إنتفاضة قادمة، لا بد من الانتباه لمقدماتها

بقلم: ناصر السهلي

فيما يستذكر الشعب الفلسطيني إنتفاضته التي مر عليها ثمانية أعوام، والتي لم تحددها جغرافية الاحتلال المباشر للضفة الغربية وغزة حتى امتدت لتشمل فلسطينيو ثمانية واربعون، فإننا اليوم نشهد عملية حراك تراكمية قد يرى البعض طوباية في حديثنا عنها.. الشيئ الأكثر أهمية في "إنتفاضة الأقصى" أنها لم تختزل حدودها في قضية شارون واستفزازه المتعمد آنذاك، بل جاءت كتعبير صريح وواضح عن حالة تراكمية وقودها الظاهري الاحباط والشعور بالغبن من "عملية مفاوضات" جرت من طرف واحد على أمل فرض شروط انهزامية واستسلامية على القضية الفلسطينية المختزلة ببساطة في مطالب جلها أمنية، بما فيها شعار سياسي سقفه "العودة الى الوضع القائم قبل 28 سبتمبر/أيلول 2000".

لكن، ليس للاحباط الدور المحرك في اشعال ثورات الشعوب وديناميكية حركتها بوجه الاحتلالات، وتجربة الشعب الفلسطيني في هذا المجال غنية وكبيرة، وإن كان الاحباط العام لعب دورا في الانتفاضة، وبكل بساطة لم يجر لا التوظيف السياسي ولا التفاوضي للتضحيات والاستعداد لمزيد من المواجهة الشعبية مع الاحتلال مما خلق جوا لا يمكن إلا الاعتراف بأنه أدى دورا في حالة إحباط لاحقة، نرى نتائجها حتى في العلاقة الداخلية بين أطراف ما يجب أن يكون حركة تحرر وطني واستقلال وتقرير مصير يطمح له الشعب الفلسطيني وحتى وفق ما استعارته من تعريفات وتوصيفات كيانية العقلية السياسية الفلسطينية المعولة على "الشرعية الدولية" والوساطات التي تبين تاريخيا أنها لا تتدخل إلا حين يكون ميزان القوى الأقوى هو على الأرض لمصلحة من يعمل لتحقيق انجازات بحجم الاستقلال وتقرير المصير.
التوقف في مقدمة سريعة لمرور أعوام ثمانية على اندلاع الانتفاضة لا يعني أن نغفل كل المتغيرات الحاصلة عالميا وإقليميا، لكن السؤال الأهم في كل هذه التجربة يكمن فيما قامت به الحركة الوطنية الفلسطينية لتثبيت القليل من مواقفها اللفظية واشتراطاتها التي وضعتها على نفسها في أكثر من مناسبة تفاوضية. بل ولا يمكن الفصل بين المتغيرات الجارية على الساحتين الاسرائيلية والفلسطينية لجهة هلامية الحل الذي يجري الحديث عنه.
لا داعي برأيي أن نعدد كل التراجعات الحاصلة نتيجة اختلال معادلة وشرط أساسي في نضال الشعوب لحريتها، والاختلال البين واضح في الفرق بين افتقاد الرؤية الواضحة المدعمة بقوة الموقف الشعبي (حتى الدولي المتعاطف والمتغير بعد غزو العراق في 2003) على الصعيد الرسمي من جانب، والذي تبدى في الضعف الناتج عن التصادم مع قوة الشعب الفلسطيني على التحمل وعلى التضحية في سبيل الخروج بنتائج عملية في الجانب الآخر.
لا أشك بأن طبقة سياسية فلسطينية رأت، ومنذ اليوم الأول، بأن هذه الانتفاضة هي كارثة على ما اعتبرته انجازات "أوسلو" التي في جوهرها جعلت الشعب الفلسطيني مجموعات غير مترابطة تبحث كل مجموعة عن حل لمشاكلها ضمن امكانياتها المحدودة والمحددة بمفاعيل الجيوبوليتيك العربي والدولي. وتلك الطبقة رأت، وما زالت، بأن الانتفاضة الفلسطينية خلطت الأوراق وأربكت المشاريع وعدتها تراجعا عن "رؤيتها". وليس سرا أن هذه الطبقة استفحلت أزمتها بعد غياب الرئيس عرفات، بكل ما كان يمثله من كاريزما شعبية، رغم إختلاف مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية معه على البرنامج والاساليب، ونحن بكل تأكيد نرى نتائج الارباك الشديد الذي فتح أمام دولة الاحتلال شهية الاستخفاف بقوة الشعب الفلسطيني أمام ضعف قيادته السياسية وقبولها بناء المواقف على نيات ووعود لا تصلح حتى في التأسيس لعمل تجاري في شركة مساهمة.

