في ذكرى الأربعين لرحيل درويش: سامحنا يا أخانا

كتب ـ د. صلاح عودة الله
يا أخا لم تلده أمي

أبدأ مقالي هذا بروعة الدكتور مازن حمودة "محمود درويش في أول أربعين دمعة":
"سكنت عيني وأنت العين والنبع.. تذوقت نعيم قربك .. فسكنت المهج.. تربعت على ضلوع الوطن.. فأصبحت نسيجا وسياجا.. قضيت أياما ولياليَ أنقب سحرك.. في أسرار النظم .. في عقد اللؤلؤ.. فتزداد حيرتي كلما غيبني الحلم.. وجدت فيك توأم وجعي.. ومفرداتك برهمًا تسكن الألم.. غبت عنا بالرحيل.. ومازلنا نتحسس من حولنا الظل.. كلما سافرت عنا في دنياك.. على وقع اللحن.. على نبر الصوت.. نعود نلقاك على صفحات الكتب.. وكأنك عدت للتو من سفر..
أسبر الغوص في بحور الشعر.. أهيم.. أطير في فضاء الكون.. فيراودني الشوق لأقبل تراب الأرض.. كلما ألمت بنا المحن.. أزين أيام عمري بمرآة شعرك.. فيغتالني الوجد.. يأسرني الحلم.. وتلاحقني الحدود كلما هممت بالطير.. أرى في القمر وجهك.. والليل أنت بدرا حارسه.. تغطينا بعذوبة الكلمة ونبرة الصوت.. وكفى عودي ما سمعته زاداً ومشربا.
أخي أسير في الأرض شامخا بعزتي.. فأنت عزيزا.. ونحن أشبال ذاك الأسد."
***
أربعون يوما مرت على رحيل شاعر القضية الفلسطينية ومقاومتها محمود درويش. "ويا أخا لم تلده أمي يا محمود درويش". عبارة لها معناها المعبرالقوي. عبارة كررها كثيرا الشاعرالفلسطيني البارز سميح القاسم في كلمته خلال مراسم التأبين الرسمية لشاعر فلسطين الكبير محمود درويش في مقر المقاطعة في رام الله، وإليكم نصها الكامل. أنقله كاملا لأنه يتحدث عن نفسه ولا داعي للمداخلات والتوضيحات:
"الأم السيدة العمة الخالة أم أحمد.. أخوة أخوات أبناء العائلة الكريمة.. الأخ الرئيس محمود عباس.. حضرات رجال الدين الأفاضل.. القادة والمسئولين والمناضلين والمناضلات.. ضيوف محمود درويش الكرام.. أخي محمود:
بسم الله الرحمن الرحيم.. أجل {وما تدري نفس بأي أرض تموت.}. صدق الله العظيم.. واسمحوا للعربي الفلسطيني أن يضيف في فضاء الآية الكريمة "وما يدري جثمان بأي أرض يدفن."! ويا أخا لم تلده أمي يا محمود درويش؟
كان لجثمان الشاعر البارز العربي الذي هو أنت أن يطلب الراحة الأبدية في مقبرة البروة الجليلية إلى جوار الآباء والأجداد, لكن المستوطنين الأغراب الطارئين يصرون على تحويل مقبرة آبائك وأجدادك في البروة الذبيح إلى حظيرة عصرية لمواشيهم المستوردة كتاريخهم. إنهم يثأرون لأسطورتهم المنهارة تحت سماء قصيدتك الشاقة. إنهم ينتقمون لعجز أسلحتهم, أسلحة التدمير الشامل عن مواجهة قصيدتك, قصيدة الحياة الشاملة لكل البشر ولكل الشعوب تحت رايات الحرية والاستقلال والسلام والتقدم والإبداع.
ولأنك مسكون بالحنين إلى خبز أمك وقهوة أمك فأنهم مسكونون بهاجز العبثية والضمور والزوال, ولأنك مفعم بحب شجرة الخروب التي على الطريق بين البروة وعكا فإنهم ملغمون بالكراهية وبشهوة التدمير والتدمير الذاتي, لأنهم بمنتهى البساطة لا يحبون الحياة ولا يحبون السلام بقدر ما تحب أشجار الخروب والزيتون والسنديان في وطنك الذي هو وطنك.
