انتعاش سوق الدراما العراقية!

بقلم: د. محمد فلحي
صورة لعراق قريب

أصبح شهر رمضان المبارك ظاهرة تلفزيونية عربية بامتياز، وليس مناسبة دينية لتأدية فريضة الصيام والزهد والعبادة، كما هو مفترض عند عامة المسلمين، وهذه الظاهرة استحقت تخصيص حلقة من برنامج "الاتجاه المعاكس" في قناة الجزيرة يوم الثلاثاء 9/9/2008 لمناقشة أبعاد ما سمي بـ"المونديال" الدرامي المفتوح بين المحطات التلفزيونية العربية، من أجل الاستحواذ على عقول الملايين من المشاهدين العرب وقلوبهم، وربما جيوبهم، لا أريد الخوض في هذا الطوفان البصري الرمضاني، على مساحة البث الفضائي العربي، وما يقتضيه من مناقشة مضامينه وأهدافه، بيد أنني سوف أنظر إلى هذه الظاهرة من زاوية الرؤية العراقية فقط، فقد أصبحت للمحطات الفضائية العراقية حصة لا يستهان بها من الطيف الفضائي، عبر الأقمار الاصطناعية، التي تغطي الخارطة العربية، وبخاصة عرب سات ونايل سات، وبات المشاهد العراقي والعربي يتعامل مع باقة من المحطات العراقية السياسية والدينية والثقافية المتنوعة، الحكومية والخاصة، والتي يعمل أغلبها ويبث من خارج الأرض العراقية. انتعاش سوق الدراما العراقية! إن تعدد المحطات العراقية يمثل ظاهرة جديدة تستحق الإشادة والتقدير، في عصر الفضاء المفتوح، بعد أن عاش العراق، في فترة الحكم البعثي، عدة عقود، في ظل هيمنة الخطاب الإعلامي الرسمي، واحتكار البث الإذاعي والتلفزيوني في مؤسسة بائسة، ذات اتجاه واحد، وقد جاء الانفتاح الإعلامي العراقي سريعا بعد زوال النظام الدكتاتوري، من خلال ظاهرة تعدد الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية، التي لا تخضع لأية رقابة رسمية، وهي ظاهرة نادرة في المنطقة العربية، التي ما تزال أغلب دولها تحتكر الإعلام وتستخدمه سلاحاً في قمع الإرادة الجماهيرية أو محاربة الخصوم أو تمجيد الحاكمين وتلميع صورهم!
وفي ظل هذا التنوع والتنافس التلفزيوني العراقي انتعشت سوق الإنتاج البرامجي والدرامي، في كثير من القنوات، خلال الأعوام القليلة الماضية، وراح بعضها يتسابق مع القنوات العربية في الوصول إلى المشاهدين العرب، وأشير بصفة خاصة إلى قناتي "الشرقية" و"البغدادية" اللتين لم تكشفا بوضوح عن مصادر تمويلهما وإنتاجهما الباذخ، في حين تعاني القنوات الأخرى، حتى الرسمية منها، مثل قناة "العراقية"، من قلة الإنتاج، بسبب شحة الإمكانيات المالية والتقنية والبشرية.. وهذه مجرد علامة استفهام لا أكثر، بيد أن "زبدة" هذا الأمر هي الدراما العراقية في شهر رمضان الكريم، حيث يشتد الهجوم على عقول المشاهدين، وفق ما يرى أصحاب "نظرية المؤامرة".. وأرجو أن لا أكون من بينهم! "الباشا" في "الشرقية"
كانت قناة "الشرقية" رائدة في اقتحام الفضاء العربي، باعتبارها قناة عراقية خاصة، يديرها ويشرف عليها الإعلامي المعروف سعد البزاز، ورغم مبادراتها المتميزة في الكثير من البرامج ذات الصبغة الإنسانية، فقد اتهمت، في بعض الأحيان، بالانسياق وراء موجة التحريض والعنف الطائفي، بذريعة أن خطابها الإعلامي لم يكن محايداً أو موضوعياً في مناقشة شؤون العراق الساخنة!
