حقوق الإنسان.. حديث إفْكٍ!

بقلم: جواد البشيتي

ليس لكل عبارة معنى، وإنْ كانت سليمة تماماً من الوجهة النحوية، فهل من معنى لعبارة "أكَلْتُ ماءً مُثلَّثاً"؟!

و"حقوق الإنسان" هي من هذا النمط من العبارات؛ بل هي العبارة القانونية والسياسية والاجتماعية، التي على كثرة استعمالها، وعلى كثرة ما أُقيم لها من منظمات ولجان وهيئات، يشقُّ على كل متضلِّع من علم معاني الكلام أن يقف على معناها، أو معانيها، فالعبارة مَبْنِية من مجهولين كبيرين، أو من مصطلحين مستغلقين، هما "الحقوق" و"الإنسان".

لنتحدَّث أوَّلاً عن "الإنسان"، فذوو الفكر الذين لهم مصلحة في نبذ "التعيين التاريخي"، وفي مقدَّمهم الليبراليون، من قدماء وجُدُد، يفضِّلون دائماً التحدُّث عن "الإنسان على وجه العموم"، أو "الإنسان العام"، أو "الإنسان المجرَّد"، أي عن شيء يشبه "العنقاء" لجهة استحالة وجوده.

ليس من وجود، في العالم الواقعي والحقيقي، لـ "الإنسان العام" حتى يصبح ممكناً، بعد ذلك، التحدُّث عن "حقوقه"، فالإنسان الذي نَعْرِف، والحقيقي والواقعي، إنَّما هو ابن ظرفي الزمان والمكان، ابن البيئة الاجتماعية ـ التاريخية، وابن التربية (في معناها الواسع) التي تلقَّاها؛ ولن ينال من قوة هذه الحقيقة ما يبذله هذا "المُنْتَج"، أي الإنسان، من جهد فردي أو جماعي في سبيل تغيير الواقع الاجتماعي ـ التاريخي الذي أنتجه. إنَّه يُصْنَع من حيث الأساس (صناعة اجتماعية ـ تاريخية) قبل، ومن أجل، أن يعيد (أو أن يشارِك في إعادة) صُنْع ظروف حياته الاجتماعية والتاريخية.

في العالم الواقعي والحقيقي للبشر، لا وجود إلاَّ لـ "إنسان مخصوص"، اجتماعياً وتاريخياً، فهذا الإنسان الواقعي الحقيقي هو "العامل" و"الفلاَّح" و"رب العمل" و"الطالب" و"الوزير" و"الغني" و"الفقير".. و"الرجل" و"المرأة". هو المواطن في دولة من دول الشمال والغرب، أو في دولة من دول الجنوب والشرق.

إنَّه على أنماط مختلفة، اجتماعياً واقتصادياً.. وسياسياً، أي لجهة ما يملك من نفوذ وسلطة وسيطرة.

على أنَّ كل هذا الذي نرى من أوجه ومعالم وصور "اللا مساواة" في العالم الواقعي والحقيقي للبشر لم يمنع جهابذة الفكر الليبرالي من أن يعاملوا (في حبرهم وورقهم فحسب) البشر كافة على أنَّهم سواسية كأسنان المشط من الوجهة "الحقوقية".

إنَّهم في موقفهم هذا كمثل من جاء برجلين إلى نهر، أحدهما يجيد السباحة، ويملك زورقاً، والآخر لا يجيدها، ولا يملك حتى لوحاً من الخشب، ثمَّ خطب فيهما قائلاً: إنَّكما بشران متساويان تماماً لجهة "الحق في عبور النهر"!

ومنسوب النفاق في خطابهم يعلو أكثر عندما يحدِّثونكَ عن أهمية وضرورة نشر "ثقافة حقوق الإنسان" في المجتمع، أي بين أفراده على وجه الخصوص، وكأنَّ الإنسان، أو المواطن، في مجتمعنا يكفي أن يقرأ ما تيسَّر من حقوقه (بوصفه إنساناً أو مواطناً) حقَّاً حقَّاً، وأن يحفظ عن ظهر قلب حقوقه تلك، السرمدية الخالدة المقدَّسة، حتى ننعم بمجتمع تعلوه إلى الأبد راية "حقوق الإنسان"!