واحدة من المحطات التي أظهرتها "إنتفاضة الاستقلال" (وهو التعبير السياسي في أدبيات الكثير من قوى المقاومة) ذيلية المواقف بالطبقة السياسة والتنازل عند البعض عن دورها الاساسي في عملية التحرر الوطني. هذا إلى جانب السجالات التي وصلت حد التخمة فيما لدى اسرائيل من مشاريع. وكأننا أمام حالة فريدة في تاريخ الشعوب التي وجدت نفسها في وضع أقل مما هو عليه الشعب الفلسطيني من مشروع احتلال وتشريد واحلال، حالة تُضبط فيها عقارب ساعة التحرر بما يشاء الاحتلال أو لا يشاء. وكم من الامثلة الكبيرة والفاضحة أمامنا على مدى سنوات الحصار من بيت الشرق في القدس الى السور الواقي الى جدار العار الى التبادلية والى الارتهان لوعود معروف أنها لن تكون سوى مساومة على الوقت ليس إلا.
صحيح أننا اليوم أمام نقاش محتدم عما إذا كان من الممكن بناء دولة فلسطينية مستقلة أم علينا العودة لشعار الدولة الواحدة، لكن من الصحيح أيضا أن هذا الطرح، في المسألتين، لا يبدو جديا (هذا إذا صدقنا أن أحمد قريع كان يقصد ما يقوله عن العودة الى قرار التقسيم) عند بعض من يطرحه إلا من منطلق المناكفة ومحاولات الضغط بدون وسائل الضغط وعلى رأسها الوضع الداخلي والتجاذبات اللفظية بشأن البرامج والمخارج وغياب أي نوع من أنواع الجدية على الأقل خلال عام ونصف من الوضع المأزوم.

لابد من الملاحظة بأن عنوان هذه المادة يحمل دعوة للإنتباه لمقدمات الانتفاضة. وأقصد القادمة منها. فكل المشروع السياسي الذي أثبت على مدار السنوات الثمانية المزاوجة بين مفهومي الكيانية السياسية المقطعة الاوصال ومفهوم النضال والتحرر الوطني فتح شهية الاحتلال نحو المزيد من تقطيع الاوصال والانتهاكات اليومية وممارسة سياسة الباب الدوار في مسألة الاسرى والمعتقلين والاستمرار في التبجح حتى امام المجتمع الدولي بأن المستعمرات في الاراضي المحتلة ليست منافية للشرعية الدولية.
قطعا، يشعر المستعمر بأنه لا يمكن أن يمارس إستعماريته دون اللجوء الى كل الوسائل القذرة المعروفة في تاريخ الاستعمار النظري والعملي.. ويتخطاه الصهيوني إلى مسألة خطيرة وخطيرة جدا إذا تساوق معها بعض أجنحة الحركة الوطنية الفلسطينية (وبالحركة الوطنية أعني كل أطراف منظمة التحرير والقوى الوطنية والاسلامية والحركة الوطنية داخل الخط الأخضر) وهي المتعلقة بمسألة يهودية الدولة وإسقاط حلول يعتبرها البعض مخرجا تاريخيا بينما هي خروج من التاريخ.
قلنا أن الاحتلال الذي وجد أمامه حركة وطنية تائهة بين ممارسة سلطة سياسية حالمة بكيان يسمى "دولة" ومتمنعة عن المضي في دورها التاريخي كحركة تحرر لشعب قوي، وحركة تعاني ما تعانيه من تشرذم وضعف برمي أسباب الخلل على الاخر. وهناك بعض الصحة في جزئية ما من هذا الكلام، مع أن الحالة الفلسطينية تتحمل قبل غيرها مسؤولية ما آلت إليه أوضاعها الداخلية والاقليمية والدولية. هذا الاحتلال يندفع اليوم نحو خلق وقائع أخرى على الأرض (واقع ربما يتسابق فيه أيضا مع أزمته الداخلية والوجودية ولو أدركتها الحركة الوطنية الفلسطينية لما وقفت وقفة المناشد والباحث عن أمل تغيير الشروط بمفاعيل خارجية، بينما الامر بيدها وأمامها).

