لتكونوا مع فلسطين ولا تكونوا عليها؟!

بقلم: فيصل أحمد عبد العظيم

إذا سأل سائل كل قيادة من قيادات الفصائل الفلسطينية ما هي الاستراتيجية العليا أو الصراع الرئيسي لديكم؟ لأجابت وبلا أدنى تردد تحرير كامل التراب الفلسطيني. من هذا المنطلق والمنطق نقول إنهم متفقون على الأفق السياسي والاستراتيجي وذلك على المستوى النظري ولا دعى (من الادعاء) كل منهم أن جُلَّ همهم هو تحقيق تلك الاستراتيجية العليا وذلك من أولويات وأبجديات إدارة الصراع وإن اختلفت رؤاهم في كيفية تحقيقه؟!
وحين كانوا يعملون ويجاهدون ويمارسون الممارسة السليمة من أجل تحقيق ذلك الهدف كانوا كلهم مع فلسطين وحياتهم وسعيهم وصراعهم من أجلها وإن تفاوتت مسؤولياتهم وإمكانياتهم؟!. واستطاعوا بذلك الأفق السياسي والاستراتيجي والسعي المنهجي والسلوكي والمادي من أجل تحقيقه أن يمنعوا قيام أو تحقيق القومية اليهودية وإيقاف وتعطيل مشروعهم الاستراتيجي الأكبر بإنشاء أمة يهودية وعدهم ربهم بها وأصبح ذلك الكيان الشيطاني بفعل ذلك الصمود الطويل والمقاومة والفعل السياسي المبدع على كف عفريت أو في مهب الريح وإمكانية زواله وقلعه من قلب الأمة العربية ليست بمستحيلة أو بعيدة وممكنة؟! وتلك حقيقة.
ولماذا زرع ذلك الكيان عمداً في قلب هذه الأمة؟! ألا يستحق ذلك للتساؤل ويدعو إلى التفكير والسعي الجدي والإيجابي من كل قوى الأمة وشرائحها ومستوياتها وإيديولوجياتها ومشاربها لوقفة مقدسة وموضوعية مع الذات؟! نعم وقفة مقدسة، قدسية هذه الأمة، فنحن في مفترق الطرق قبل أن تتحول تلك الأمة إلى فطيرة أو شريحة أو شطيرة دسمة في قصعة يتكالب عليها الأكلة من كل صوب وحدب للإرهاب الدولي ولقطاع طرقه ومحترفي اللصوصية السياسية والاقتصادية والثقافة النفعية الاستهلاكية الإلغائية في العالم وبمسميات شرعية ومصطلحات جهنمية شيطانية؟! أم أن ما تريده قوى هذه الأمة وفعالياتها وطوائفها لهذه الأمة أن تموت أو تزول بقيمها وتراثها وتاريخها وأصالتها وذلك مستحيل لو استوعبت تلك الفعاليات بمسؤولياتها قدسية هذه الأمة وقدسية قول الله الحكيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ـ 9]، فهذه الآية استراتيجية عليا من فقه الأولويات والتي تمثل العلاقة الطردية المقدسة بين الحامل والمحمول فلكي يحفظ الله الذكر المقدس والمحمول من قبل هذه الأمة لا بد له من حفظ لحامل ذلك الذكر المقدس وثقافته ومقدسات هذه الأمة وتلك مسؤولية عظمى كلفها الله لهذه الأمة وهي امتياز استخلاف أعطاه الله لها؟! فهذه الأمة لا تموت ولا تزول لأن الرحمن حفظها بحفظه للقرآن الكريم. لقد حمل الشعب الفلسطيني هذه الأمانة باقتدار وبكل قواه وفصائله ومشاربه وبوطنيته الصادقة وكان بحق طليعة هذه الأمة ومشروعها في العقود الأربع الماضية وذلك بفعل مقاومته وتضحياته الجسام ورفضه للتوطين والتجنيس والتمايز فكان مع فلسطين ومع الأمة ومشروعها القومي والوطني لا عليها؟! وبفضل ذلك الشعب العظيم ومقاومته وصموده أصبح ذلك الكيان الصهيوني الشيطاني والوظيفي للمشروع الغربي كياناً يصح القول عليه إنه كيان في منطقة كوارث وأصبح يحتاج من كل القوى العالمية التي أنشأته وأوجدته إلى