ويا أخا لم تلده أمي: أنت تسمعني جيدا, أعرف أنك تسمعني جيدا وأنا أسمعك جيدا في بسملة الإيمان المكتمل الناجز النهائي بأن البروة والرامة والقدس وغزة وجنين ونابلس وعكا وحيفا والقدس والخليل ويافا إنما تشكل الأطراف المتقابلة والمتكاملة في معادلة الوطن الواحد, أما بشأن الدولة فالأيام دول والدول دول ولا يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والاكرام.
ويا أخا لم تلده أمي يا محمود درويش: لنا أن نعتز بالانتماء إلى شعب لا يتقاسم أرغفة الحصار فحسب بل يتقاسم قبور الشهداء والشعراء بما يقيم الدليل العفوي والقاطع على أنه شعب حضارة وإبداع وعمران, لم يكون في عقيدته وما هو في قصيدته ولن يكون في مقاومته ومساومته شعب إرهاب وتخريب وطغيان كما يدعي شهود الزور والبهتان من هواة القمع والاحتلال والجدار والعنصرية والعدوان.
ويا أخا لم تلده أمي: لك من هنا أن تتجاذب أطراف الحديث مع مفجر الثورة وقائد الشعب ومؤسس مشروع الدولة ورائد مسيرة الحرية وصديق قصيدتنا وحارس ديارنا المقدسة الشهيد (ياسر عرفات). ولك من هنا أن تتبادل وجهات النظر مع الدكتور محمود عباس (الرئيس أبو مازن) ورفاقه وأشقاء أبي عمار ورفاق دربه ورافعي راية حلمه الوطني الإنساني الجامح والجارح والصامد والصاعد. لكن صديقا عزيزا ورفيقا طيبا كان يتمنى اختراق الحالة السريالية الراهنة لمشاطرتك الحلم الممتحن والألم والأمل المشترك، إنه شهيد الغربة ابن غزة (معين بسيسو), يا شهيد الغربة وابن البروة محمود درويش, لا يستطيع معين بسبب ما هو قائم هناك, لا يستطيع عبور خط النار العبثية من غزة إلى رام الله, بمثل ما لا تسطيع أنت عبور خط النار العبثية من رام الله إلى غزة. والقدس قريبة بعيدة, والقاهرة قريبة بعيدة, وعمان قريبة بعيدة, وغزة قريبة بعيدة, ورام الله قريبة بعيدة, وإذا كانت غزة بفعل هؤلاء غير قادرة على الحلول في رام الله. وإذا كانت رام الله غير قادرة على التجسد في غزة, فمن أين لنا يا محمود, من أين لنا أن تتجلى فلسطين في فلسطين؟
ويا أخا لم تلده أمي يا محمود سليم درويش: ليس على الشعب الواحد أن يعيش بفكر واحد وأن يموت لنهج واحد, تتعدد اجتهاداته الطبيعية ويبقى موحدا إذا كان شعبا طبيعيا ككل شعوب الكون وتتنوع مذاهبه ومشاربه ويظل شعبا واحدا موحدا. ألسنا أبناء شعب واحد؟ وإن لم نكن شعبا واحدا فمن نحن إذن. هل عدنا إلى الجاهلية؟ هل مسخنا قبائل وعشائر تتخلى عن كينونتها ومصيرها لداحس والغبراء؟
سامحنا يا أخانا الذي لم تلده أمهاتنا. سامحنا عن خوفنا وضعفنا وحزننا وركاكة أيامنا. وبمثل ما عهدتك سوف تتشبث حتى الموت باليقين المثابر بأن شعبنا العربي الفلسطيني من دون شعوب الأرض قدم المنسوب الأعلى من دماء الشهداء بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا الشعب الصغير الكبير المدهش بقوة حياته وحيويته, هذا الشعب يتقن فن إدارة المفاوضات. ويتقن فن إدارة الانتفاضات أيضا..! إذا هم أصروا على أن يتغولوا وأن يتوغلوا في جريمة الاحتلال وخطيئة إسقاط غصن الزيتون, غصن أبي عمار من أيدينا شعبا ووطنا ومشيئة إنسانية وربانية اللهم بلغت فاشهد، وعلى حكام الدولة العبرية ورعاتهم عبر البحار والمحيطات عليهم أن ينصاعوا وأن يمتثلوا لمشيئة شعبنا وشرعة حقوق الإنسان والقوانين والقرارات الدولية بمشيئة الحرية والاستقلال والسلام للدولة التي لن تكون إلا بعاصمتها الأزلية في القدس الشريف الأبدي. ذلك ما سيكون يا محمود ولن يكون غير ذلك.