وفي هذا الشهر الفضيل تابعت سباق المسلسلات التلفزيونية الرمضانية- بقدر ما تسمح ظروفي الخاصة- بعين المتخصص الناقد، وليس المشاهد فحسب، وتوقفت عند عناوين بارزة من بينها مسلسل "الباشا" الذي سبقته حملة إعلانية عبر "الشرقية"، واعتبرته أضخم عمل في تاريخ الدراما التلفزيونية العراقية، وهو من تأليف فلاح شاكر وإخراج فارس طعمة التميمي، وبطولة الفنان عبدالخالق المختار الذي يقوم، بمهارة فائقة، بتمثيل شخصية السياسي العراقي الراحل "الباشا" نوري السعيد، إلى جانب حشد من الفنانين العراقيين والسوريين والمصريين المشهورين. وأستطيع أن أشير بصفة خاصة إلى الفنانة المثقفة هديل كامل التي تعود إلى التلفزيون بعد فراق عدة سنوات في دور "أم صباح زوجة السعيد"، والفنان عادل عثمان في دور "جعفر العسكري" والفنان كريم محسن في دور"عبد المحسن السعدون" والفنان الشاب محمد هاشم في دور "ياسين الهاشمي"، ومن سوريا يستضيف المسلسل الفنان باسم قهار الذي تقمص شخصية الملك فيصل، بشكل يدعو للإعجاب، والفنان عدنان أبو الشامات في دور السير بيرسي كوكس "المندوب السامي البريطاني" والفنانة المتألقة لورا أبو أسعد في دور "مس بيل"، وأود أن أقول لها لو كانت سكرتيرة المندوب السامي تمتلك عشرة بالمائة من بهاء ملامحك الرقيقة وإطلالتك الجميلة لما جاءت إلى العراق مجندة مع الحملة العسكرية البريطانية! ملامح نوري السعيد لا تكمن أهمية هذا المسلسل في ضخامة الإنتاج وخبرة الفنانين المشاركين فيه فحسب، بل في جرأته في فتح ملف خطير من تاريخ العراق الحديث، يتمثل في ظروف خروج العراق من الاحتلال البريطاني المباشر وقيام النظام الملكي بزعامة فيصل بن الحسين، حيث أسهمت شخصية العسكري والسياسي العراقي البارز نوري السعيد في صناعة تاريخ تلك المرحلة المفصلية في حياة الشعب العراقي، طوال نحو أربعة عقود، من حكم الأسرة الهاشمية، حتى وصلت إلى تلك النهاية المأساوية المفجعة صبيحة يوم14/7/1958 على يد مجموعة من الضباط العسكريين.
وعند متابعتي للحلقات العشر الأول من المسلسل، أثار إعجابي حرص الكاتب على عدم اللجوء إلى المبالغة أو المدح أو القدح في رسم ملامح نوري السعيد، الشخصية المحورية في هذا العمل، فضلاً عن الشخصيات المهمة الأخرى، ومحاولة رسم ملامح إنسانية صادقة، لتلك الشخصيات، التي عاشت ضمن ظروف معقدة، وقد أخطأت وأصابت في سلوكها، وفي قراراتها، وفقاً لظروف تلك المرحلة العصيبة، ومن ثم التخلص من النظرة المنحازة التي تعتمد على التخوين أو التبجيل، عند ذكر أسماء الكثير من السياسيين العراقيين، حسب قُربهم أو بُعدهم من المصلحة الوطنية العراقية.
يعتمد البناء الدرامي لهذا المسلسل على عدة خطوط متوازية من الشخصيات والأحداث التي تمتد من بداية العشرينيات من القرن الماضي حتى صيف عام 1958، ويتمثل المحور الأول في شخصية الملك فيصل ووريثه على عرش العراق الملك غازي وحفيده الملك فيصل الثاني ونوري السعيد وجعفر العسكري والمندوب السامي البريطاني وسكرتيرته المس بيل وغيرهم من رجال ونساء تلك المرحلة، الذين كانوا يسهمون في صناعة القرارات السياسية ويتحكمون في مصير العباد والبلاد، من خلال مناصبهم الرسمية أو زعامتهم الاجتماعية أو شعبيتهم الدينية، وتبرز من خلال هذا المحور ظروف الصراع السياسي الذي كان محتدماً بين إرادة الاحتلال البريطاني، وبين رغبات أبناء العراق، من أجل الحصول على السيادة والاستقلال، بأسرع وقت، وبأقل قدر من الخسائر والتضحيات، وأعتقد أن قيمة العمل بأكمله ترتبط في التماهي المقصود والإسقاط الذكي الذي حققه الكاتب، بين ظروف الأمس واليوم، رغم الفاصل الزمني الذي يصل إلى قرن من الزمان، فما أشبه الليلة بالبارحة، يا عراق...!؟
أما الخطوط الأخرى الموازية للمحور الرئيسي فقد تجسدت في شخصيات وأحداث ثانوية، ذات طابع إنساني صرف، رغم تأثرها بالقضايا السياسية وارتباطها بها، مثل شخصية المرأة العراقية القوية "أم أكرم" التي مثلتها باقتدار الفنانة آسيا كمال،وكانت تلك المرأة-حسب المسلسل- تدير في بغداد "أوتيلا" صغيرا أصبح في قلب الحدث السياسي باعتباره ملتقى لشخصيات سياسية وصحفية وطنية عراقية.
