مشروع الإنقاذ الفلسطيني

بقلم: سوسن البرغوتي

تناولت الصحافة العربية على وجه الخصوص الاستعدادات الجارية لحوار القاهرة بين الفصائل، بعد عيد الفطر، أو الحوار التمهيدي لحوار فلسطيني- فلسطيني، برعاية النظام المصري "المحايد"!
لقد خاضت حماس تجربة الحسم العسكري في قطاع غزة، وطهّرت القطاع من الأجهزة الأمنية الفاسدة التي كانت تنسق جهارًا نهارًا مع العدو، والدليل ماثل أمامنا في الضفة الغربية، وطرق ووسائل واجتماعات تلك الأجهزة بشكل علني مع قيادات "إسرائيلية" عسكرية وسياسية، الهدف منها، إغلاق ملف "العنف" الفلسطيني نهائيا، وإنهاء مقاومته المسلحة ضد احتلال الكيان الصهيوني، وصولاً إلى الاعتراف بهذا الكيان على أنه دولة متفوقة على جميع الأصعدة، ما يوجب الإذعان لسطوة وهيمنة الاحتلال، ولنا بتجربة أوسلو التعيسة التي لم تثمر إلا سنوات عجاف وتفريط وتنازل، دليل واضح على تآكل المطالب والحقوق الفلسطينية بالأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر.
من الحق الفلسطيني بكل أرض فلسطين إلى "دويلة الـ67"، ومن الميثاق الوطني الفلسطيني الأساسي إلى وثيقة الوفاق الوطني، بمجملها، تنازلات واعترافات بحق "إسرائيل" في الوجود على أرض فلسطين العربية.
أحد فصول مراوغة سلطة الرئيس محمود عباس هو ما يجري الترتيب له في حوار القاهرة، للتأكيد على شرعية فخامته، كمسؤول وحيد عن مصير الشعب والقضية الفلسطينية، ولكسب الوقت لفصول لاحقة، يقضي من خلالها على كل جيوب المقاومة في الضفة، وليعلن استبداده واستئثاره بالبرنامج الاستسلامي الذي لم يتوقف منذ أوسلو حتى يومنا هذا. وإلا فأي فصيل يخرج عن الطاعة، فهو متمرد ومعاقب، ويجب مقاطعته عربيًا رسميًا وعالميًا.
هذا القرار بحد ذاته، يكشف المستور، ويفضح كل من يزاود على أن المقاومة مستمرة حتى تحرير كل فلسطين، ويظهر من يتمترس وراء الشعارات، ويعري "المعتدلين" ومتسولي سلام العبيد مع "إسرائيل".
دائما وأبدا، لا بد من برنامج لإسقاط مشروع المساومة، ولا شك في أن الحسم العسكري في القطاع كان ردًا قاطعًا على الاستمراء والاستخفاف بإرادة النضال للشعب الفلسطيني، وإنهاء ملف العملاء وأجهزتهم واقطاعياتهم.
لكن الحسم العسكري لا يصلح لتكرير التجربة مع هذه الطغمة المستشرسة، ومع الأبواق التي تندد بالمواجهة كآخر الدواء الكي، فما البدائل عن المناورات الإعلامية والتكتيكات المؤقتة، خاصة وأنها تُفهم على أنها تنازلات وكر وفر لأجل الاستئثار بالسلطة وتبادل أدوار في ظل احتلال، ولا سلطة أو سيادة حقيقية على أرض الواقع.
عباس ومن دار في فلك حلفاء "الاعتدال"، يستعدون لجر حماس لمواجهة عسكرية جديدة، مما سيؤدي بالتالي إلى إضعافها كحركة مقاومة، وسيجعل من خصومها أكثر ضراوة وهجوما، ولتفويت الفرصة واختصار الوقت وإجهاض التخطيط للإجهاز عليها وعلى الفصائل المقاومة الجادة بشكل عام، ولأنهم يدركوا تماما، أن حوار القاهرة، كغيره من الحوارات السابقة، لن يأتي بجديد ولا بنتائج مرجوة، فإن هناك طرق أخرى يجب أن تُسلك تجنبًا لمطبات وتصادمات واحتكام للسلاح. فنعود