ويا محمود يا أخي ورفيق عمري وحلمي وحزني. سامحنا على خطيئة ما نحن عليه الآن. سامحنا وسامح أخاك ولم يبقَ عندي سوى الفاتحة.. الفاتحة.."
(وهنا بكى سميح القاسم).
***
برحيلك يا درويش تكون الأمة العربية من المحيط إلى الخليج قد فقدت قامــة من قامات الشعر المعاصر, بل متنبي العرب في العصر الحديث. محمود درويش اسم لم يسقط من قائمة الحياة، بل أضيف لقائمة الخلود، بحكاية لم تبتدئ بامرئ القيس ولن تنتهي بمحمود درويش صاحب رائعة (على هذه الأرض ما يستحق الحياة). الشاعر الكبير، كبر القدس وفلسطين وانتفاضة فلسطين، محمود درويش كان ثورة متأججة بالكلمات تجوب الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، قدم لفلسطين وللقضية الفلسطينية أكثر مما قدمه أي سياسي محنك أو عسكري متمرس.
ولعل حزننا على وفاة الشاعر يأتي من الحزن على كل مخلص ونزيه في زمن صار فيه الإخلاص والوفاء والمقاومة إرهابا, والخيانة مجرد وجهة نظر، ذلك لأنه لم يبع ضميره ولم يتزحزح عن مبادئه، فهو الذي رفض اتفاقية أوسلو (المشؤومة) واستقال من عضويته في منظمة التحرير الفلسطينية وكل المناصب السياسية التي شغلها رافضا بذلك مساومات المناصب وتبريرات السياسة.
يحزننا موته رغم إيماننا بحتمية الموت وحتمية القدر لأنه لم يترك لنا رصاصات فارغة أو بندقية لذكره وتذكره، بل ترك لنا كلمات ستظل خالدة لأن الأفكار التي تعبر عنها تلك الكلمات مثلها مثل الشموع التي نحتاج إلى ضوئها كلما ادلهمت الخطوب وحلكت الليالي.
ويقول الشاعر الراحل نزار قباني: شعراء الأرض المحتلة ..
يا مَن أوراقُ دفاتركم ..
بالدمعِ مغمّسةٌ،
والطينْ ..
يا مَن نبراتُ حناجركمْ ..
تشبهُ حشرجةَ المشنوقينْ ..
يا مَن ألوانُ محابركم ..
تبدو كرقابِ المذبوحينْ ..
نتعلّم منكم منذُ سنينْ..
نحنُ الشعراءَ المهزومين ..
نحنُ الغرباءَ عن التاريخِ،
وعن أحزانِ المحزونينْ ..
نتعلّمُ منكمْ,
كيفَ الحرفُ يكونُ له شكلُ السكّين
ثم يتابع قائلا: محمودَ الدرويش .. سلاما..
توفيقَ الزيّاد .. سلاما ..
يا فدوى طوقان سلاما..
يا مَن تبرونَ على الأضلاعِ الأقلاما ..
نتعلّمُ منكم،
كيفَ نفجّرُ في الكلماتِ الألغاما
عندما يرحل محمود درويش لا يرحل وحيدا، بل ترحل معه أعراس الجليل وأفراحها وسرير الغريبة، وتشيعه عشرات الدواوين التي صاغها من روحه ونبض شريانه (الأبهر) الذي تضخم من شدة المعاناة.. معاناة شعبه.. شعب كل ما أراده هو الحياة, وكل ما حصل عليه هو القهر والظلم والعذاب والجوع والموت.. وترافقه أيضا كلماته الراعفة في رحلته الأبدية الطويلة.
كان محمود درويش قامة شعرية كبيرة، وبيارة فلسطينية (حلوب) لا تعرف للعطاء حدودا.. بيارة لم تتوقف يوماً عن تزويدنا بالبرتقال والليمون والبرقوق والتفاح وكذلك بالانتماء إلى الوطن.. هذا الوطن الذي بكى درويش, كيف لا وهل لا تبكي الأم ابنها المدلل؟ درويش كان قامة إنسانية شعبية سامقة، وهو الذي حوّل الأم الفلسطينية وخبزها وقهوتها إلى نشيد على كل شفة ولسان، وما من إنسان سمع هذا النشيد إلا أن تمنى أن تكون هذه الأم هي أمه هو.
