الحَوَلْ في الأحكام العلمية

بقلم: علي عمر الأخضر

في تقاليد الشعوب الراقية، حيث العراقة والعقل والمحافل العلمية، يتم اللجوء للمنطق وتغليب لغة الحقيقة في النزاعات والمحاججات. وبينما نغوص نحن في بركة من المصطلحات والمفردات المستمدة من تاريخ العراقة نفسه، ونقدم للعالم أطروحاتنا الفكرية التي ينبغي أن تستند على منظومة متكاملة من التعامل والفهم والحجج، نناقض أنفسنا في ذات الوقت ونلجأ لمخارج أقل ما توصف بأنها جاهلة كلما صادفتنا مواجهة أو رأي حتى وإن تعلق الأمر بتفسير الماء الذي لا خلاف على تركيبته ومواصفاته، تماماً مثلما يحدث من جدل غير مبرر حول خريجي أكاديمية الدراسات العليا وعدم تعيينهم في الجامعات الليبية كونهم أعضاء هيئة تدريس، وهو ما يلحق الضرر ليس بالتعليم الأهلي والنظامي القائم الآن في ليبيا فحسب بل وينسحب ليشكل عرقلة واضحة لتوجيه القائد معمر القذافي باعتماد مبدأ تملك وخصخصة البُني التعليمية وإعتماد التعليم الشعبي المملوك لإفراد من المجتمع الليبي كونه خياراً مستقبلياً في إطار توزيع الثروة وإقامة الجماهيرية الشعبية.
وبدون التجريح في أحد والتزاماً بالمصداقية، فإننا نشعر بالخجل الوطني لأن قائمة أفضل ألف جامعة في العالم لا تضم أياً من المؤسسات التعليمية الليبية، ونذهب أكثر من ذلك لنقول حتى قائمة الألفين لا تضم أياً من الجامعات الليبية، ونفاجئ الجميع بان الإجحاف في حق أكاديمية الدراسات العليا لا يمس مكانتها العلمية، ففي خبر نشر في صحيفة "اليوم الثامن" الإلكترونية منذ فترة طويلة، أن إحدى الدراسات التي أجريت في الأكاديمية العربية في القاهرة تضع أكاديمية الدراسات العليا في ليبيا في قائمة أفضل مائة مؤسسة تعليمية في إفريقيا، وللأسف لم يتم الإشارة إلى أية جامعة ليبية أخرى بل إن الدراسة تضع الأكاديمية على رأس المؤسسات التعليمية الليبية من حيث استيفاء المقاييس الأكاديمية ومستوى التحصيل العلمي وقواعد النظم التعليمية في الدراسات العليا، ومن ثم يبدو أي استثناء لخريجي هذه الأكاديمية من التعيين في المؤسسات التعليمية الليبية الأخرى الأقل كفاءة هو أمر مدعاة للتساؤل وبشكل ملح: لماذا لا يتم تعيين خريجي الأكاديمية؟ ولماذا يتم إستبعادهم من قرارات التعيين؟ وهل هناك رأي لا نعرفه أو حجة خافية تحول دون إتمام تعيين هؤلاء الخريجين؟
الإجابة لا تحتاج إلى كثير عناء لكنها ستريحنا وتجعلنا نبعد مسائل تراثية كالخوف من النجاح والتفوق، ومع كامل تقديرنا للجهود المضنية والحرص على ديناميكية العملية التعليمية والإرتقاء بها داخل ليبيا وإدخال أساليب متجددة في العمل، إلا أننا لا نملك إلا التساؤلات الكثيرة عن إقصاء خريجي الأكاديمية المتقدمين للتعيين كأعضاء هيئة تدريس بالجامعات، رغم موافقة الجامعات على تعيينهم وإعلانها عن حاجاتها الماسة لهم.
