حوار الإعجاز العلمي، حوار بين طرشان!

بقلم: د. ميرا جميل

اما آن لهذا اللهو "العلمي" من نهاية؟
ما بالنا نحن المسلمين منشغلون بالاعجاز العلمي في القرآن ونحن أكثر الأمم الحديثة تخلفا علميا، وأكثرها غرقا في الفتاوي البعيدة عن منطق الحياة وصيرورتها، وعن منطق أبسط قواعد العلوم والمنطق؟
ما زال الحوار حول "الاعجاز العلمي" للقرآن يخلط بين نقيضين دون انتباه لحقيقة اساسية، وهو اننا أمة عربية انقطعت صلتها بحضارتها، في فترة الخلافة الاسلامية العثمانية، التي يبكيها بعض المسلمين بغباء قل نظيره. واليوم نحاول ان نثبت ما نفتقده، بدل ان نعمل وننشط لربط حاضرنا بالواقع، ومعرفة المسار الذي يجب ان نتبعه من أجل اللحاق بركب العلوم والتنوير والتطوير.
من مساوئ الزمن أيضا أن النزاع السني الشيعي مثلا أصبح أهم من سياسات الأمن القومي للدول ومن السيطرة على منابع النفط وأسعاره، ومن القضاء على الأمية، وتطوير برامج التعليم وجعل التعليم الزاميا للأجيال الصغيرة على الأقل، ومن طرح برامج تطوير اقتصادي لتقليص البطالة الرهيبة في المجتمعات العربية، ومن تطور الخدمات الصحية، وادخال برامج التأمينات الاجتماعية.. ومقاومة العنف الطائفي ضد الأقليات الدينية. ورفض القيود على حرية الرأي والابداع الفكري والثقافي. ومساواة المرأة وضمان حقوقها الانسانية كفرد مساوي في القيمة والحقوق.
ماذا يحدث في الواقع؟
نرى إيران والسعودية، الجارتان الكبيرتان الغنيتان بالنفط، تتبنيان صراحةً، الأولى المذهب السني الوهابي، والثانية مذهب ولاية الفقيه الشيعي كغطاء مؤسس لمشروعية الحكم فيهما. وهذا ما يشغلنا عربا ومسلمين.. حرب داحس والغبراء بين القرضاوي وآيات الله في ايران. الى جانب خلافنا المضحك المبكي، هل القرآن يشمل نظريات العلوم؟ وربما يصل الخلاف الى بدع جديدة: هل العلوم في القرآن شيعية أم سنية وهابية؟
سؤال لكل المتحاورين: هل اثباتنا ان القرآن جاء بالمعجزات العلمية تزيد من قوته وارتفاع شأنه ويثبت صحة ايماننا بالاسلام؟
هل صرنا مسلمين لأن قرآننا، الى جانب كونه كتاب دين، هو كتاب شامل للعلوم والتكنولوجيات والـ"هاي تك" والابحاث والتجارب العلمية؟
وهل اثبت القرآن صحة نظرية غاليليو مثلا حول كون الشمس مركز الكون وليس الأرض؟ وأن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس؟
وهل اعتراف الفاتيكان بصحة نظرية دارون، لها اساس علمي في القرآن أيضا؟
أحدهم اتهمني نتيجة هذا القول الذي أوردته في نص سابق، أني ابنة القردة، متجاهلا ان القرد لا يقل ان يكون أصله انسان بلا عقل مثله. ومشكلته انه لم يفهم الاستطراد الفكري من هذا الطرح. من أين له العقل ليفهم؟
لا أعرف ما هذا الهوس الاعجازي. ولا أفهم معنى الدخول في تأويلات نصوص اريد لها ان ُتخرج العرب من جاهليتهم وتثقفهم وتدفعهم الى قمة بين الأمم وتوجه نشاطهم وجهدهم وجهادهم... فما المعنى ان كل العلوم جاء ذكرها في القرآن؟ ماذا تبقى لنا للاجتهاد والاكتشاف والتعلم؟ ولماذا نطلب العلم ولو كان في الصين؟
لماذا هذا الارهاق، وعندنا زغلول النجار ويدلنا على اننا سبقنا الغرب في العلوم في قرآننا؟ ونحن نعاني من امية مرتفعة تصل الى 70%.. رسميا وفعليا قد تصل الى ما فوق الـ 80%، واذا اعتبرنا ان من لا يقرأ صفحة واحدة كل سنة أميا، قد نصل الى 90% أميين... ومعظمهم باتوا خبراء في اعجازات القرآن العلمية وغير العلمية؟
المسألة أعمق من قضية اعجاز علمي. المسالة الأهم هل نحن قادرون على جعل العلم والعقل من محركات اقتصادنا ومجتمعنا وانساننا؟
هل نحن أهل لنصبح مصدري علوم، ومشاركين في الاكتشافات العلمية، ومساهمين في الرقي الحضاري.. أم سنظل نرعي الأفكار الغبية والمخدرات الكلامية من كتابات أمثال زغلول النجار وفتاوي القرضاوي وشيوخ الأزهر وما شاء الله عليهم... شيوخ السعودية؟!
لماذ لم نسمع صوت هذا "العلامة " العظيم (!) يطرح قضايا التعليم العربي والنهضة التعليمية، ودمقرطة الأنظمة العربية التي تعاني من تخلف مريع وفساد رهيب وفقر مدقع بالمقارنة مع دول العالم المختلفة، رغم الغنى الفاحش في مصادر النفط وأمواله المستثمرة في الغرب لمصلحة الأقتصاد والعلوم الغربية؟