عقود مرت والأم الفلسطينية تمسح يديها من بقايا الطحين والعجين، وتفوح منها رائحة الأرض والخبز والطهر. وقد تجلى هذا الأمر حين قام الفنان مارسيل خليفة بتأبين درويش في عمان فغنى (نم يا حبيبي)، وأتبعها برائعة محمود درويش (أحن إلى خبز أمي)، ومعها ارتفع نشيج الحضور بالبكاء، وأخذ العشرات منهم يردون وراء خليفة كلمات الاغنية وبقي الفنان خليفة متماسكا إلى أن عاد إلى مقعده حيث انفجر في البكاء.
محمود درويش مع سميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم كانوا رسل التحرير، والمبشرين بفلسطين القادمة من جديد، وهم مصابيح فجر التحرر، رحل زياد ورحل درويش دون أن يشهدا هذا الفجر، ولكنهم تركا أشعارهما لإضاءة المصباح التحرري، ودواوينهما لتشهد بميلاد الوطن من جديد، وتحتل أرفف مكتبة الوطن المقاوم. فهل سيشهد القاسم (أمد الله في عمره) وغيره فجر التحرر؟
غادر محمود درويش فلسطين وما غادرها.. غادرها وعاد إليها.. غادرها أخيراً وعاد ليدفن في أرضها.. لقد دفن في رام الله وإن كان المرجو أن يدفن في (البروة) مسقط رأسه.. أو في (الجديده) حيث يقيم الأهل, ولكن في نهاية المطاف دفن في فلسطين.
إننا نعيش اليوم وضعا داخليا مأساويا من الفرقة والعداوة والاقتتال, هذا الوضع الذي حاول الراحل درويش تغييره من خلال تقريب وجهات النظر بين الأخوة الأعداء, فمصالح الشعب الوطنية العليا كانت بالنسبة له فوق كل اعتبار.
وداعاً محمود درويش وقد توقف قلبك عن الخفقان بعد أن عجزت عن استيعاب كل هذا التشظي المحيط بك، لقد قاموا بفتح قلبك لإجراء جراحة فيه تعيده إلى النبض من جديد، فهالهم ما رأوه من ثورة وشعر ورفض. علامة للإنسان العربي المقاوم.
كنت نادرة للشعر العربي وتحديثه وتثويره. كنت إنساناً مؤمناً يعمل من أجل مبادئه. كنت شاعر مقاومة وشاعر قضية. كنت لكل هؤلاء، عشت، ومن أجلهم رحلت، فطوبى لرحلة كانت كما أرادها صاحبها وشاعرها ومبدعها.
حمل فلسطين في وجدانه وعقله، كما حملته فلسطين في قلب جراحها وآلامها، فخاف العدو من قصائده أكثر من خوفه رصاص المقاومين وعبواتهم وصواريخهم، فمنع تدريسها في مدارسه والجامعات، لأنه أدرك أن هذه القصائد تتفجر مراراً وتكراراً، فهي حافز للحرية عند طالبها، وهي مثيرة للشك والقلق في قلوب أعدائها وعقولهم (هنا، عند منحدرات التلال.. أمام الغروب، وفوهة الوقت.. قرب بساتين مقطوعة الظلال).
وعلى صوت محمود درويش منشدا جداريته الشهيرة التي كتبها فيما يشبه النبوءة لسيناريو جنازته.. رحل.. فمنْ يودع منْ يا درويش؟ وأنت الذي أعددت الجنازة.. جنازة تليق بشاعر كبير بحجم محمود درويش الذي رأى وكتب وقال في آخر قصيدة منشورة له (لاعب النرد)، في مقطعها الأخير: ومن حسن حظي أني أنام وحيدا.. فأصغي إلى جسدي.. وأصدّق موهبتي في اكتشاف الألم.. فأنادي الطبيب، قبيل الوفاة، بعشر دقائق.. عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة, وأخيّب ظن العدم؟منْ أنا؟ منْ أنا"؟ ويقول الدكتور خالد الكركي رئيس الجامعة الأردنية "كيف يمكن للكلام أن يكون في حضرة سيد الكلام، لقد كنا نحبك حيا ونظل نحبك، لماذا تركت الزمن العربي وحيدا، كان عمرك قصيرا، وإبداعك عظيما، ولا نعرف من سيؤنس الشعر بعدك؟ لقد انتظرت الموت بنفس الأمير البديع، مت شاعرا أسطوريا، صرت فكرة كما أردت وطائرا فينيقيا.. لقد صرت كل ما تريد".
