البطولة في التراث الشعبي

بقلم: السيد نجم
انتساب أبطال السير إلى أكثر من قطر عربي

لعل أقدم الأساطير التي صنعها الإنسان، كانت حول تفسير ظاهرة النور والظلام على الأرض. فالأرض الأم متزوجة من السماء، وكانتا ملتصقتين، فكان الظلام يسود العالم. ثم أنجبت الأرض أولادها، وقد اختنقوا بينها وبين السماء، فكانت فكرتهم للخلاص، وانفصلت الأرض عن السماء، وعم الضياء الكون (وهم الشمس والقمر والنجوم). ثم كانت أساطير تفسر ظاهرتي الحياة والموت على الأرض.
وتوالت تلك الأساطير التي تناقش الظواهر الثنائية "الخصب والجدب"، "الحياة والموت"، "الخير والشر". وعندما بدأ يشعر الإنسان بأنه مسئول عن حياته، غير معتمد على القوى الغيبية، أصبح مسئولا عن صنع تاريخه. وبدأ يعبر عن ذاته البطولية، فكانت نشأة القصص الشعبي البطولي.
* "ذات الهمة" عدو على الحدود وداخلها. زمن القصة فترة مطلع القرن الثاني الهجري (بداية الحكم العباسي). وهى الفترة التي شهدت تغيرات اجتماعية عديدة، بسبب الاختلاط بالأجناس غير العربية، والازدهار المادي والثقافي. مما نتج عنه تضاؤل دور العربي أو وجوده في مقابل غير العربي، وهو مبعث البحث الجمعي عن بطل عربي، يلعب دوره في الربط بين القديم والجديد، أي المحافظة على جوهر الذات العربية.
وتعتبر سيرة "ذات الهمة" المعبرة عن تلك التحولات والمحاولات. نعم، فقد ولدت بمعجزة (كحال كل الأبطال الأسطوريين). وبدأت أعمالها برفض زوجها من ابن عمها، فهي ترى في عمها وابنه نموذجا للقديم. فلما تزوجها ابن عمها غدرا، صبرت حتى أنجبت "عبدالوهاب"، ومع بعض الأبطال رحلت إلى منطقة الثغور (بين الإمبراطورية البيزنطية والأمة الإسلامية)، وهناك شكلت جيشا، هو الشوكة في ظهر العدو.
سرعان ما اكتشفت أن العدو، ليس هو الخارجي وحده. هناك عدو داخلي، يتمثل في القاضي "عقبة"، لما له من سلطان وتأثير. بل كان منافقا ويعمل لحساب الأعداء!
وبمتابعة "عقبة" تأكد الظن أنه خائن إذن، إلا أن الخلفاء لا يتخذون معه الإجراء الواجب. ربما بسبب الخوف من الإعلان على الملأ أن قاضى القضاة خائن!.. أو بسبب يخشون سطوة قبيلة "بني سليم" التي ينتسب إليها "عقبة"!
اختارت الذهنية الشعبية الخليفة "المعتصم بالله" لأن يكون الخليفة الوحيد الذي تصدى للقاضي. ربما بسبب الحقيقة التاريخية من أن المعتصم هو الذي هاجم البيزنطيين ودخل عمورية.
فيما أكدت سيرة "ذات الهمة" أن المعتصم، عبر حدود البيزنطيين، ودخل أراضيها حتى وصل إلى القسطنطينية (وهو ما يحدث تاريخيا). كما أنه تيقن من خيانة "عقبة" قاضى القضاة، فأمر بحبسه. وربطت السيرة بين فتح القسطنطينية، ومعاقبة "عقبة". فقد علقت رقبة الخائن "عقبة" على أبواب القسطنطينية بأمر من الخليفة. بل صلب القاضي المنافق، تنفيذا لرؤيا رآها "عبد الوهاب" بأن أمره الرسول (ص) أن يفعل ذلك فور دخوله المدينة الكبيرة فاتحا.
وبذلك تشير السيرة إلى أن الأمة الإسلامية تنتصر وتستقر، بالقضاء على العدو الخارجي والعدو الداخلي معا. لذا كانت فرحة المسلمين عظيمة، وصاحوا بعد صلب عقبة يرددون:
"وقل جاء الحق وذهب الباطل، إن الباطل كان زهوقا."
***
* سيرة "علي الزيبق", سيرة مختلفة. يطلقون عليها سيرة أشطر الشطار في التراث الشعبي العربي, وتعتبر أهم وثيقة فنية شعبية تعبيرا عن رفض ظلم الحكم العثماني. تنوعت الآراء حول "علي الزيبق" وزملائه. قال البعض إنها من خلق الخيال الشعبي, وأكد البعض بواقعية الشخصيات.
