أعيدوا للإعلام الفلسطيني هيبته المسلوبة

بقلم: محمد داود

حرية الإعلام كلمة جميلة، الكل يتمسك بها ويدعي بالمحافظة عليها، لأنها من أهم مفردات الحريات المدنية، التي كفلها الدستور الفلسطيني والدولي، لكن المشهد الفلسطيني يروي تفاصيل مغايرة نتيجة التدخل السافر في استقلالية العمل الصحفي والتي أدت إلى تراجعه. كما شهد الخطاب الإعلامي الفلسطيني انحرافاً ملحوظاً عن مساره الوطني، فبعض هذه الوسائل ساهمت في تلفيق الأكاذيب بدلاً من الصدق، والى الانحياز، والتمييز، والتحريف، وبث الشائعات، ومحاولات وأد وإقصاء عنيفة وتكميم أفواه واعتداءات متكررة دون أن يحرك النظام الحاكم ساكناً في معاقبة المسيئين لهذا المرفق الحضاري الحيوي، فضلاً عن سعي الأحزاب والجهات والشخصيات السياسية المختلفة لاحتكار دور الإعلام بما يكفل لها مصالحها وأهدافها الخاصة.
ولا مجال للشك أن الأزمات الأمنية تعد من أخطر التهديدات التي تواجه المجتمعات نظرًا لأنها تلحق الأذى بكيانها الداخلي وتهدد أمن المجتمع "وحدته ونسيجه واستقراره"، وهو عملياً الذي شهده قطاع غزة عقب سيطرة حركة حماس بالقوة المسلحة عليه، فكان أي "الإعلام" أحد أعمدة الأزمات من حيث المساهمة عملياً مع لغة الرصاص، بجانب تورطه لعدد من الأزمات الأخرى التي بدأت تظهر في المجتمع الفلسطيني الذي لا يزال يخضع حقيقةً تحت للاحتلال الإسرائيلي.
ويعظم خطر هذه الأزمات والأحداث إذا كانت تنطلق من توجهات فكرية أو أيديولوجية أو خدمة لأجند خارجية أو مصالح حزبية أو فكرية أو اقتصادية تخدم فئة معينة وتتسع دائرة تأثيرها على أفراد المجتمع بحيث تزهق فيها أرواح بريئة وأنفس معصومة وتتلف بسببها الممتلكات والمقدرات الخاصة والعامة وتستباح وتنشر الرعب والهلع في المناطق التي تنشط فيها. وقد ساهمت الأحداث المفاجأة في تعرية الواقع وإيضاح مدى استعداد المؤسسات الرسمية والأهلية في مواجهة الأزمات، وهنا كشفت أحداث 14 يونيو/حزيران 2007 وما بعدها من أحداث التي شهدها إقليم قطاع غزة، تحول على إثره الجسم الصحفي إلى هدف رئيس للأطراف المتصارعة على المستوى الداخلي، والاستدعاء والتهديد والحبس ومصادرة الأدوات ومنع التغطية للأحداث. كما ينطبق الحال على المؤسسات الإعلامية التي منعت من البث أو النشر. كيف لا وقد كنت أحد ضحايا هذا التجاذب الإعلامي.
