البئر في جسدي

بقلم: الحبيب الأمين
حطام يتشبث بألواح الحرف

جسد بجسد قذفه تيار البؤس القاطن
بأرض التعب الخرساء
طفوت وجفوني المنسدلة تحدق بمرآة الشرخ
على ظهر الغفوة توسدت مسامير الضيق
أفقت مكبوبا .. حطاما يتشبث بألواح الحرف
وبجمجمتي حر وصقيع ضرسين
غريقا يتنفس سر العودة على كتف الموج البكر
يطرحني الفجر لجة مجيء ..
لمعت على طرف شطآن التيه..
كنورس أيقظه المد
فارتعش الريش بشراعه..
كحبة تراب تنطق بلسان الرؤيا
ببلاد تقصفها أساطير الريح تجاعيد

أتملى تجاعيد رهانات شاخت
نقرتها أزاميل رعناء..
على جبين الاختلاج المستباح
بعرق الفشل..
وجراحات أخاديد شائهة
تهرول بالمباضع والحراب
تشق جيوب الشوارع ..
تلعق أنصال الاقتراف
والعبث يقهقه
يتجشأ الراهن صهير الاجتياح
التعاويذ تعتصر عناقيد الغوث
والأزقة مخدع انتحار ورماد افتراء
يرتع الفحيح عند أكباد الأعشاش
لا صوت غير غمغمات منهكين
وأنينا يفز..
من رفات ...
شهقة نفس أخيرة
لا رائحة إلا للوجع ولا أفق إلا من ركام
وأثار كلمات ترمم منصات الابتغاء
من سلخ ترانيم السكينة عن صداها؟
يا صدور الامتلاء من توضأ بحبرك؟ تجاعيد ومن شج رأس القلم؟
بميدان تتزاحم فيه أعناق ذلت
تتخطاها عضلات عمياء
ثمة من يبحث عن ذاته
وهناك من يحمل ..
عودا زين طرفه بعقرب .. وبجيبه لحم خنازير
البعض يسأل عن منفذ والبعض الآخر يفتش عن مهرب ..
لكن الحل مفقود مفقود..
فالمفتاح يحرك مروحة الحاضر
وسر وجوده غيب آخر ومغيَّب
اللامرئي يمسح بممحاته الصور .. وينفث على الحائط سمه
يختال الصدع عميقاً ويتمدد .. يسبقه ضباب بارود هائل
يتغلغل في قشرة ما تحت الوعي بزمان ومكان الأحدوثة..
القراءة العجّلى بدأت تترنح .. تمهلت فأرجأت استغراقي
اللغز يغرز أنياب ضلاله بتلابيب انفلاتاتي ...
فباحت بالسر تحت مرجل اللعنة
مم تخاف التفسيرات الذاهلة, عاجزة عن الفوقان؟ قلق

