عباس وبوش والوضع الفلسطيني الراهن

بقلم: نقولا ناصر

يعجب المراقب لماذا لم يعرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن خيبة الامل من خطاب نظيره الاميركي جورج دبليو. بوش امام الجمعية العامة للامم المتحدة يوم الثلاثاء الماضي عندما تكرم عليه بستة عشر كلمة (منها ثلاثة ضمائر تعود على اسماء من تلك الكلمات الست وستة احرف عطف وال تعريف) في خطاب من 2880 كلمة تقريبا، اذ ان اشارة بوش نصا الى "شعب الاراضي الفلسطينية، الذي يستحق دولة حرة مسالمة خاصة به" دون ان يردف ذلك باي اشارة الى "انهاء الاحتلال الاسرائيلي" ليس له الا تفسير واحد وهو ان ما كان يسعى اليه الشريك الاميركي المنتهية ولايته للرئيس عباس في عملية السلام لم يكن يزيد على مشروع "دولة داخل دولة الاحتلال"، دولة ليست للشعب الفلسطيني بل فقط لـ"شعب الاراضي الفلسطينية" التي عجز بوش ومن كتب خطابه له عن وصف الاراضي ب"المحتلة" ووصف الدولة بـ"المستقلة" او "المتصلة جغرافيا" او "ذات السيادة"!

لقد كانت هذه الاشارة العابرة الواضحة في مراميها في خطاب بوش كافية لمحو الخط الرفيع الفاصل بين الوهم وبين الامل الذي ما زال الرئيس عباس يعقده على "رؤية" بوش لحل الدولتين لكي يواصل ارتهان القرار الوطني ل"وعد" بوش بتحقيق رؤيته، وكانت ايضا اشارة كافية للاستنتاج بان ما استنكف بوش عن الزام بلاده به علنا امام المنتدى الدولي الارفع مستوى سيجرد اية وعود كان سيجددها بوش لعباس في اجتماعهما الخاص يوم الخامس والعشرين من الشهر الجاري وراء الابواب المغلقة للبيت الابيض من اية مصداقية.

وبالتالي كان الاجدى للرئيس الفلسطيني لو انه الغى قمته مع نظيره الاميركي يوم الخميس الماضي وفجر خيبة امله المكبوته غضبا من فوق منصة الامم المتحدة، ليعلن للمجتمع الدولي وقف اية مفاوضات لاحقة برعاية اميركية خارج اطار المنظمة الدولية وقراراتها، وليكر عائدا الى ارض الوطن المحتل ليعلن لشعبه الفشل الذريع للرعاية الاميركية لعملية السلام، وليفتح كل الابواب على مصاريعها امام الحوار الوطني، ويسقط كل الشروط التي كان يمليها "الفيتو" الاميركي على هذا الحوار، لينفتح الطريق ممهدا تماما امام الوحدة الوطنية وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية واجراء مراجعة شاملة لاستراتيجية التفاوض ومسارها العقيم، باعتبار السير في هذا الطريق سيقود حتما الى توحيد الشرعية الفلسطينية والتمهيد للتوافق الوطني على اجراء الانتخابات تحت الاحتلال، طبعا اذا كان الاحتلال سيوافق على اجرائها في ظل أي مستجدات كهذه. غير ان كل هذه الاستحقاقات الوطنية ما هي الا "اضغاث احلام" تراود المعارضة الفلسطينية بالنسبة للرئاسة وفريقها المفاوض، فالمتابع الفلسطيني لم ينس بعد تصريح الرئيس عباس لصحيفة هارتس في العاشر من الشهر الجاري بانه سيوقع اتفاق اوسلو اليوم لو لم يكن قد وقعه عام 1993 وبانه ما زال مستعدا للمخاطرة بحياته من اجل السلام، فقد كان للتفاوض انجازاته!؟

اذ يوجد للشعب الفلسطيني في الوضع الراهن ممثل شرعي وحيد معترف به اميركيا واسرائيليا وله رئاسة وحكومة ووزراء وجيشا وشرطة واجهزة امن وبرلمانا واحزابا و"مجتمعا مدنيا" وعضوية في الامم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وحركة عدم الانحياز وسفراء في اكثر من مائة وستين دولة وهو يمارس حياة ديموقراطية وانتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية هي مثار حسد كثير من الشعوب وبخاصة "الشقيقة" ولا تترك علاقاته الدولية الواسعة لرئيسه ورئيس وزرائه وقتا للراحة فهما اما على سفر دائم او ضحايا البروتوكل الممل المرهق لاستقبال الضيوف الاجانب حد الا يسمح جدول اعمالهما المزدحم الا بالقليل من الوقت للقاءات "الوطنية" بحيث اصبح حتى السفير الفلسطيني العائد الى ارض الوطن لهذا السبب او ذاك بحاجة الى "موعد" ينسقه مع كبار مساعديهما لاستقباله، كما اشتكى احد السفراء لهذا الكاتب وهو "يترحم" على عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.

ويتباهى المفاوض الفلسطيني بهذا الوضع الراهن باعتباره "انجازا تاريخيا" حقق بالتفاوض ما عجزت المقاومة عن تحقيقه ولا ينتقص من الصورة الوردية لهذا الوضع سوى كونه وضعا يمتلك كل مقومات "الدولة " الا اسمها وسوى كونه وضعا ما زال "تحت الاحتلال"، وهذا هو المسوغ الذي يسوقه المفاوض لمواصلة التفاوض، موحيا ان انهاء الاحتلال والوصول الى الدولة هما قاب قوسين او ادنى، وان مفتاح النجاح لهذه العملية يكمن في استمرار "الاشتباك التفاوضي" من اجل "انتزاع" موافقة دولة الاحتلال على قيام هذه الدولة، ولا ضير في ان يبقى المفاوض و"انجازاته" بحماية قوات الاحتلال حتى ذلك الحين!