الإعانة والإسعاف والإنقاذ السريع وبذلك أصبح مشروع استنزاف لا عطاء ويسري عليه المثل الشائع: «جبتك يا عبد المعين لإعانتي فأصبحت يا عبد المعين بحاجة للإعانة»... وأصبح الصراع في قلب ذلك الكيان صراع وجود لا حدود، إما أن يكون أو لا يكون وفقد بذلك قدرته على التوسع والردع بعد أن كان كياناً بلا حدود جغرافية وأصبح جاهزاً للإنكفاء والتفسخ وجدران استنادية لحمايته! وكل ذلك لم يأتِ من فراغ بل بفضل ضربات المقاومة وقدرتها على الصمود والردع والتجدد وبفضل الاستيعاب الاستراتيجي والأفق السياسي الواضح وحسن إدارة الصراع لمنظمة التحرير الفلسطينية وكل قوى المقاومة باختلاف مشاربها وإيديولوجياتها ورفدها من الشعب الفلسطيني العظيم والجبار وأولئك هم المهاجرون الأوائل لهذه الأمة ومشروعها النهضوي.
وذلك لا يعني خلو الإدارة وفصائل المقاومة من الأخطاء؟!. بل إن من يعمل كثيراً يخطئ كثيراً وتلك حقيقة الحقائق ومن البديهيات وخصوصاً في غياب كل الظروف الموضوعية المساعدة لتلك المقاومة وإحكام الحصار المفروض عليها والذي منع عنها وعن الشعب الفلسطيني الماء والهواء على رأي المثل الشعبي ومع غياب العمق الاستراتيجي والدعم الحقيقي العربي لها والذي لم يرتفع إلى مستوى هذا الصراع بل ومسعى تلك النظم العربية لتمزيق الصف الفلسطيني وخلق منظمات تابعة لها مدجنة ببيروقراطيتها بالإضافة إلى غياب التوازن الاستراتيجي ومحدودية الإمكانيات لدى منظمة التحرير والفصائل؟!
واستطاعوا مع ذلك بقلب رؤى موشية دايان التاريخية بخلق حقائق جديدة لصالح الصهيونية وإسرائيل والمشروع الغربي المؤسس؟! ولو أن كلمة حقائق لا تناسب تلك المقولة فالقائل لا يعرف الحقيقة ولا يسعى إليها بل يخلق وقائع وأزمات ودسائس وظروف ومصطلحات جديدة تعطيه مساحة واسعة للمناورة وفرص كثيرة للتسويف والمماطلة كالحوار المباشر والمائدة المستديرة والخطوة خطوة وعملية السلام والشراكة فيه وسلام الشجعان والتطبيع والشرق أوسطية (ومقاومة الإرهاب).... وحق إسرائيل في القيادة لكونها تملك الكفاءات وإنها المتحضرة الوحيدة في هذه المنطقة ولابد من التغيير الديموقراطي في كل دول الجوار والفلسطينيين ومواجهة الفساد وإنها هي واحة السلام والديمقراطية الوحيدة في صحراء التخلف العربي وما أكثر تلك الأكاذيب والمصطلحات التي تحولت إلى وقائع والتي لهث وراءها كل المهرولين وكل السايكس بايكويين (من سايكس بيكو) الذين تحالفوا مع المشروع الغربي ومعهم للحفاظ على سايكس بايكيتهم ـ حظيرتهم ـ لأنها تحافظ على زعاماتهم ونظمهم وإقليميتهم وأبديتهم وتوريث السلطة لديهم وفوق ذلك رضا المشروع الغربي «ربهم» وإسرائيل وقوارين (من قارون) العالم وهاماناتهم (من هامان) عنهم فأصبحوا «كل ديك على مزبلته صياح» فدجنوا شعوبهم وزرعوا الإدمان لثقافة الخوف وأخرجوهم من معادلة الحرية والكرامة والمقاومة بعد طحنهم بين حجري رحى القمع أو القهر و(الفقر) ولا يجوز التعميم في ذلك؟!. فالديك بحاجة إلى فراخ وصيصان أو دجاج وإلى من يقبل بالاستخفاف؟! فمن يحافظ على سايكس بيكو شريك في التآمر على هذه الأمة وقضية فلسطين والعراق ولبنان والصومال ودارفور وعلى وحدة هذه الأمة واستقلالها.