كي لا تقتحم لذاذة الهدوء نداءات قلق تبعثرني
نصبت قبة لغواية سيدة المنطق ..
فشرودي ترتعش بيده الروح
بعيدان تدبر لم تقطعها حتى اللحظة
فؤوس قطاع الحكمة في المقلب الآخر
رميت عليها رقاع وقراطيس ولادات السخط المنسوخة
وطلبت الظل من طيف عباءة
طرحها فيض جسد صوفي عابر .. تخفف من نار لبوسه
نسجها الستر على نول الزهد بخيوط الجوع الطويلة
وصبغها عرق الضنك المارق
عن درب العلف وفرن الخبز الفاسد حفر عبرت حُفراً وأخاديد نبشتها معاول الموت الجوالة
الفوضى تتربع على عرش القحط
غربان تكهلت بأرض الشحوب
تتقاذف هشيم حبال مجدولة ودلاء مثقوبة في بحر الرمل
لا أدري هل هي قبري المختار أم بئر ميتة هجرتها حوريات الماء؟
لكن أجساداً أخرى تشبهني
برزت من ماضي الكثبان الصاخب
تتصارخ مثل إعصار تلفع غبارا ونعوشا
نهضت إحداها تتكلم
قالت مومياء من زمن القار الأجرب
كي يخلد فرعون الشمس في أسفار التاريخ
صيّرنا خداماً بمحاجر تماثيله
وقطيع عباد يأسرنا جند الكهنوت
خوف من سوط النقمة وجحيم الويل..
ها نحن تحت الرمضاء نرزح
كمحفة دواب يركبها رهبان عميان
كرقيق المنجم نقتطع جلاميد رخامه
نتهجد بتراتيل الرهبة ونصلي في أنفاق الصخر
ليحيا المعبود الخالد في جسد الحجر بسلام دلو رميت في البئر النافقة دلوي
أتحسس البلل المفقود وأتنصت دفق الماء
بمجرفة من لوم وعتاب
حفرت رمالاً ورمالاً وجمعت تراباً وغباراً
دفنت بحفرة الصمت تابوتا لحنقي
ولعنت عصر فراعنة السخرة
كادت أن تسقط أخباري بغربال عسس العصيان
بمخافر حدود التجديف..
ثمة طاحونة وطحان بطن
من بطن جرة حُبلى بصفير الريح
تتدلى بحبل يشنق سرتها
معلقة بجذع يابس
تغترف الصمت بآذان صماء
سمعت صوتاً للعطش يتمتم
بكلمات مُرة تتسرب
سقطت من طرف شفاه الجرة
تقول للجسد الراقد..
كأنه صنم من عصر جنازات الليل
يحمله مركب هاديس وزينه أنوبيس الذئب..
أن تقبع في قاع راكد وبرماد ضلالات تنفخ
يغمرك غرين فاسد
تتقافز فيه ضفادع تنق
مغرمة بالنوم في وحل الهذيان السفلي..
تتناسل بقبضات عجزك ديدان الأغلال الصدئة
لا زلت تنزف كالمسكين
بمجارير مائدة القرابين
دمك البارد رخيص ثمنه
وترضى !
خَرِفٌ أنت ومعتوهُُ حتماً !
أنصحك بحمية تنوير
أنشر جثك على قرص الشمس.. كي يبرأ
فدماغك ترهل من فرط الغسل القسري
وبطنك صندوق تروس مكسورة
لطاحونة شعير العيش
النابت في حقل الشوك
وآراؤك المقموعة المنبوذة من نسل البور
تتخبط بسباخ الملح الملعونة
كأخبار عجّلى .. نفرتها الأرقام الخصبة
في نشرة أنباء عطايا السلطان
أنت في إسطبل صلد معتم
تسكنه نعاج وأبقار..
تحرسها ضباع مخبولة
لا تتوسد أمجادا بادت تتوكأ عكاز الذلة
تستعطي أشباح الأطلال
تجتر طموحات السمنة كناقة هرمة وعجفاء
ملأت بالريح شدقيها
..تتبختر بضلوع الجوع
تنتظر سكين النحر أساطير
.. لا تنصت لأساطير مبحوحة
يبست بحناجر معتقة
لا تقرأ ضلالات الأقزام
الحجريون..
ندماء الجهال ..
رفقاء قطعان العتمة..
حملة قرون النطح الملتوية
غربان الأيام المنحوسة
ندماء الشيطان الفجار
رقصوا على النار عراة
ستسكرهم قطرات دموعك
كنبيذ عنب جبلي
لكنك ستبعث من نارك .. أحمر
كفينيق يغرس فسائل للنور
في أرض الظلمة والجوع
؟..! الجواني يا بئراً تنضح بدموع الوتر الجواني
يرن صداك رطبا في جوفك
لا زلت تنوئين بأسرار النوح المر
وعصافيرك تصارع عاصفة الشتات في نجود الصرير
تكمم أفواه النار .. وبشدو مناقيرها معزوفة المطر
وتطلب السنابك عنوانك القديم من صهيل الرذاذ
بسهوب الثغاء البعيدة..
تنتظر الجياد
قل للسماء أني أحب كلماتها العالية..
وحدها ترفعني إليها غمامة
والكلمات مسرجة تطاول عنان الرجاء
يقينا سينحسر طوفان الجمر والدخان
فأنا المشاء المعجون بالتراب
وكل الحفاة العراة أصحاب جذور
كالنخيل كالزيتون كالرمان
لا ننتحر .. لا نحتضر .. ننتظر
.. انتظر .. انتظر..
لا .. لا تستعجل سيأتي الشتاء ليمجد روح البعث
وسيأتي الربيع ليعانق صدر الأرض العاري
وستحط حمامة بيضاء بوسط الهضاب المثخنة بندوب اليباس
تحمل سنبلة فرح تخصب الليل الحزين..
وعودا أخضر للنهارات الباهتة
يا صدري العميق اغسلني ببياضك الرطب..
من وسوسة النضوب
يا بئري آن الوقت لتدلي بدلوك
اسقيني وأطلقي سراح عطش الروح
بحياة ما قبل وما بعد الماء. الحبيب الأمين - ليبيا