صحيح أن الصورة المقدمة عن الشعب الفلسطيني اليوم هي صورة "لقد تعب الشعب" (وكأن مسألة الاقرار بمشروع الاحتلال ستخرجه من تعبه، لو صدقنا المقولة وأصحابها). وهي صورة نمطية وتعميمية عن حالة الوصول الى حائط مسدود عند من تخلى عن برامج عمدها هذا الشعب بالدم والتضحيات.. وهي مقولة تعبر في الأصل عن تعب "الثوار" الذين تحولوا الى ممارسة دور "رجال دولة وحكومة".. وفي هذا الصدد نحن لا نتعاطى مع حالة عاطفية بل إنسانية بامتياز، فالشعب الذي يجد نفسه محاصرا في سجن كبير غير قادر على مواصلة حياته ولا ممارسة انسانيته وهو يرى يوميا حجم التراجع الذي يصيب قضيته وسقوط أبنائه بأيد المستعمرين والاستخفاف بقيمته وحياته مقابل حياة مستعمرين مجمعين من كل مكان ليمارسوا تحت سمع ومرأى العالمين العربي والدولي أبشع ممارسات العنصرية والتمييز والقتل دون قدرة لا محلية ولا اقليمية ولا حتى من الرباعية على وقف ما يجري بشكل جنوني.
لم يعد سرا أن ممارسة الاعدام الميداني بحق الفلسطينيين ما عادت حكرا على مجنديين ممسوحي الادمغة بتعاليم محرضة دينينا وعقائديا على قتل العرب أكان في الجليل أم في مدن الضفة المحتلة. ولم يعد سرا أن يتحكم بأطباء ومهندسين ومرضى وعمال وطلاب عند حواجز الذل مجندين لا يرون قيمة لهذا الفلسطيني، مستندين على فتاوى تغيب عن بال من يبحث عن تكميم الافواه في الجانب العربي مخافة أن يغضب الاعلام الاميركي والصهيوني. بينما يغط في سبات عميق وأحيانا يصحو منه لتبرير الافعال الصهيونية الالام العربي في عصر باتت فيه الضحية تُحمل مسؤولية إبادتها.

الانتباه لما يجري لا يعني بالنسبة للكثيرين مسؤولية كبيرة، والأمر كذلك لأنهم خرجوا، أو أُخرجوا من دورة تاريخ كفاح هذا الشعب. والانتباه لتراكمات ما يجري له الكثير من المتطلبات التي يتحمل مسؤوليتها من لا يزال يعتبر نفسه في قلب حركة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني. ونقصد فصائلا وجماعات وشخصيات. وقد آن الأوان ربما أن تعيد بعض القيادات التاريخية النظر بدورها ومكانتها لمصلحة واقع جديد.

