أصداء الأندلس تتردد في مؤتمر دولي بالقاهرة

كتب ـ المحرر الثقافي
الإشعاع الأندلسي

إذا كانت مناقشة تأثيرات الثقافة المشرقية العربية والإسلامية على الأندلس أمرا اعتاد عليه باحثونا في مؤتمراتهم إلا أن مؤتمرنا هذا قرر – ولأول مرة - أن يتناول المنظور العكسي فاختار منظموه أن يكون عنوانه "أصداء الثقافة الأندلسية في المشرق الإسلامي"، والذي عقد نهاية الأسبوع الماضي بجامعة الأزهر برعاية د. أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر، وبالتعاون مع معهد ثربانتس بالقاهرة والإدارة العامة للكتب والوثائق والمكتبات ووزارة الثقافة الإسبانية وجمعية المشتغلين بالدراسات الإسبانية.
في البداية يوضح الدكتور على المنوفي، الأستاذ بكلية اللغات والترجمه بجامعة الأزهر ومنظم المؤتمر، أن الأندلس كانت فى بدايتها ملتقى للأفكار، ثم أصبحت مع الوقت مصدرة لتلك الأفكار، بل أخذت تغزو العالم بأفكارها، وأصبحت مركزا للإشعاع الحضاري الذي شمل العديد من الجهات ومنها المشرق الإسلامي، ما أدى إلى ما يسمى بـ "الإشعاع الأندلسي".
وتناول المؤتمر التأثيرات المتبادلة بين الثقافة المشرقية والأندلسية، و لعل هذا ما ظهر بوضوح في البحث الذي قدمه الدكتور مصطفى لبيب وقارن فيه بين أعمال ابن النفيس، وعمل ابن طفيل الشهير "حى بن يقظان" .
ويضيف المنوفي "كما اشتمل المؤتمر أيضا على محور إثاري، تناول رحلات أهل الأندلس في المشرق العربي أو الإسلامي وما تركوه من بصمات تجلت في الآثار الأندلسية في هذه المناطق وعلى رأسها مصر."
وعن الفقهاء الأندلسيين كان هناك بحث عن "ابن رشد" كفقيه وتأثيره فى ثقافة المشرق الأمس واليوم.
ويؤكد المنوفي على أن محاور المؤتمر كانت من التنوع بحيث أنها تستحق - لولا مشاكل التمويل - أن يفرد لكل محور منها مؤتمرا خاصا به.
أما الدكتور حامد أبو أحمد، أستاذ الترجمه الإسبانية بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر فقد أشاد بالأبحاث المقدمة في المؤتمر والتي تناولت الحياة العلمية والأدبية في الأندلس وتأثيراتها على المشرق، لافتا إلى أن مشاركة عدد كبير من الأساتذة من الجامعات المصرية والأسبانية في المؤتمر جعلت المؤتمر يكتسب صبغة دولية حقيقية.
وأوضح أبو أحمد أن المؤتمر تناول لأول مرة تأثيرات الأندلس على الحياة الثقافية في المشرق، وهو أمر ملفت للانتباه، فبعد أن كنا نتناول التأثيرات العربية والإسلامية على الأندلس، ها نحن اليوم نتناولها من منظور عكسي، فنناقش تأثير الأندلس على المشرق .
وبالفعل كشفت الأبحاث والأوراق المقدمة عن حجم التأثيرات الضخمة للأندلسيين في المشرق من خلال الرحلات التي كانوا يقومون بها، حيث كانوا يأتون إلى المشرق في رحلات الحج أو طلب العلم، إلا أنهم كانوا يتركون أثرا ثقافيا هاما في بلادنا ويصبحون جسرا حضاريا بين المشرق والأندلس.
ويضرب أبو أحمد المثل بالفقيه "أبو الحافظ السلفي" الأندلسي، كما أن ابن خلدون ذاته كان مثلا آخر على التفاعل بين ثقافة الأندلس والمشرق العربي أو الاسلامي، فقد قدم من الأندلس وعاش بمصر نحو عشرين عاما، ومن المؤكد أنه خلال تلك الفترة كان له تأثير هام على مصر، كما أنه نقل – في المقابل – العديد من المؤثرات الثقافية والعلمية والأدبية من المشرق إلى الأندلس.