إن من المعيب في اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني أن أقول الحقيقة بأن الإعلام الفلسطيني شهد حالة من الفوضى والانفلات الإعلامي بقيامه بعمليات تحرض على القتل وتكميم الأفواه وتعميق ثقافة الانقسام وتكريس العنصرية وإشاعة مناخات الإرهاب الفكري والسياسي والحض على الكراهية، ليسجل بذلك أسوأ الأعوام التي مرت على الإعلام الفلسطيني منذ قيام السلطة الفلسطينية في العام 1993، بسبب احتدام الصراع الحزبي. ولا أدل على ذلك من مضمون خطاب الجانبين فتح وحماس. وهو ما لوحظ في الآونة الأخيرة نتيجة الفلتان الإعلامي الانفعالي والتوتيري والتأثيري لاستمالة مشاعر الجماهير، وميله للإنشائية والمبالغة والتنميق في الحديث والتصريحات النارية. كما أقحم الصحفي نفسه في الصراع وذلك بتقديم ولائه السياسي وانتمائه التنظيمي على متطلبات مهنته، مما أثر أيضا على مصداقية المؤسسة الإعلامية في الحصول على المعلومة ونشرها من أجل تداولها وتشكيل وعي وطني ومسوؤل لدى الرأي العام الذي يكثر من استعمالها حسب السياسات المرسومة للجهات الإعلامية، باستخدام المصطلحات التحريضية المنافية للقيم المهنية التي وصلت الى حد شن حرب التشهير والتخوين والتكفير لتذكي نار الفتنة وتضرب الوحدة الوطنية. كما ان لهذه الحرب مدلولات سياسية كارثية تتعلق بصورة الشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، فظهرت لدينا أفعال ومصطلحات جديدة ومظاهر أخطرها طغيان المليشيات التي أصبحت تقاسم الإعلام الفلسطيني. ومنها على سبيل المثال: التحريض على زعماء ورموز الشعب الفلسطيني المناضلين من تشويه وقذف وحرق وتصويرهم بكل الصفات والمواصفات السيئة. وبكل أسف فإن الإعلام الفلسطيني بوسائله الثلاثة المرئية والمسموعة والمقروءة أسهم في لعب هذا الدور عندما فتح الهواء لكل من هب ودب ليشارك في تأجيج نار الخلافات وتسفيه الآخر تحت ستار الحرية الإعلامية التي يرتكب باسمها اليوم أبشع الجرائم والخطابات. فانهمرت المصطلحات والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان لتستهدف التشويش على العقلية الفلسطينية. وقد مس هذا المضمون الإعلامي بشكل واضح بالوضع النفسي للفلسطينيين وصورتهم أمام أنفسهم في الداخل والخارج، وأمام غيرهم من الشعوب الأخرى، فأصبحت الصورة سوداء قاتمة لأناس يتصارعون على السلطة أو من أجل الدفاع عن حزبها وشرعية حكمها بالسيطرة على إقليم هنا أو هناك. وقد أراح هذا الصراع المحتل الإسرائيلي الذي عبر قادته بكل صراحة عن سرورهم الشديد لما آلت إليه الأوضاع السياسية الفلسطينية سياسياً وجغرافياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً، نتيجة الانقسام المدمر واللعين، بغرسه للثقافة، وتبديله للقيم من زعيق وصراخ وشعارات ووأد للحريات وتسفيه للرأي الآخر ومنبر لإثارة الفتن والتحريض وتأجيج نار الخلافات والترويج لمزيد من الانقسام والحقد والعنف وإطلاق شعارات تحرك الغوغاء.
ورأينا كيف أسهمت بعض الأقلام والصحف في إثارة الفتنة وإحداث الشرخ وإشعال الحرب في جسد الشعب الفلسطيني والأمة العربية وتسببت في القطيعة الداخلية. فهل نتعظ من التجارب، ونحاسب أنفسنا على كل كلمة نكتبها ونحرص على أن نحافظ على شرف مهنتنا، ونتحمل مسؤوليتنا كاملة ونكرس أقلامنا للحث على الحوار ورأب الصدع الفلسطيني باعتبار ما جرى حالة زائلة؟
مهما يكن، لن نحمل الإعلام الفلسطيني وزر حالة التشرذم والانفلات الإعلامي الطارئة، التي هي جزء من فوضى التصادم بين الأقطاب فهي نتاج طبيعي وأكيد للصراع الأيديولوجي والمنهجي بين الأقطاب، وهو ما ننتظر ان ينتهي في القريب العاجل بجهود الأوفياء لهذا الوطن، وبإصرار الرئيس الفلسطيني. محمد داود، كاتب وباحث