عموما شخصية "علي الزيبق" قريبة من نمط الشخصية الشعبية الواقعية: الذكاء الفطري، سرعة البديهة، البساطة والتباسط، الروح المرحة والفكهة. كما تتسم الملامح الجسمانى لـ "علي". إنه يبدو غير مفتول العضلات، لا يبدو قويا أو عنيفا، ولعل أهم ما يتسم به الذكاء واختراع الحيلة.
كان "علي" رئيس عصابة في بغداد, في القرن الخامس الهجري, والحكاية جعلت القاهرة مولده وبغداد مكان نشاطه. وتتعدد صداماته مع الكلبي. وتتعدد ملاعب أو حيل "علي" في صورة خادم مرة, وفي صورة فتاة لعوب مرة أخرى، وملاعيب أخرى. حتى يقع بسبب امرأة لعوب دسها الكلبي عليه. تبدأ ألاعيب "الزيبق" وتكثر على طول السيرة. لتصبح في النهاية وثيقة احتجاج أدبية على الحكم الفاسد إبان الاحتلال العثماني للمنطقة.
وتعد تلك السيرة آخر السير ذات الأصل التاريخي, بعد عنترة والسيرة الهلالية والظاهر بيبرس والسيد أحمد البدوي. أما ما جاء بعدها فقد غلب عليها الخيال الفني وإبداع الوجدان الشعبي.
***
* سيرة "أدهم الشرقاوي"، من تلك السير الشائعة بعد "علي الزيبق" كانت "ابن عروس", "ياسين", "متولي", "أدهم الشرقاوي".
تطرح تلك السيرة قضية الثأر في السيرة الشعبية. فأدهم في نظر القانون مجرم, إلا أن الوجدان الشعبي تعاطف معه, وفي الواقع دفع الأهالي مئة جنية وتبدل حكم الإعدام إلى السجن ست سنوات.
تتسم هذه السيرة بالبطل الفرد, فلا غير أدهم شخصية محورية أو بطلة, بعكس سير "حسن ونعيمة", "ياسين وبهية", "عزيزة ويونس" وغيرها.
ولد "أدهم عبد الحليم عبد الرحمن الشرقاوي" عام 1898 في قرية تابعة لمركز "إيتاى البارود", والده من الأغنياء وكذلك بقية أفراد العائلة. قتل في عام 1921 عن عمر ثلاث وعشرين سنة.
لسنا بصدد تفاصيل السيرة المعروفة, فقط الملاحظ الأكيد أن الرواية الرسمية تخالف الرواية الشعبية. فور أن عرف بمقتل عمه وجه الاتهام إلى الحكومة, لتبدأ الصيغة الشعبية بتحدي الوجدان الشعبي للحكام.
وتوالت الأحداث بالقبض عليه وقد رفع قضية الثأر ضد الحكومة, وهو ما استتبع بالهرب من السجن, وطلبت السلطة القبض عليه حيا أو ميتا. صحيح تعرف على القاتل في السجن وقتله, إلا أن ذلك لم ينه القضية. هرب من السجن وقتل صهر وزير الأوقاف, لتبدأ سلسلة من المعارك ولا تنتهي إلا بمقتل "أدهم" نفسه.
أما أن يقتله على الحقيقة جندي بوليس, وفي النص الشعبي صديق خائن. والدلالة في الحالتين واضحة. أن الرجل القاتل وهو من الشعب إلا أنه نفذ أوامر أعداء أحدهم, إنها الخيانة تستوي عندها الصديق الخائن أو رجل البوليس الخائن (من وجهة نظر الوجدان الشعبي).
***
* لعل خصائص السير الشعبية في مجملها:
ـ بروز البعد الديني.
ـ انتساب أبطال السير إلى أكثر من قطر عربي.
ـ البطل في السيرة الشعبية خارق القوة، ويملك صفات الشجاعة والإقدام أساسا.
ـ تعتبر السيرة في الصياغة الشعبية, من أهم سمات المقاومة بالمفهوم الأيديولوجي.
ولعله من لافت الانتباه أن شخصية السلطان "الظاهر بيبرس"، وحده من الشخصيات التاريخية التي تتسم بالبطولة. وقد تعاملت معه الذاكرة الشعبية وصنعوا له "سيرة", على الرغم من مكانة صلاح الدين الأيوبي وغيره. وكما كل أبطال السير، كان الظاهر بيبرس صاحب الخوارق والقوة الخارقة.
يكفى الإشارة الآن إلى أهمية دور الرجل البسيط الصعيدي والفلاح في الحفاظ على تراثه الشعبي، أما اختياراته، وأشكال أبطاله، فلا تستطيع قوة أن تفرضه عليه! (لعله يأتي من يبحث في اختيار الظاهر بيبرس دون غيره من القادة والحكام). السيد نجم abnegm@gmail.com