نعم استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية وكل الفصائل المقاومة ودعم القوى الشريفة لها في هذه الأمة مع ضعف فعلها أن تقلب السحر على الساحر على إسرائيل ومقولة شارون فأصبحت المقاومة حقيقة وعاد اسم فلسطين للخارطة العالمية وإلى الأمم المتحدة وانتقل شعبها من الخيام وكونه لاجئاً إلى شعب يعترف به العالم وتحولت الانتفاضة من انتفاضة سلمية إلى انتفاضة عسكرية بعد دخول منظمة التحرير وفصائلها وسلاحها إلى الداخل وتدريب عشرات الآلاف على حمل السلاح والمقاومة بل وأصبحت إسرائيل في الأمم المتحدة كيانا عنصريا لولا هرولة المهرولين السايكس بيكويين وراء سلام زائف بعيداً عن استراتيجية الأمة العليا بلاءاتها الثلاث وبإحكام المقاطعة على ذلك الكيان العنصري ومن يتعامل معه ونجحوا بعصر الثروة لا الثورة وبقيادتهم الإقليمية والردة أن يلغوا ذلك القرار الخاص بعنصرية إسرائيل في الأمم المتحدة وأن يهبطوا بالمنحنى البياني للعصر الثوري والقومي العربي الذي جعل قضية فلسطين صراع كل قوى التحرر العالمية وعدم الانحياز والمنظمة الأفريقية والأفرو آسيوية والإسلامية ضد إسرائيل ومن يتحالف معها ومن كونه صراع عربي إسرائيلي إلى صراع فلسطيني إسرائيلي بعد أن جعلوا القمة العربية تفك الارتباط بقضية فلسطين وبذلك تركوها وحيدة في ساحة الصراع وخاضعة لمزاجيات النظم العربية في عصر الثروة والسماسرة الرمادي والرديء والتابع؟ وكأن قضية فلسطين ليست قضية استقلال عربي للقلب والذي لا يتم استقلال هذه الأمة ووحدتها إلا به. بل وأعطوا وعداً بمبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز مجانياً ومهيناً لإسرائيل أكبر وأخطر من وعد بلفور حيث أعطى من لا يملك ـ إنجلترا ـ من لا يستحق ـ إسرائيل ـ كياناً؟! أما مبادرة الملك عبد الله حامي الحرمين الشريفين؟! تعطي من يملك القمة العربية.. من لا يملك إسرائيل كياناً معترفاً به والتعامل والتطبيع معه شرعي وذلك مقابل ماذا؟! مقابل مقولتي (أو حقائق ديان الكاذبة) الأرض مقابل السلام أو السلام مقابل الأمن؟! وعوداً خلبية من النظام الغربي ذي السياسة العمياء والمكاييل المختلفة المنحازة والمتحالف مع إسرائيل استراتيجياً.