إلى ما كنا عليه من الخلافات والتراشقات الإعلامية، وتضيع القضية الأم، بين حقيقة أن هناك احتلال للشجر والبشر، ووهم أن نبني آمالاً على سلطة لا تملك أي قرار، ولا تعمل للمصلحة الوطنية. والحصار بكل الأحوال، حتى إن قبلت حماس بشروط عباس، لن يُرفع، إلا في حالة إعلان حماس الرسمي عن إسقاط خيار البندقية، وتحولها إلى حزب سياسي، وهذا سيقضي عليها مع التقادم، إن لم يكن سريعا. سؤال جوهري يطرح نفسه: ما هو الحل، وإن كان طويل المدى، لكنه ليس بعيد المنال؟ وما هو الأنجع في حسم الأمور؟
ـ إعلان إنهاء التهدئة، والعودة إلى إطلاق الصواريخ، خاصة وأن الوضع السياسي، مرتبك في "إسرائيل"، ولن تقوى القوات "الإسرائيلية على اجتياح القطاع، أو التفكير بإعادة احتلاله، لأن العدو يحسب الهدف الذي سيحققه من جراء القيام بذلك، وستكون خسارته فادحة لو فكر بذلك، على الأقل في هذه المرحلة من تخبط سياسته الداخلية، واستعداد بوش للرحيل نهائيًا عن البيت الأبيض.
ـ ضرب العمق "الإسرائيلي" وتصعيد المقاومة، وهذا من شأنه أن يسقط أي مخطط قادم للقضاء عليها كحركة وكقيادة سياسية في القطاع.
ـ إنهاء قدرة عباس على لجم أو القضاء على المقاومة، وبالتالي إعلان فشله، وإنهاء مهمته، إما بالاستقالة أو بإقالته من قبل حلفائه بشكل أو بآخر، فإن استمر على هذا النحو، سيحل التشريعي، خوفًا من استلام رئيس المجلس التشريعي بالإنابة أحمد بحر الرئاسة مؤقتًا، وسيعلن أنه الآمر الناهي والمستبد الأوحد، وسيبتدع قانونًا يجيز له ما يتفق مع مصالح "الشركاء".
ـ كشف أقنعة تتوارى خلف شعارات المطالبة بالمصالحة الوطنية من أجل توحيد الشعب حول خيار المقاومة، وهم يعلمون بقرارة أنفسهم، أن سلطة أوسلو لم تكن يومًا لتقام لولا استجداء "إسرائيل" لسلوك المفاوضات لأجل المفاوضات، وتضييع الوقت فقط!
على هذا الأساس تكون حماس قد استمرت ببرنامجها المقاوم، ولا تخسر مصداقيتها، وتلتف حولها كل القوى الحية في الوطن العربي والعالم، لأن الطريق الوحيد للشرعية في بلد محتل، يستحيل أن يتحقق إلا بمقاومة الاحتلال، وليلتفت الشعب الفلسطيني الحر إلى مواصلة نضالاته، لا بمقارعة تستهلك طاقاته وإرادته بالصمود وصولاً للتحرير.
يكفي ما دمرته السلطة المحلية من اقتصاد بفعل اتفاقيات المعابر واستغلال الغاز الطبيعي في غزة لصالح الشركات الغربية المتحالفة مع العدو، ويكفينا استنساخ جيل ضائع تائه، يحسب أن الأريحية في الاستسلام، ويكفي تخريب التعليم وإفساد الذمم، وما حصل عليه الاحتلال من جراء اتفاقيات الذل والتفريط.
إن الشعب الفلسطيني في الشتات لم يسلم من انحرافات شاذة لمشاريع بديلة، كالدولة الواحدة لشعبين، أو الوطن البديل، وربما استبدال- إن استمر هذا الوضع على ما هو عليه- شعوب أخرى، وطرد ما تبقى من أهلنا، لنصبح بنهاية المطاف، الهنود الحمر المنقرضين في أنحاء العالم! فهل من مشروع إنقاذ فلسطيني وطني للشعب وأرضه وقضيته، وسد الذريعة أمام كل متنطع ورافع لشعارات واهية مضللة، والاتفاق على المصلحة الوطنية العليا باستمرار نهج المقاومة؟!

سوسن البرغوتي