وإذا كنا ننطلق من التراكمات التي أحدثتها نضالات ومعاناة هذا الشعب، فإن الجدال الحاصل اليوم حول الأولويات يسهم بشكل أو آخر في تعميق مأزق أصحاب الجدل الداعي إلى الاستقالة عن المشروع الوطني وبالتالي التماهي مع شرق أوسطية من ثقب "الواقعية" وأمركة المرحلة. وعليه فليس غريبا أن نعبر وبصدق عن مخاوف مر بها الوضع العربي في كل مرحلة أُجهضت فيه حركات هدفت لتغيير واقعها، وذلك بفعل المراهنة على كل شيئ إلا على إرادة وطنية وقومية خالصة عند هؤلاء.
شخصيا ليس عندي أدنى شك بأن المواجهة قادمة لا محالة، وربما تكون هذه المرة غير كل المرات التي سبقتها. لكن ماذا تتطلب حركة الجماهير من مفكريها وقياداتها؟
بكل صراحة، التناقض بين مشروعين واضحا المعالم يتطلب وقفة حاسمة وربما فرزا جديا باصطفاف مع مشروع يتلمس مواجهة كل مشاريع تغييب البشر والعقل لمصلحة الاستفراد والاستئثار بمصير الأمة. وكم تبدو بائسة حالة الحلول التي تقدمها تنظيرا بعض الاقلام المعولمة والتي بالكاد يسمع بها الناس أو تعرف هي شيئا عما يعانيه هؤلاء. وما أقصده بحالة الفرز هو العودة بالقضية الفلسطينية (كل القضية) إلى مربعها العربي والدولي من منظورين اثنين، الأول يتحدث عن نفسه في أن هذه الأمة لم ترفع يديها مستسلمة للاختيار إما مشروع أثبت أنه ورغم فشله إلا أنه مندفع ولو بشخوص جديدة تمثله مجموعات صياغة القرار في واشنطن أو مشروع غيبي وعبثي وانتظاري تتحالف فيه قوى النخب الحاكمة مع منظري "الاسلام هو الحل". والتحالف الأخير، حيث يبدو المشروع الاسلامي مشروعا استقال عن ثوريته لمصلحة المشروع الرسمي او ادعاء المعارضة له، هو تحالف هش أثبتت التجارب إنقلاب طرف على طرف فيه حين تسنح الظروف بذلك، بينما تترك الجماهير لدورة أخرى من الشعارات المستهلكة التي سرعان ما ينكشف أن الركون إلى "حتمية ما" هو امر مورس على مدى العقود الستة الماضية من عمر القضية العربية في فلسطين. ومن غير الكافي أبدا أن يدعي هذا التحالف وجود الحل لديه بمظاهرات صاخبة مع كل مذبحة لانتظار غيرها بدون برنامج نضالي فيه الكثير من الاستمرارية والقليل من التنظير والصراخ.
في المقابل، يمكن العودة بالقضية الى حاضنتها العربية والدولية إذا ما أقلعنا عن قراءة العالم قراءة واحدة مغيبة لقوى ودول ربما ليست بالضرورة أن تكون مئة بالمئة في صف قضايانا. هناك حول العالم من يطرح وبعمق أسئلة جدية حول مآل القضايا العربية وعلى رأسها الفلسطينية مستهجنا كل هذا الانغلاق على الذات. بل مستغربا محاولات تضييع كل التراكمات التي أثمرت عنها جهود وتضحيات كبيرة وطويلة عبر العقود الماضية. إن عودة القضية الفلسطينية إلى مكانتها الطبيعية كقضية عادلة لا يعني بتر النقاش بما يمكن أن يحمله المستقبل. بل هو اثراء لها ولهذا النقاش من خلال الخروج من شرنقة التقوقع على الذات ومن شعارات النظم العربية الرسمية التي حملت منذ مدريد شعارا ثابتا: نحن مع ما يراه أصحاب القضية. مع أن هؤلاء في فترة لاحقة ما عادوا يرون في القضية (المركزية) أكثر من قضية "نزاع" بسيط بين "جار وجار" وبدا البعض منهم يحجم دوره التاريخي إلى دور الوساطة وأحيانا الحيادية. كما لو كانت المسألة متعلقة بطرفي النزاع في قبرص.
الجهد المطلوب لتصويب بوصلة القضية الفلسطينية يتطلب فكرا تقدميا ومنفتحا من القوى والشخصيات على شعبها العربي قبل انفتاحها على العالم؛ يتطلب الايمان بقدرة الشعب الفلسطيني، مدعوما من محيطه العربي ومن الامكانيات والارادة الذاتية، لتغيير حالة الذبح اليومي في ظل معادلتين أثبتت السنوات أنهما غير قادرتين على تصويب المعادلة، لا في غزة والضفة، ولا حتى داخل الخط الاخضر. إن فكرا جريئا غير مرتعش ولا متردد في مواجهة كل أشكال أمركة وأسرلة الحلول لتصفية هذه القضية المترابطة ببعضها البعض. فالفكر الذي يقبل بيهودية دولة الاحتلال يعني عمليا أنه يُسقط حق أصحاب الارض الاصليين وهؤلاء الذين يتطلعون لعودتهم. ويعني أيضا أن من يتباكى على القدس والمقدسات يساهم في اعترافه بالحلول الجزئية في تثبيت وقائع لم تستطع كل الحفريات أن تبثته. بل ويعني أيضا تثبيت أن القراءة الصهيونية للوجود الفلسطيني ما هو إلا بقايا "إحتلال عربي لأرض إسرائيل". هذا غير الاسهامات الاخرى التي يمكن أن تجهض مرة إثر مرة محاولات الشعب الفلسطيني في ممارسة حقه المشروع في مقاومة المحتل المباشر وغير المباشر. وهو أمر لا يمكن مهما إعتقد البعض أن يساهم في تحسين شروط بقاء سلطاتهم ولا حتى بأن تقدم الصهيونية التي تعيش حالة مأزومة، إتضحت معالمها في 2006 بعد الهزيمة في لبنان، ما يسمونه "تنازلات". بل أستطيع أن أجزم أن إسهامات على غير ذلك المنوال تعطي بارقة أمل للمشروع الصهيوني الذي ينخر فيه الفساد والشوفينية والعنصرية وفقدان الاحساس بالأمان في كيان يُذكر كل ما فيه بماضي ومستقبل الشعب الفلسطيني.
تلك من السمؤوليات الجماعية التي لا يمكن للشعارات أن تحل محلها. ولا يمكن للخطابات المدغدغة للمشاعر أن تكون بديلة عن البرامج. ولا يمكن للبرامج أن تكون فعالة بدون فكر ابداعي وخلاق. وإلا فإننا سنكون شهود زور مرة أخرى على حقبة من التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني.

ناصر السهلي