إن هذا الإجراء يطرح إشكالية قانونية وهي: ما هي المبررات القانونية لمثل هذا الإجراء في ظل استناد الأكاديمية على قرار من اللجنة الشعبية العامة يفيد بكونها أحدى المؤسسات التعليمية الخاضعة للقوانين الليبية مثلها مثل أي مؤسسة تعليمية أخرى؟ وهو ما يضع حرجاً بالغاً لكون هذا الإجـراء قد يفسـر على أنه إعتراض على قرار اللجنة الشعبية العامة أو تشكيلها متأخراً فيه. وهذا ما يقودنا إلى طرح سؤال أخر وهو: ما هي المعايير التي يتم بها تعيين أعضاء هيئة تدريس من خريجي بعض الجامعات غير المعروفة وخريجي جامعات من دول أوروبا الشرقية لم يدرسوا بلغات تلك الدول ولم يدرسوا باللغة الإنجليزية؟ وهو أمر عصى على الفهم.
إنه من المؤسف أن يعترف العديد من الهيئات الأممية والعربية كالمجلس الأعلى للجامعات في مصر واليونسكو وغيرهما بأكاديمية الدراسات العليا في الجماهيرية، في الوقت الذي لا يتم فيه قبول خريجي هذه الأكاديمية ومنحهم حقهم في العمل والعطاء من أجل مُلاحقة موكب التطور العلمي والتعليمي في العالم.
إننا وفي هذا السياق ينبغي أن نوضح عدداً من النقاط:
أولاً: إن مشروع أكاديمية الدراسات العليا.. هذا المشروع المتقدم، أقيم بالجهود الذاتية وبمباركة ثورية وقائمة على المبادرات والمبادآت الخلاقة وهو ما ينبغي تشجيعه والوقوف خلفه لا أمامه ومساندته لا معارضته.
ثانياً: إن الهدف من إقامة هذا الصرح العلمي مشكلة يعاني منها المجتمع وتتعلق بعدم توفر مؤسسات في الداخل تمنح شهادات ودراسات عليا متنوعة، والمساهمة في تخفيف العبء على المجتمع في الدراسات العليا وتخفيف المصاريف والنفقات المالية التي تذهب للخارج وتستفيد منها جامعات أجنبية.
ثالثاً: إن الأكاديمية تشكل بيت خبرة متنوعة لصالح المجتمع، فهي لا تخلو من الندوات والمؤتمرات العلمية (وطاولات الحوار) حول القوانين واللوائح والنظم ليس بهدف صياغتها، فتلك مهمة المؤتمرات الشعبية، بل من أجل إثراء الفهم ودراسة ما يتعلق بها وبتفعيلها، مما يشكل رافداً مهماً يؤازر المؤتمرات الشعبية ويدفع بقراراته وقوانينه إلى دوائر الضوء والحدث والتوضيح، وتعمل على توطين الخبرات والمعرفة.
رابعاً: إذا كانت المشكلة تتعلق بالشخوص والأفراد فمن المفترض ألا يتعرض مثل هذا الصرح العلمي للهدم من أجل التشويش أو مضايقة الشخصنة بل يتم اللجوء إلى المحاججة القانونية، ولا يتم إستهداف الأكاديمية حتى ولو كان ذلك على حساب مئات الخرجين من أبناء الوطن، ممن دفعوا ثمناً مادياً ومعنوياً وضحّوا بوقتهم وجهدهم في التحصيل العلمي وولوج المراتب العليا فيه، ويبقى السؤال المهم: لماذا تحرم الأكاديمية من حقها الطبيعي في المعاملة بالمثل، مثلها مثل أي مؤسسة علمية ليبية خصوصاً وأن طاقمها العلمي مكون من أفضل الأساتذة؟ وبالمناسبة فإن الأساتذة الذين يدرّسون فيها هم من أهم وأفضل الأساتذة الجامعيين في الجماهيرية، وقد سبق لصحيفة "الزحف الأخضر" أن طرحت هذا الموضوع سابقاً بحثاً عن الحقيقة وسعياً لدعم المؤسسات الناجحة والمتقدمة سواء العلمية أو الثقافية أو الصحيفة أو غيرها خدمة للصالح العام وخدمة للنجاح مهما كانت صوره وأشكاله، ومحاربة لأعداء النجاح. علي عمر الأخضر، الزحف الأخضر