ولكن لعناية الله لم توافق إسرائيل على تلك المبادرة والهبة والعطاء المجاني والتنازل المهين وذلك من فضل الله على هذه الأمة لأن الله لا يهدي القوم الظالمين ولا ينصرهم. وكانت مبادرة فهد دليل قاطع لشراكة هؤلاء السايكس بايكيين وغيرتهم على بقاء إسرائيل وهيمنتها وعلى المشروع الغربي الذي يستخف بهم وبوجودهم، وكانوا بتنازلهم هذا وغيره من التنازلات شركاء حقيقيين مع إسرائيل ومشروعها وذلك ما يدعو للاستغراب والبكاء والسخرية وشر البلية لهؤلاء الحكام ما يضحك؟! ولا عجب من ذلك فقد ارتفعوا بتلك المبادرة وغيرها بمهازل التسويات والهدنات واللهث من الجري وراءها من كونها خط تكتيكي واستراتيجية مرحلية قد تستدعيهما طبيعة الصراع والحصار الخانق على كل القوى والفصائل والشعب الفلسطيني المضطرة والمكرهة والغير مستقلة والفاقدة لسيادتها على وطنها إلى مستوى الخط الاستراتيجي الأعلى إذ أصبح السلام أو التسوية استراتيجية عليا وبذلك قلبوا المعادلات وفرضوا واقعاً مراً هبط بالخط البياني الاستراتيجي لذلك الصراع إلى مستوى متدني وخطير فأصبح خط الصراع فلسطيني فلسطيني؟! وذلك طريق مسدود ومهلك وتحت الصفر البياني إذا قبلت به كل القوى والفصائل الفلسطينية والشعب معها. وبذلك القبول أو السكوت عليه تكون قد تنازلت عن استراتيجيتها الحقيقية العليا وأفقها السياسي وقبلت بواقع مهين وبسياسة تبويس (أي تقبيل) اللحى والشوارب وتضميد الجراحات التي تحتاج لعمليات استئصال للتسكين (من المسكنات) من أجل إعادة اللحمة لذلك الوطن والقضية وذلك زيف وهذا ما يتمناه ويسعى إليه السايكس بايكيون وأسيادهم؟! وبذلك القبول والتنازل والتراجع يصبحوا جميعاً على فلسطين وعلى مشروعها المحق في التحرر والاستقلال لا معها بل وخدماً حقيقيين وبلا مقابل ورخيص لإسرائيل ومشروعها من أجل إنقاذها مما هي فيه من خطر حقيقي وتأخيراً لا مبرر له لسرعة زوالها؟! نعم وبكل صراحة وبلا أدنى مواربة إن من يقبل بالصراع الفلسطيني الفلسطيني هو متواطئ، إن كان بفعل التقاتل أو بفعل التأييد للأطراف المتقاتلة، ويجب أن نسقطه من حساباتنا وحسابات هذه الأمة وكل الأحرار فهو يبحث عن (جيفة ـ بقايا الجسد الميت) أياً كانت مسمياتها؟! وعصى الله وأمته وأغفل أو تناسى عمداً أو بغباء ذلك الفقه الأكبر للأوامر والنواهي لقوله تعالى الأمر الناهي والحكيم
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾ [النحل ـ 92]. تكلم الله عن تلك الغبية والجاهلة والمريضة بالوسواس فأنتم لم تختلفوا عنها لا بسياساتكم ولا بعقلياتكم بل تساويتم معها في الغباء والوسواس والجنون فنكثتم أولاً صلة الرحمة فيما بينكم. وثانياً العهود والمواثيق مع الله ومع وطنكم وشعبكم وفصائل وشرائح وفعاليات أمتكم التي حملتكم الأمانة ووجدت من خلالكم الأمل ورأت الضوء في أخر النفق المظلم بمقاومتكم وبذلك تخليتم عن كونكم قدوة أو أسوة حسنة لدينكم ولوطنكم كيف ذلك؟!