والخط الآخر يبدو طريفاً، من خلال أداء الفنان الفكاهي ناهي مهدي، وهو يدور حول شخصية النجار البغدادي الذي كان يعاني من الفقر، ويرد بقسوة على تهكم زوجته، ثم أصبح ثرياً بعد أن صنع العرش الملكي، ومن بعدها صار نجاراً معتمداً لدى العائلة المالكة وحاشيتها، ومن ضمنهم نوري السعيد نفسه، وهو محور يبدو، من الناحية الموضوعية، مفتعلاً ومحشوراً، إذا ما قارناه مع خط آخر أكثر طرافة، وأكثر ارتباطاً بجوهر العمل الفني، يتمثل في شخصية البغدادي إبراهيم عرب،الذي يروي حكايات سياسية خيالية، لا تخلو من روح السخرية اللاذعة من الأوضاع التي كانت سائدة في تلك الفترة، يسيطر من خلالها ذلك "القصخون" على قلوب المستمعين في مقهاه الشعبي، عبر دور متميز يؤديه الفنان مكي عواد ببراعته وموهبته الطبيعية الفذة.
وهناك أدوار ثانوية كثيرة أخرى، حاول المؤلف من خلالها إضفاء أجواء بغدادية طبيعية على مشاهد المسلسل، لكنها لم تكن مندمجة كلياً في خلطة العمل، وقد لاحظت أن "المشاهد الداخلية" ذات الديكورات البسيطة، التي تضم شخصيات قليلة عادة، كانت أكثر إقناعا من المشاهد الخارجية التي تضم عددا كبيراً من الكومبارس لكن حركاتهم المفتعلة وملامحهم المصطنعة جعلتهم يظهرون كأنهم تماثيل من الشمع وليس جمهوراً في الشارع.
إن هذه المحاور تلتف على بعضها في جديلة فنية، من خلال لغة حوار راقية، يشتبك فيها الموضوع السياسي بسلاسة مع العناصر الاجتماعية والثقافية والدينية التي تكوّن نسيج المجتمع العراقي، وتضفي على سلوك الشخصيات وتطورات الأحداث الكثير من الواقعية والمصداقية، رغم أن هذا العمل الدرامي التاريخي لا يزعم الحرص التام على المضمون الوثائقي! إعادة سرد تاريخ قريب إن المؤلف يريد، بكل وضوح، من خلال هذا المسلسل، أن يعيد سرد تاريخ مرحلة مهمة من تاريخ العراق، عبر تسليط الضوء على شخصية نوري السعيد، لتميزه من بين جميع الشخصيات السياسية في العهد الملكي بعدة صفات معروفة، لعل في مقدمتها الدهاء في لعبة السياسة المعقدة، مما جعله الشخصية المحورية الأكثر تأثيراً في صناعة الأحداث، ومن ثم، فقد تعددت وجهات النظر والمواقف حول سلوكه السياسي، سواء خلال حياته أم بعد وفاته، ولا أعتقد أن قناة "الشرقية" سوف تنجو من تهمة محاولة تبييض صفحات ملف تلك الشخصية العراقية، التي طالما تلطخت سيرتها بدماء وغبار ودخان نحو قرن من الحروب والاحتلالات والصراعات السياسية، وإذ ما يزال الغموض يحيط بالكثير من شخصيات وأحداث تلك المرحلة، فما أحوجنا اليوم إلى قراءة متأنية وعاقلة لتاريخنا القريب، بدلاً من الخضوع لأشباح الماضي البعيد!
لا أريد أن أبدو مجاملاً ، ولكن لابد من القول أخيراً، أن البطل الحقيقي في هذا المسلسل هو الكاتب والمؤلف فلاح شاكر، الذي قدم في زحام الدراما الرمضانية عملاً جاداً ورصيناً ومفيداً، لا يقل قيمة وإبهاراً عن العمل التاريخي المصري الضخم الذي تناول شخصية الملك فاروق وبثته قناة MBC في العام الماضي، وأتمنى أن يكون هذا المؤلف العراقي المبدع قدوة لزملائه الذين استرخصوا أذواق الناس الصائمين واستفزوا مشاعرهم في برامج تافهة مثل "أبو حقي" أو "نجوم الظهر" أو "صندقجة" وغيرها من الخلطة السحرية التي لا يعرف محتواها إلا "البزاز" والراسخون في الفن.. اللهم إني صائم!
[ملاحظة: في مقال آخر مقبل-إن شاء الله- وقفة مع مسلسل "سنوات النار" من قناة "البغدادية"] د. محمد فلحي Mfalhy2002@yahoo.com