لكن هذه الصورة الوردية التي يرسمها المفاوض تمزقها عناوين الحقائق القاسية للوضع الراهن على الارض التي ترسم صورة مناقضة تماما تفرغ تلك "الانجازات" من أي مضمون حقيقي وتحولها الى هياكل كرتونية او رسم على الورق لاحلام وطنية، فعلى سبيل المثال قاد الاستعمار الاستيطاني اليهودي الى محو خط هدنة عام 1949 الفاصل بين دولة الاحتلال الاسرائيلي وبين الضفة الغربية التي احتلتها عام 1967، وهو الحد الغربي الذي كان مفترضا للدولة الموعودة الذي انساق المفاوض مع اطلاق الاحتلال اسم "الخط الاخضر" عليه، باعتباره ضوءا اخضر لعبور الاستيطان والمستوطنين، وكان الاحرى بهذا المفاوض ان يسميه "الخط الاحمر" ويلتزم باعتباره خطا احمر فعلا يفصل بين التفاوض وبين عدم التفاوض.

ومثلما امحى "الخط الاخضر"، فان "عملية انابوليس" تكاد تمحو الان الخط الرفيع الفاصل بين "التنسيق" وبين "التعاون" الامني والسياسي بين دولة الاحتلال وبين سلطة الحكم الذاتي لان المفاوض ما زال يلتزم بهذه العملية ويصر على ارتهان القضية الوطنية على الخط الرفيع الفاصل بين وهمها الذي انقشع وبين الامال التي ما زال المفاوض يعلقها عليها بالرغم من كل الادلة المبددة لهذه الامال وبالرغم من انهيارها تفاوضا ومرجعية وحتى رموزا قيادية.

واذا كانت مكابرة المفاوض تدفعه الى الاستهتار بحجج المعارضة الوطنية له فان مكابرته هذه قد بدات بالتاكيد تضعه في حرج كبير امام دفق لا ينقطع من الادلة على انهيار حل الدولتين بسبب فقدان الاسس المادية على الارض لاقامة الدويلة الموعودة وبسبب انهيار عملية انابوليس للتفاوض على اقامتها، وهذا الحرج دفع المفاوض الى ركوب موجة الانتقادات له ولنهجه لكي يبدا في التبني المناور لبعض اطروحات المنتقدين مثل خيار الدولة الواحدة او ثنائية القومية والتهديد التكتيكي بها كخيارات استراتيجية بديلة لحل الدولتين، لكن "العدو" قبل الصديق لا ياخذ مثل هذه التهديدات على محمل الجد اكثر مما ياخذ المواطن الفلسطيني نفسه وعود مفاوضيه له على محمل الجد بسبب فقدان هذا المفاوض لمصداقيته.

وقد تلقت هذه المصداقية مؤخرا سلسلة متلاحقة من الضربات في عمق الاسس الاقتصادية التي يبني المفاوض عليها لاقامة دولته المرجوة كمشروع اقتصادي سلمي يتم التفاوض عليه يدعمه المانحون ماليا وتدعمه سياسيا اللجنة الرباعية الدولية (الامم والولايات المتحدة والاتحادان الاوروبي والروسي) التي ارتضاها المفاوض بديلا للامم المتحدة وارتضى الاملاءات الاسرايلية -- التي تبنتها هذه اللجنة كشروط مسبقة للدعمين المالي والسياسي -- بديلا للقرارات الاممية.

فيوم الخميس الماضي اصدرت احدى وعشرون منظمة دولية غير حكومية معتمدة لدى الامم المتحدة تقريرا قال ان "الرباعية الدولية" قد فشلت في تحقيق اهدافها الفلسطينية وحذر من انه "ما لم يحدث تحسن سريع وجذري فانه سيكون من الضروري التساؤل عما سيكون عليه مستقبل رباعية الشرق الاوسط" -- وهي السند الذي يستقوي المفاوض الفلسطيني به – ليضيف التقرير ان الرباعية لم تحرز "أي تقدم" او حدث "تدهور فعلي" في خمس من عشرة اهداف اوصت بها اللجنة.

وفي الخامس عشر من الشهر اصدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) تقريرا خلص الى ان السلطة الفلسطينية اذا لم تمتلك ناصية السيادة الكاملة في صنع القرار الاقتصادي فان الاقتصاد الفلسطيني لن يتعافى او يعرف نموا مستداما، حتى لو تم رفع سياسة الاغلاق والحواجز التي يفرضها الاحتلال على حرية حركة الناس والسلع وتم تفكيك جدار الضم والتوسع الذي يبنيه الاحتلال في الضفة الغربية وتم تكثيف الدعم المالي من المانحين وعملية الاصلاح المؤسسي في السلطة، فكل ذلك "ليس كافيا في حد ذاته لوضع الاقتصاد في طريق التنمية المستدامة". وقد جاء تقرير الاونكتاد قبل يومين من تقرير للبنك الدولي في السابع عشر من الشهر الى المانحين حذر من ان الفلسطينيين تحت الاحتلال يزدادون ارتهانا لكونهم عالة على المعونات الخارجية خلافا لخطة السنوات الثلاث التي تبناها المانحون في مؤتمر باريس وتعهدوا فيها بمليارات الدولارات لكي يقل اعتمادهم على المعونات الاجنبية. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com