وكثيراً ما سمعناهم ينسبون الضعف في "حقوق الإنسان"، وكثرة انتهاكها والتطاول عليها، إلى "الجهل"، أي إلى جهل إنساننا بحقوقه، فلو أنَّ كل إنسان عندنا توفَّر على تثقيف نفسه بحقوقه الإنسانية لَمَا تجرأ أحد على أن يبخسه إيَّاها!

ليس في هذا الأمر ما يحتاج إلى إقامة الدليل على صوابه، فالإنسان الذي لا يعي حقوقه لا يمكنه أبداً الدفاع عنها؛ ولكن مهما وعاها وأدركها وتمثَّلها لن يمتلكها إذا حيل بينه وبين "القدرة الفعلية" على امتلاكها، والتمتُّع بها، فكل عامل له الحق في أن يصبح رب عمل، فكم من العمال أصبحوا أرباب عمل؟!

وكل ناخب له الحق في أن يصبح مرشَّحاً للنيابة، فكم من الناخبين أصبحوا مرشحين؟!
وكل مرشَّح له الحق في أن يقتحم، بصوته وصورته وبرنامج وشعاراته، أسماع وأبصار وبصائر كل المواطنين، فكم من مرشَّح استطاع إلى هذا الاقتحام سبيلاً؟!

إذا جاءت كل منظمات ولجان وهيئات ودول "حقوق الإنسان" إلى شاب مُعْدِم، وسألته قائلةً "لماذا لم تتزوج وأنتَ لك كل الحق في الزواج؟!"، فماذا يمكن أن يجيبها، وهو الذي حفظ عن ظهر قلب أنَّ الزواج حقٌّ له؟!

وماذا يمكن أن يجيبهم مريض لا يستطيع الحصول على دواء، أو مصاب بأمراض منشأها الجوع أو سوء ونقص التغذية، إذا ما سألوه قائلين "لماذا توشك أن تموت مرضاً أو جوعاً وأنتَ لكَ كل الحق في الحياة؟!".

أمَّا "الحق في العمل" فهو النفاق في بيانه الأوَّل والأعظم، فهذا الذي لا يملك من الثروة إلاَّ قروشاً، وذاك الذي يملك الملايين من الدنانير أو من العملات الصعبة، متساويان تماماً لجهة "الحق في العمل"، في مجتمع، يُثْبِت ويؤكِّد على مدار الساعة أنَّ من يعمل لا يملك، ومن يملك لا يعمل!

إذا كان العمل حقُّ لي، بوصفي إنساناً ومواطناً، فواجب مَنْ جَعْل هذا الحق حقيقة واقعة؟!

أليس واجب الحكومات والدول؟!

ولكن، ما الذي فعلته، وتفعله، الحكومات والدول من أجل جَعْل الغالبية العظمى من بشرها ومواطنيها قادرين فعلاً على ممارسة حقوقهم والتمتُّع به؟!

إنَّها لم تفعل إلاَّ بما يقيم الدليل على أنَّ كل ما تقوله في أمر "الحقوق" ليس سوى قول حقٍّ يُراد به باطل، فالقائلون بـ "حقوق الإنسان" هم أنفسهم الذين يمعنون في انتهاكها والتطاول عليها إذا ما كان المنتفعون منها من البشر العاديين، أو المواطنين العاديين.

إنَّ خير نصيحة يمكن أن أسديها إلى المنافحين عن "حقوق الإنسان" من منظمات ولجان وهيئات هي أن يستنطقوا البشر العاديين ليقفوا منهم على السبب الذي يجعل هؤلاء ينظرون إلى "حقوق الإنسان"، ثقافةً وشعارات وبرامج وبيانات، على أنَّه حديث إفكٍ! جواد البشيتي