وترى الدكتورة عفاف صبرة أستاذ التاريخ الوسيط بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، أن أهم المحاور التي تناولها المؤتمر، هي تلك التى تناولها الدكتور مصطفى لبيب الذي استطاع كفيلسوف الربط بين الحضارة الاندلسية وما أخذته من المشرق الإسلامي، ووصف لبيب من خلال بحثه "حكمة أندلسية في ثوب مشرقي" الحضارة الأندلسية ودورها في سرعة انتشار الأفكار بحرية لم تكن معهودة في ظل الانغلاق تحت لافتة الخصوصية والانحسار في أطر ضيقة، وهي الصفات التي كانت تطبع ثقافات العالم القديم من قبل .
ولفتت صبرة أيضا إلى ما كشفه المؤتمر عن حياة ابن رشد، وذلك عندما قام بعض الباحثين بتناول حياة ابن رشد، وعلى الأخص الجانب الفقهي منها. فنحن نعرف ابن رشد الفيلسوف والمتصوف، ولكن فكرة كون ابن رشد فقيها كانت جديدة، وتجلت أهمية أبحاث المؤتمر في كشفها عن كيفية استفادة فقهاء وعلماء المشرق من ابن رشد.
وضربت صبرة مثلا بالورقة التي تقدم بها الدكتور أنطونيو إلورثا دومينجيث، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مدريد المركزية، والتي حملت عنوان "ابن رشد والمذهب العقلانى السياسي في الإسلام المشرقي المعاصر"، وكيف أن الحركة العلمية في الأندلس والعالم الإسلامي - بل وفى العالم بأكمله - قامت على فكرة استخدام العقل التي أوضحها ابن رشد وأقر استخدام العقل حتى في الإيمان والدين، ما أدى إلى نشأة الجماعات العلمية التي انتقلت إلى المشرق الإسلامي، فأدى ذلك إلى الهجوم عليه بسب الاصطدام بالأفكار الدينية، ولكن الملحوظ أن فكره انتشر وأثر على الفكر الإسلامي في الشرق.
وتضيف صبره "هناك أيضا البحث الذي تناول شخصية الفقيه والمحدث والمؤرخ ابن الملقن ودوره، والذى يعتبر امتدادا لسلالة أندلسية، حيث عاش والده في المشرق الإسلامي فترات طويلة علم خلالها أجيالا من العلماء المصريين الذين استقبلوا ابنه وكانوا أساتذته."
كما تناول المؤتمر أيضا العديد من التأثيرات الأندلسية على المشرق في العلوم المختلفة، مثل العلوم اللغوية والنحو والصرف والتاريخ، وكذلك التأثيرات الأندلسية في العمارة الإسلامية فى المشرق .
وأكدت الدكتورة صبره، أن مؤتمر أصداء الثقافة الأندلسية في المشرق الإسلامى يعد بالفعل مؤتمرا دوليا شاركت فيه العديد من الجامعات المصرية وبعض الجامعات الإسبانية، وقدم عدد كبير من الباحثين والعلماء أبحاثا تناولت المحاور التى يدور على أساسها المؤتمر، ومن خلال تلك الأبحاث المقدمه استطاع المؤتمر ربط الفكر الغربي بالشرقي.
وتؤكد الدكتورة نادية رمضان النجار، أستاذ مساعد العلوم اللغوية بكلية الآداب جامعة حلوان، على أهمية محاور المؤتمر وعلى رأسها تلك التي تدور حول اللغة والأدب والعمارة، مؤكدة على أهمية مشاركة جامعة الأزهر في مثل تلك المؤتمرات الدولية للخروج من عزلتها والاحتكاك بالعالم.
وأوضح الدكتور جمال عبدالرحمن، أستاذ الأدب الإسباني بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر، أن المؤتمر ضم حوالى أكثر من ثلاثين بحثا علميا، مشيدا على الأخص بالموضوعات الجديدة التي تم طرحها بالمؤتمر لأول مرة ولم يتناولها أحد من قبل مثل:
التأثرات الأندلسية في العمارة الإسلامية بالمشرق، والتأثيرات على الخزف الإسلامي في مصر وبلاد الشام خلال العصر المملوكي، والمأساة الموريسكية والتكنيك المسرحي لفرانثيسكو مارتينث دى لا روسا .
ويؤكد عبدالرحمن أن المؤتمر ضم عددا كبيرا من العلماء من جنسيات مختلفة، مشيدا بهذا التنوع الذي من شأنه أن يؤكد ما وصل للعلماء في مصر ما إذا كانوا يسيرون على الدرب السليم أم لا؟، وأن يتعرفوا على أنفسهم من خلال الآخرين، وهي أمور تتطلب العمل على تكرار مثل تلك المؤتمرات العلمية الهامة.