يجيب الله بقوله الحكيم الخبير وبالآية السابقة نفسها (..تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ..) النحل فالدخل هنا هو ما يدخل في الشيء وليس منه ولا غايته الإيمان إنما الفساد والخديعة والغواية والفتنة والمراوغة وتنقضوا باستعمالكم للأيمان والدين بذلك العهد مع الله ويصبح بذلك الدين مجرد شعارات أو ستائر تتلفحون بها من أجل مصالحكم أنتم فقط أوفصيلكم أو حزبكم أو طائفتكم أو نظامكم وتصبحوا بذلك عنصريين لذواتكم تتعالون بها على الآخرين. فلا تجعلوا ذمة الله وذمة رسوله ورسله غطاء أو برداية من أجل مكاسب رخيصة ودنيا زائلة فلا أحد منكم يمثل الله ولا يمثل دينه ورسله فادفعوا بذممكم وذمم أبائكم وإلا فإنكم لم تختلفوا عن إبليس الذي فتن أدم وحواء كما نبهنا الله بقوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ـ 21] فاستعمل القسم والأيمان وقال: (فبعزتك..) وقال: ﴿..إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ـ 28]. ويضيف الحكيم الخبير: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ..﴾[النحل ـ 92]. هذا هو الجواب الواضح لماذا يتخذون الأيمان والدين كما نجح إبليس مع أدم وحواء وفتنهم وأخرجهم من الجنة ﴿دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ [النحل ـ 92]..من أجل أن تكون أمة أربى من أمة وفصيل أربى من فصيل وإلغاء الآخرين والاستغناء عنهم والوصاية عليهم فما أروع هذا الوضوح والفقه السياسي والاجتماعي والإنساني والتشريحي للنفوس المريضة والتعرية الواضحة لهم ولا مثالهم وللفصائل أو الأحزاب أو الطوائف الضيقة الأفق وذلك لأنهم يريدون أن يربوا على من سواهم بنقضهم ونكثهم للعهود والمواثيق والدساتير وللتراث والتاريخ والعلاقات الاجتماعية والإنسانية والوحدات الوطنية التي تربط بين أبناء الوطن الواحد والقضية الواحدة فلا يقحم الدين والإيمان في صراع التحرير لوطن فليس هذا الصراع صراع هداية ولا توجيه بل هو صراع مع عدو مشترك واحتلال وإنما يكون الدين من أجل التثبيت والاستقامة وعدم الخنوع والتراجع أمام العدو المشترك ومن لم يتخذ الدين أداة لتحفيز الهمم وأداة تكليف لإزالة العدوان وتحقيق الحق ومرجعية فهو مقصر وعليه المراجعة لأن الشهادة أجرها عند الله ولا يدفع إليها إلا إيمان راسخ وهذه ليست لفصيل واحد فكلهم مسلمون إما بالديانة أو بالثقافة والدين ليس له حدود أو جغرافيات فطغيان الرأي الواحد والفصيل الواحد الذي استغنى عن الآخرين وعن الشورى وعن عمقة الاستراتيجي في وطنه أو أمته ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ـ 6 ـ 7] ويكمل الحكيم العليم الخبير تلك الآية من سورة النحل ومازلنا في الآية ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل ـ 92] إن ذلك ابتلاء وفتنة واستدراج لأولئك الأغبياء والجهلاء والمتفيقهين(من الفقه) والمغفلين كما ابتلى آدم وحواء بإبليس والشجرة والاستخلاف فهل أنتم منتهون ومنتبهون.
وهذه مشيئته ويتابع الله حكمه فيقول: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل - 93] هو سبحانه وتعالى واحد أحد فهو سلام أما التعددية للبشر فهي مشيئته وتحتاج لجهود وسعي أصحابها والمؤمنون والأحرار والعقلاء فيها من أجل إقامة سلام فهو لا شريك له أما الناس فهم شركاء في صناعة وتأطير وصياغة قوانينهم ودساتيرهم وعلاقاتهم وسياساتهم وصيانة أمتهم ومستقبلهم واستقلالهم فلا ينفصل فصيل أو طائفة ولا ينفردون وإلا فإنهم استكبروا واستعلوا.... نعم وتلك حقيقة إن هناك ابتلاء وامتحان ومساءلة ومحاسبة لهم يقوم القيامة لفعلهم الإجرامي المخالف لإرادته بالتعددية والشراكة فيها وكيفية التعامل معها لا بالإلغاء أو النفي أو القتال بل بالشورى والتعاهد والتواثق وبالثوابت والسنن الإلهية والإنسانية ولا بعقلية الداحس والغبراء فهذا الدين للناس أجمعين لأن الله ملك الناس وليس ملك المؤمنين فقط وهم ملكة وعبيده وأرواحهم منه فالاعتداء على تلك التعددية والخروج عنها هو اعتداء على ملكية الله وعلى روح الله وعلى النهج الإنساني الذي أمر به والذي لا يسمح بالمحاسبة إلا من خلال