محمود درويش: هزمتك يا موت الأغاني

بقلم: عصام الياسري
أيها الموت انتظر حتى أعود

ليّ مع درويش في الذاكرةِ ما أَعْتَزّ به، ولي مع درويش في غيابهِ ما أحملهُ. أيام ومرت علينا ذكرى أربعينيةِ رحيلهِ، نعدُها، وكلُ عامٍ من جديد سنتهيأُ لنستذكرَه، غائِباً حاضِراً، في شعرهِ ومواقفهِ وما بعد الحنين، تبقي رحلةَ كُلّ عام في أحزانِها ومروجِها وَأَصْدَائَهَا دون انقطاع.
أما أنا فتبدأُ رِحْلَة تعرفي على الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش عندما طرَأتْ لي فكرةُ إقامةِ أمسيةٍ شعريةٍ لهُ عام 1995 في برلين. يومَها ونحنُ في أَشَدّ اَلْعَزِيمَة علي ترتيبَ أمورِ اَلأمسيةِ ووصولنا مرحلةً متقدمةً فنياً وإداريا، التقيتهُ في باريس لاستعراضِ أصل الفكرةِ، وبعد تبادُلِ اَلآرَاء حول تطور المشروع وخاصةً ما يتعلقُ بالترجمةِ والمشاركين. في حينهِ كنا نحنُ الاثنين لم نَقْلَع عن التدخين بعد ولم نترك أي فرصةٍ للتمتع بهذه العادةِ القبيحةِ. وبين رِزْمَةً من خيوطِ الدخان المنتشرةِ في صالة المقهى الباريسي، تبادَلنا الآراءَ والاستفسارات، وفي وقتٍ متأخرٍ تركنا بعضَنا ليذهبَ كُلِّ منا في طريقهِ للراحةِ قبلَ اَلسَّفَر، هو إلي عمان وأنا إلي برلين.
انتهي اللقاءُ بيننا دافئاً على أن نبقى على اتصال إلى حينَ الأمسيةِ. وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 1995 جاءَ درويش برلين ودخل الصالةَ الرئيسيةَ للاحتفالاتِ في دار ثقافات العالم وسطَ ترحيبٍ كبيرٍ من قبلِ الجمهور الذي اكتظت بهِ القاعةُ للاستمتاع بأمسيتهِ الرائعةِ.
مضي علي تلك الأمسيةِ وقتٌ طويل، تكررتْ بعدها فيما بيننا الاتصالاتُ الهاتفيةُ وكنا نتحدثُ في أمورٍ كثيرةٍ منها السياسيةُ والثقافيةُ. وكنتُ ألتقيهِ بين اَلْفَيْنَة والأخرى عن طريق اَلصُّدْفَة أو في مناسباتٍ داخل ألمانيا وخارجِها، في باريس وعمان وبيروت والقاهرة وبرلين وفرانكفورت، وكنا كلما التقينا نتحاورُ ونستذكرُ الكثيرَ مما يجمَعُنا حتى تلك الأمسيةُ التي كان يقولُ عنها دائماً بين جمعٍ من الأصدقاءِ بأنها من أجملِ وأروعِ ما أُقيمَ لهُ، ولا أنسي ذلك الحِوارُ المُمْتِعُ الذي دارَ بَيْننَا في الهيلتون علي هَامِش معرّض الكِتابَ الدولي في القاهرة. حاضِراً بَيْننَا كان الشاعِر العراقي سعدي يوسف والكاتب المصري رَفَعْت سلام والشاعِر العراقي الراحِل عبدالوهاب البياتي. وكانَ نقاشاً جاداً في همومَ اَلسِّيَاسَة في فلسطين والعراق.