وفي قصيدة رثاء معبرة يرثي فيها الشاعر سميح القاسم أخاه الراحل محمود درويش .. إنها تقوم بسرد رحلة حياة درويش.. رحلة حياة إنسان لم يمت.. فدرويش هو القضية والقضية لا تموت: "ما من حوارٍ مَعك بعدَ الآن.. إنَّهُ مُجرَّدُ انفجارِ آخر": تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني.. ووزرِ حياتي.. وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ، أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟ وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً، وآثَرتَ حُزني مَلاذا..أجبني. أجبني.. لماذا؟ عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ.. وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ.. تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.. مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ.. وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُب.. أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي, وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ..!
هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموت.. لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمن أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي.. ونحنُ عذابُ الدروبِ, وسخطُ الجِهات, ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ, وعَجْزُ اللُّغاتِ, وبَعضُ الصَّلاةِ على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَه.. وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ, وأعدائِنا الطارئين, ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذين يُحبّونَنا مَيِّتينْ, ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي, بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقين.
ويمضي قائلا, وهنا يشير إلى ما حدث في قطاع عزة: وأَنتَ رَحَلْتَ.. رَحَلْتَ..ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَه.. وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ, لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ، صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ.. صِرْتُ أنا أوَّلَ الأسئلَهْ.. إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ..! ومَا أنتَ كسرى.. ولا أنتَ قيصَر..لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ.. وأنتَ الوصيَّهْ.. وسِرُّ القضيَّهْ, ولكنَّها الجاهليَّه.. أجلْ يا أخي في عَذابي, وفي مِحْنَتي واغترابي..أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّه.. وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ، والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ.. ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ.. وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ.. وَأنتَ الوَصيَّةُ.. أنتَ الوَصيَّةُ واللهُ أكبَرْ..! شعب يحب السلام ويطالب بالحرية والتحرر: وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبت.. وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي.. كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ.. كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ.. كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ، َلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ، وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ، كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ.. وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ.. كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ.. وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ.. كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ.. وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ التراب. وعن علاقته بدرويش يقول القاسم: لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ، نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ.. ويوماً غَضِبْتَ عَلَي.. وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ.. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ.. سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِي وَدَمْعٍ سَخيّ.. نَهاراً كَتبْتُ إليكَ.. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ.. وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ.. وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ..! وتسأل الأم, أين ابني؟ أين ولدي؟ وفي هذا السياق يكتب القاسم: تُعانقُني أُمُّنا..أُمُّ أحمدَ.. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ السِّنين.. وعِبءِ الحنين.. وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ.. وَتَسأَلُ صارخةً دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ.. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.. أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟ تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟ هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليب.. على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي, أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ.. وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ, وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ، تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ.. وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ.. في صالَةٍ دافِئَه.. بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ؟ أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ.. أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ..! وفي وصف ارتباطهما (درويش والقاسم) الشديد, يتمنى القاسم أن يرافق رفيق دربه درويش في رحلته الأخيرة, فيقول: إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ.. في زّوْرَقٍ للنجاةِ.. على سَطْحِ بحرٍ.. أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ.. وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً.. ولكنْ ببطءٍ.. لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ, وخُذني مَعَكْ.. خُذني مَعَك"..! وإلى شاعرنا الرمز, ابن الرامة, ابن فلسطين, إلى أخينا الكبير والذي لم تلده أمهاتنا.. إلى سميح القاسم أقول:
أسأل الله عز وجل أن يمد في عمرك ويمنحك موفور الصحة والعافية, وإننا دائما منتظرين المزيد من عطائك.
بكاك القاسم يا درويش وبكيناك معه, كيف لا وأنت القائل: لو يتذكر الزيتون غارسه.. لصار الزيت دمعا..! لن نرثيك يا شاعر القضية ومقاومتها.. لأنه علينا أن نرثي أنفسنا أولا.. لقد تركنا الوطن وحيدا, وما زال حصانك ينتظر. د. صلاح عودة الله - القدس المحتلة