سيادة العدل لا القانون فالقانون أحد عناصر العدل أو بالقصاص فلا كمال لأحد ولا عظمة ولا وحي يتنزل عليه سواء أكان ذلك على مستوى الفرد أو الفصيل أو العشيرة أو الطائفة أو العرق وقال سبحانه وتعالى لرسوله (ص) : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء ـ 107]. وكذلك قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ ـ 28] وهذا الأمر ليس للرسول (ص) وحده بل للمؤمنين بذلك الكتاب ورسوله والرسل أجمعين ولهذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس حين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وترفض البغي والعدوان والجبت والطاغوت ولقوله الحكيم : ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ـ 181] والتي حملها الله بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» رسالة وأمانة تحقيق ذلك الذكر المقدس والذي حفظها الله بحفظه له وبالتبعية لمنهجه بالرحمة والرحمانية والصفح والعفو عند المقدرة وبعد ذلك يعيد فيكرر سبحانه وتعالى بالآية: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ (فقه أولويات) فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (فقه مآلات) [النحل ـ 94]. فالدين والإيمان والوطنية رسوخ وثبات ووضوح رؤية وخدمة للإنسانية وللناس ككل وإذا تحول لغير ذلك فهو خدمة للشيطان وللمشروع الغربي وإسرائيل فتزل القدم بعد رسوخها إلى الهزيمة والخزي في الحياة الدنيا وعذاب النار في الآخرة فقد قاتل معاوية وعمرو بن العاص الإمام علي رضي الله عنه وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وكذلك فعل الخوارج وهم يرفعون تلك الفرق الثلاثة المتقاتلة راية لا إله إلا الله محمد رسول الله وكذلك تقاتل عبد الملك بن مروان والحجاج مع عبد الله بن الزبير (الحب بين الحب) رضي تحت نفسي الراية بل وقصفت الكعبة بالمنجنيق وقتل عبد الله بن الزبير وهو يصلي فيها وفي تلك الفترة لم يتقاتلوا من أجل مسميات طائفية ولا مسميات السنة والشيعة والعلوية والدروز ولا القوميون والإسلاميون ولا حماس ولا فتح و... و... الخ فهؤلاء جميعاً إلا ما ندر منهم من المؤمنين والصادقين وأصحاب الحق والشرعية إذا عمقوا صراعاتهم وخلافاتهم كانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً وعصوا الله إلا إذا تداركوا أنفسهم وعادوا بعد نزاعهم إلى مصداقية إيمانهم بـ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» واستغفروا ربهم وإلا فإنهم كما قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة ـ 27] وقوله التنديدي المحذر: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ (فقه مرجعيات) وَلاَ تَنَازَعُواْ (فقه أولويات) فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (فقه مآلات) واصبروا إن الله مع الصابرين (فقه مع من يتق الله جل جلاله ويقف معه الله)﴾ [الأنفال ـ 46]. وقوله الآمر الناهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ (الخلافة والوطن ووحدته من هذه الأمانات) وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال ـ 27] إن لم ترتدعوا وتلتزموا فإن هذه الآية سينطبق فحواها عليكم بالإضافة إلى قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف ـ 146] فالوحدة الوحدة هي المطلوبة والتفاهم والتواصل والسعي من أجل السلام بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة وهذا ما أراده الله وكلفه للمؤمنين بآية «بسم الله الرحمن الرحيم» وإلا فإنهم ما عرفوا الله ولا كتابه ولا أوامره أو نواهيه ولا مارسوا الخير والرحمانية فبغية من بني إسرائيل دخلت الجنة في كلب سقته وأنقذته من الموت بإنسانيتها ومتعبدة دخلت النار في قطة حبستها ولا أطعمتها لا سقتها ولا أطلقتها حتى ماتت دخلت النار فالإنسانية والرحمة هي الأساس والمعيار للإيمان وإلا فإنه سينطبق عليكم قوله الحكيم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف ـ 179] اللهم ثبتنا على الحق وارفع عنا الغفلة واربط على قلوبنا وردنا إليك رداً جميلاً ولا تفتنا فتوناً. فيصل أحمد عبد العظيم