كان عبدالوهاب البياتي يتنبأُ هو الآخر بموعِدَ رَحِيله المفاجئ، كما كانت هِيَ آخِرَ فرصَةٍ لي لإجراءَ مقابلةٍ مع البياتي، لَمْ تكُن في اَلشِّعْر أو الأدَبِ أو ما هو مُرْتَجي يُبحَثُ عنْهُ في سوقَ اَلثَّقَافَةِ بقَدَرِ ما هو حِوَارٌ مُلِحٍّ في الشأنَ اَلسِّيَاسِيّ العراقي، وَبِالتَّأْكِيدِ كانَّ لا يَخْلو من نقدٍ لِلْمُثَقَّفِ ودَورِهِ في المُجتَمَعِ، لكنّني لم أنشُرَها بسبَبَ وفاتِهِ سيما وأنني كُنتُ قد خالفتهُ في بعض الآراءِ. شاعر الفنَِّ والأرضِ يزعمُ البعضُ بأنَّ قصيدةَ درويش "جدارية" التي يقول فيها "أيُهّا الموتُ انتظر حتى أعودَ" هي آخر قصيدةٍ طويلةٍ له قبل العملية الأخيرة، ولعلَّ الملفتَ في جدارية محمود درويش، بأنّهُ ولأوّلِ مرّةٍ تحدّي الموتَ وحاورَهُ وانتصرَ عليه حينما اعتبرَ أنَّ الفنَ بمضامينهِ الراقيةَِ من شعرٍ وأدبٍ وفنونٍ يُمْكنُ له أنْ يُهزِمَ الموتَ بجدارةٍ، وبلغ به هذا التحدّي حدَ المواجهةِ: هَزَمَتك يا موتُ الفنونُ جميعُها
هَزَمَتك يا موتُ الأغاني في بلادِ الرافدينِ
مسلَّةُ المصري، مقبرةُ الفراعنةَِ
النقوشُ على حجارةِ معبدٍ هَزَمَتك
وانتصَرتْ وأفْلتَ من كمائِنِكَ الخلودُ
فاصنعْ بنا، واصنع بنفسِك ما تُريدُ، هزَمَتكَ يا موتُ،
لكنَّ "جدارية" درويش هذه لم تَكُنْ فعلاً هي آخرُ قصائدهِ كما وردَ في كتاباتٍ كثيرةٍ، متقاربةٍ، نُشرت بعد موتهِ، تتناولُ هذه المسألة، منها مقالةُ الكاتِب الفلسطيني أمجد ناصر التي سلّطَ الضوءَ فيها علي قصيدة الوداع "لاعب النرد" وما أثارتْ من جدلٍ وتساؤلاتٍ بين الأوساط الثقافية قبل دخوله المستشفي بأيام.. جاء فيها:
"سؤالي الأخرقُ عن تاريخ "لاعب النرد" كاد أن يقطعَ حبلاً بدأ يمتدُ بيننا، بقوةٍ، لأولِّ مرةٍ. قلتَ لي إنك كتبتَ "لاعب النرد" ثلاثةََ أوْ أربعةََ شهورٍ قبل قصيدةِ النكبة. لا أعرفُ إن كان ذلك صحيحاً، فأنتَ لا تُذيّلُ قصائِدُكَ بتاريخٍ أو مكانْ. الآن أشكُ في التاريخِ الذي أردتَ تضليلي به، خصوصاً عندما أخبرني (خيري) أنه لم يعلم بوجودِها، وأكثر عندما فوجئ بها (صبحي) منشورةً، وتسلّمَها (غسان) قبل ساعاتٍ من دفْعِها إلي الطبعِ. هؤلاء يطِلّونَ، عادةً، علي البروفاتِ الأخيرة لقصائِدَُكَ. ليس هُناك شاهدٌ على ولادةِ قصيدةِ الوداعِ هذهِ إلاَّكَ. أنت وَحْدَك مَنْ وَضَعَها في بيتٍ لا يُسمعُ فيه تنقلُّ قدمٍ واحدةٍ. لم يكن لدى لاعب النرد سوى لاعبِ النرْدِ نفْسَهُ. لم يَسمعْ أحد تلك الرميةََ الأخيرةَ إلاَّ من رماها."
إذن أستطيعُ أنْ أجزمَ بعد تحرٍّ لهذه الاستعراضاتِ بأنَّ "لاعِبَ النرْدِ" آخِرُ قصيدةٍ طويلةٍ كتبها الشاعرُ محمود درويش وليس قصيدة "جدارية" الطويلة.
في هذهِ القصيدةِ وأعني بها "لاعب النرد"، شأن قصائِدِه في المرحلةِ الأخيرةِ ولاسيما جدارية، يستشرفُ درويش بصوفيةٍ غنائيةٍ محلقةٍ ووجدٍ إنساني عميق نهاية الرحلةِ المحفوفةِ بالمخاطرَ والصدفِ، تماماً مثل رميةِ نردٍ عابرةٍ. كل ذلك أبدعَهُ الشاعر الفلسطيني العربي المقاومُ للاحتلال الإسرائيلي عَبْرَ شاعريةٍ متدفقةٍ عذبةٍ رغْمَ الشعورِ بوطئةِ العدمِ وحصارِهِ.
