام وجاء فيه: "قرر حزب الإتحاد الوطني الكردستاني طرد شيروان حاجي، وملا خدر، وهوشيار عابد، وهفال كويستاني".

ويعود سبب طرد هؤلاء القادة الى أنهم أسسوا تيارا أطلقوا عليه تسمية "التغيير الديموقراطي" وطالبوا بإجراء إصلاحات جذرية في الحزب وتغيير قيادته، ولقد سبق هؤلاء جميعا السيد نوشيروان مصطفى عندما قدم مذكرة طويلة تضمنت انتقادات إلى سياسات وديكتاتورية جلال طالباني، ومن ثم قدم استقالته في عام 2006.

ويبدو أن القواعد الحزبية التي نساها هؤلاء الناس ومعهم صهر الطالباني تعني الإيمان بالديكتاتورية المطلقة، والإيمان بجلال الطالباني رئيسا للحزب حتى الموت!
هذه الانشقاقات ليست الوحيدة، فهناك انشقاقات قد حدثت في تيار حزب الدعوة، واخرى حدثت في تيار علاوي، وفي تيار الجلبي، وفي تيارات كثيرة، ولو جئنا للأسباب الحقيقية فهي تتمحور حول منصبين وهما "الرئاسة وأمانة الصندوق" أي المشكلة قيادية "هيمنة" ومالية "استحواذ" وليست هناك خلافات تخص الوطن، أو تخص تعزيز المسيرة، بل هي خلافات قيادية من أجل النفوذ والمال والبرستيج فقط!
ولكنه عار على الإدارة الأميركية، وعار على الولايات المتحدة التي ترفع شعار الحرية عندما تدعي بأن في العراق تحولا ديموقراطيا يؤمن بالتعددية والرفاهية، وعار عليها عندما وتدعم ولا زالت تدعم أحزابا وحركات ديكتاتورية، وأحزابا عائلية وراثية، وتجمعات نفعية، وتيارات أصولية، وإقصائية، ونافرة، ولا تعرف أبجديات الديموقراطية والتعددية!

عار عليها عندما أقصت المفكرين، والسياسيين المخلصين والعقلاء، والمثقفين والوطنيين والكفاءات الأخرى، وتشبثت بنظام "ولاية الفقيه الأميركي" ودعمت جميع أنواع الفشل السياسي، وجميع أنواع التخلف والإستحمار في العراق.

فهي ليست ديموقراطية، بل وجه قبيح للديموقراطية.

وهي ليست تعددية، بل هي ديكتاتورية الإقطاع السياسي.
فذهبت ديكتاتورية الرجل الواحد (غير مأسوف عليها) التي كان في وقتها للعراق وحدة وحرمة وهيبة.... وجاءت ديكتاتورية أنصاف الرجال. عار على العراق إستمراها التي حطمت وحدة وحرمة وهيبة العراق والشعب والأمة والإسلام والأديان.
مع كل الإحترام والتقدير للقلّة القليلة من الشرفاء الذين هم في الحكومة والبرلمان والعملية السياسية وفي المعارضة، والذين يناضلون ويجاهدون من أجل إتساع جبهتهم الوطنية، ومحاولة خلق جبهة تؤمن بالعراق والشعب العراقي، وتؤمن بالكرامة التي لن تأتي إلا عندما يُحترم العراق والمواطن العراقي.

سمير عبيد، كاتب ومحلل سياسي عراقي