لماذ تتغرقنا، صبحا ومساء الفتاوي السخيفة والكوميدية والمسيئة للاسلام وصورته الحضارية، بدل ان يتكلم أصحاب تلك الفتاوي عن مآسي الفقر والتخلف الاجتماعي وفساد الأنظمة، وغياب نظام قضائي مستقل وعادل والاجحاف بحق المواطنين العرب، ليس من مستعمري أوطانهم بل من الأكثر سوء، حكامهم الوطنيين (!)؟
الا تدرون ان الدخل القومي الاجمالي في السنة للدولة الصهيونية، تجاوزت حصة الفرد فيها مستوى 24 – 25 الف دولار سنويا؟
وهي من أهم الدول في تصدير الـ"هاي تك" (80%) من صادراتها؟ وان الخطة للسنوات العشر القادمة أن تبلغ حصة الفرد الواحد 40 - 45 الف دولار؟ قد يجتح البعض بأنها أموال دعم أميركية.. هذا غباء عربي. أولا، انها أموالكم في البنوك الاميركية.. ثانيا، عرف الكيان الصهيوني كيف يبني دولته واقتصاده وقوته العسكرية، ولم يبذر الأموال على القصور والحواشي ودعم الفكر الماضوي الارهابي.
وماذا صنعت دولنا بأموال الدعم والمساعدات؟ ماذا تصنع انتاجها نفسه؟ هل يجهل احد الحقيقة ان المليارات تصب في الحسابات البنكية للحكام بدون حساب وبدون رقيب، تحسبا لليوم الأسود؟ اسرائيل استوعبت مليون ونصف المليون مهاجر في السنتين الأخيرتين. ورغم الأزمة نراها تنطلق اقتصاديا وعلميا.. ونحن يهرب علماؤنا العرب الى الغرب، ولو فتحت اسرائيل أبوابها لتدفقوا على اسرائيل.
كلامي صعب؟ أجل أعرف، أقوله بألم ورغما عني. ولكنها الحقيقة التي نخون أنفسنا اذا لم نعترف بها!
ما هي خطط العرب للتطوير؟ وما هي حسابات زغلول النجار العلمية؟
هل أكشف سرا اذا قلت ان حصة الفرد المصري من الانتاج القومي الاجمالي هي في حدود 1500 دولار سنويا؟ وان سوريا في تراجع مريع، واليوم حصة الفرد لا تتجاوز ال 500 دولار سنويا من الانتاج القومي الاجمالي؟ بينما لبنان الذي واجه أزمات رهيبة، هو أغنى من كل الدول العربية المحيطة به، وتصل حصة الفرد من الانتاج القومي الاجمالي 5500 دولار سنويا.. ووصلت في مرحلة ما الى ما يزيد عهن 6500 دولار؟ هل تريدون تفسيرا؟
النظام الدمقراطي اللبناني مع كل قصوره ونواقصه، وبدور ابناء الطائفة المسيحية، الذين نلاحقهم ونقتلهم في العراق ومصر وغزة وغيرها من الدول، هم وراء هذا النمو.. لأنهم ببساطة يمثلون الطبقات المتوسطة صاحبة المصلحة في النمو والتطوير. وعقلهم منفتح على العالم الحضاري يتأثرون به وينقلون عنه دون خرافات "ارضاع الكبير" وذم السنة للشيعة والشيعة للسنة! وهذا النشاط ترك أثره على كل الطوائف اللبنانية، ولعل في ذلك درسا للذين يلاحقون ويضطهدون المسيحيين العرب.
وكان الأمير السعودي الوليد ن طلال قد حذر قبل سنوات في مقال نشره في النهار اللبنانية من هذه الظاهرة التي اعتبرها دمارا للمجتمعات العربية.
والسؤال: كيف سنواجه عدونا الصهيوني؟ بالثرثرة والفتاوي وتخريفات زغلول النجار وملاحقة المسيحيين وسحلهم، واضطهاد الأقليات الاثنية وقمعها، وعدم الاعتراف بحقوقهم المدنية وعدم اعتبارهم مواطنين..؟ أبمثل هذا التخريف والانغلاق والكراهية للمخلتف والآخر سنصبح مركزا عالميا للعلوم والتكنولوجيا والزراعة والصناعة؟
لا تخلطوا ين الدين والعلوم، احتراما للدين واحتراما للعلوم. لا علاقة بين قيمة قرآننا ورفعة ديننا وبين الاعجاز العلمي.
ان عقولنا متحجرة. الحوار الذي يجري لم يخرج من البحث في النص القرآني. لن تكتشفوا هناك الا القيمة العظمى لانسانية الاسلام. هذا اذا كنتم تفهمون المقروء. ولإكمال هذه القيمة على اتباع هذا الدين، لا بد من احداث انقلاب اجتماعي وتعليمي وسياسي في الأنظمة، انقلاب في المفاهيم التي ندير بها حياتنا، انقلاب في سلم الأولويات التي برمجنا عقلنا عليها. لا بد من تطوير تفكيرنا وانقاذ عقولنا من الخمول والترهل الذي طال أمده، والاستفادة من النهضة العلمية التي حققها الغرب، دون الادعاء المتخلف والمضحك، اننا كنا السباقين لهذه العلوم... تعالوا نكون السباقين في تطبيقاتها العملية وانجازاتها لمجتمعنا!

د. ميرا جميل، صحفية وباحثة اجتماعية meara.jameal@yahoo.com