وقَدْ ألقي محمود درويش القصيدةَ في يوليو/تموز الماضي برام الله. ويبدو من ما تحملهُ من خلجاتٍ وإيحاءاتٍ رمزيةٍ ذات مغزى، وكأنه كان يريدَُ أنْ يُدْلي باعترافٍ ملحميٍّ مباشرٍ، يعلنُ فيه صرخةَ تحدٍ للموتِ، والكشفَ بشكلٍ غير مسبوقٍ عن أهميةِ إعلانِ تواضُعِهِ:
ومن حُسْنِ حظِّيَ أَنّي أنامُ وحيداً
فأصْغي إلي جسدي
وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشافِ الألمْ
فأنادي الطبيبَ، قُبَيل الوفاةِ، بعَشْرِ دقائقَ
عشر دقائقِ تكفي لأحيا مُصَادَفَةٍ
وأُخيِّبَ ظنّ العدمَ
مَنْ أَنا لأخيِّبَ ظنَّ العدمِ؟
مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا؟
وإذا كان ثَمّةَََََ إجماعٌ فكريٌ وإعلاميٌ حولَ مآثرْ محمود درويش الشعريةِ والسياسيةِ، فالساحةُ لا تخلو أيضاً من همومٍ وإساءاتٍ إلي مبدعِينا وموروثُنا الأدبي والفكري العربي. ومما يُؤسفُ لَهُ أنَّ أصحابَ هذه الحملاتِ، لا يتجرأون الإعرابَ عن افتراءاتهم إلا بعد رحيلِ أولئكَ المبدعين، كما حصل لشاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري ولعبدالوهاب البياتي ونجيب محفوظ ونزار قباني وإدوارد سعيد وغيرهم، ثم دار الفلكُ لينالَ من محمود درويش وهو لم يُدفنْ بعْدُ، للمسِِّ من مقامِهِ الوطني والأدبي. ولا تُسْحَبُ هذه المواقفُ على أساسِ القاعدتينِ المعروفتينِ فلسفياً "سوء الفهم أو الخطأ" لأنَّ لكلٍّ منهما موازينُهُ، إنما يقعُ تحت يافطةِ العملِ المقصودِ لغاياتٍ مستهدَفََةٍ.
يقولُ الشاعرُ العراقي الصديق شوقي عبد الأمير "صَارتْ المواجهةُ بين محمود والموت يوميّة، وكان محمود يتأهبُ لذلك ولا يُبدي خوفاً ظاهراً حتى وَقَعَتْ المواجهةُ الكبرى منذ سنواتٍ بعد العملية الجراحية التي كاد أن ينتهي فيها وكانت بالفعل مواجهةً حقيقيةً بين كائنين أحدهُما يمثلُ ملاكَ الحياةِ والآخرُ ملاكَ الموتِ وقد شهدتْ قصيدتُهُ الرائعةُ (جدارية) الموت ملامحَ هذه الوقيعة التي أظْهرَ فيها محمودْ عبقريتَهُ ليستْ الشعريةُ فقط إنما قدراتُهُ في المناورةِ والإقناعِ. كانت مرافعةًً نادرةً ضدَّ الموتِ علي مسرحِ جسدهِ الذي كان يذوي."
برَحيلهِ فقدنا شاعراً عربياً كبيراً، حرصَ الشاعرُ العربيَّ الكبيرُ نزار قباني في آخر مقابلةٍ أجْراها مَعَهُ قبلَ أنْ يرحلَ الكاتب السوري الصديق نوري الجراح، علي مبايعتِهِ، في ظرفٍ نحنُ بحاجةٍ إليِهِ.
ذهبَ شَوْساً، كالفينق حلّقَ، دون أن يَهزُمَ الموتَ بالخلودِ. فما يخطرُ من أمرٍ، جأشُ الشعرِ كما هو محمودُ ، أبداً، يبقي الذاكرة ويبقي هو صاحب القول المأثور: خُذوا أرضَ أُمّي بالسيفِ لكنّني
لن أوقعَ باسمي علي بيعِ شبرٍ من الشوكِ حولَ حقولِ الذَرَةْ.