كيف يرى السعيد أزمة الفكر العربي والإسلامي؟

بقلم: السيد نجم
في مواجهة التفكير الأسطوري والخرافة

لعل هذا الكتاب هو آخر ما صدر عن سلسلة "الفكر" ضمن مطبوعات مكتبة الأسرة هذا العام (2008)، ويحمل عنوان "أزمة الفكر العربي والاسلامى"، بقلم د. رفعت السعيد. وهو واحد من مجموعة هامة من الكتب التي صدرت عن السلسلة نفسها العام الماضي، وهذا العام. ولعل السمة الغالبة في محور أفكار تلك الكتب هي "الفكر العربي" ومناقشة أزمته ومحاولات البحث عن خطاب ثقافي جديد.
في مقدمة طويلة أثار الكاتب جملة إشكالات اصطلاحية حول مفاهيم قد تبدو مستقرة، إلا أنها غير ذلك. فالتنوير كاسم يبقى مع صاحبه ولصاحبه ولا يتبقى له أثر إلا إذا تحول إلى فعل. والعدل كلمة استخدمت عند "على بن محمد" قائد الزنج بمعنى مصادرة الإقطاعات من أصحابها وتحرير العبيد، وما أن حقق بعض الانتصار أصبح العدل عنده تمليك بعض قادته وجنده لهذه الاقطاعات.
كما قيل دوما إن العقل العربي الإسلامى يواجه منذ القدم بروح الجمود والإصرار على أن الخير في الزمان القديم. وعندما يجيء مجددا، يلقى العنت والنكران، كما حدث مع جمال الدين الأفغاني الذي أوعز شيوخ الأزهر إلى طلابهم بضربه بالنعال! ويبدو في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي، أن المثقف العربي مطحون بين السيف والذهب.
أما الكلمة "الفكر" فلم تستخدم مع العرب الأوائل، وكان مكانه مفردات: الفقه، الاجتهاد، النظر، العلم.. وهو لا يعنى أن العرب الأقدمين لم يعرفوا مصطلح "فكر" بمعناه الآن. وقد وردت في القرآن اثنتي عشرة مرة. منه أن الفكر هو ثمرة العقل، ومنه عبر العقل يكون الرأي.
والقضية الآن أن التراث ليس مرفوضا كله، بل فيه ما يقبل وما لا يقبل. مثلما فعل الأولون، نقلوا عن السابقين وأضافوا، أو قبلوا البعض ورفضوا البعض. وهو ما يجب علينا النظر به الآن.
وحول الموقف من التراث قال د. عاطف العراقي "إن أكثر ما يسيء إلى أجدادنا القدامى أن نقف حيال فكرهم جامدين. لن نستطيع أن نجد مستقبلا مزدهرا لفكرنا العربي إلا إذا كان لدينا الحس النقدي، والذي بواسطته تكون لدينا القدرة على قبول فكرة من التراث، ورفض فكرة أخرى."
وفى عرض تفصيلي، تناول الكاتب بعض مظاهر الفكر العربي في التراث، منها معطيات علم الكلام، وعلاقته بالتراث والفلسفة، ثم كيف نتحول من الكلمة إلى السيف؟ والتوقف أمام "الخوارج" و"المعتزلة" و"ثورة الزنج".
يرى الكاتب أن موضوع الكتاب يستند إلى منطلقين أساسين: الحديث الشريف {إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها.}"، أما الموقف الثاني فهو موقف الكاتب نفسه من كتب "التراث".
فالتراث في تعريف د. مراد وهبة في المعجم الفلسفي هو "النقل، ويراد به دينيا إتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل من غير نظر إلى الدليل."، لذا يرى "السعيد" أنه يجب علينا أن نعترف بوجود "التفكير الأسطوري"، وهو كامن في عقولنا، وهو الذي يغلب على أغلب كتب التراث.
ويتجلى في كتب التراث في عدة ظواهر: "العنعنة" وهو ما يعنى محاولة تفسير ما لا يمكن تفسيره بالنقل الشفاهى، وهي أيضا إضفاء صفة القداسة على ظواهر غير مقدسة. ووضح أن مقولة "لا أدري" يظنها البعض غير مناسبة لمقامة وفكرة!
وقد رصد الكاتب العديد من الخرافات الأسطورية في كتب التراث، منها حكاية تلك السيدة التي أتت للسلطان أبوالعلا، وسألته أن يعيد إليها طفلها الذي خطفه التمساح، وبالفعل خرج معها السلطان وأمر التمساح بإعادة الطفل، فلما رفض، أمر السلطان مياه النيل أن تجف، فجاءت التماسيح تبكى للسلطان، وأعادوا الطفل!!
لما كانت "العقلانية" في مواجهة التفكير الأسطوري والخرافة، وجد الفكر العربي والإسلامي نفسه، وسط تناقض جدلي. وإن انتبه البعض لأهمية العقل قديما، قال الغزالي "إن العقل يرى الأشياء كما هي، وهو يصلح معيارا لا يخطيء، عندما تحاول التميز بين الحق والباطل.."
وقد نشأ علم الكلام، نظرا لاتساع الأمة الإسلامية، والانفتاح الثقافي، وتعدد الآراء مع تعدد المعضلات الفكرية الجديدة، وفي المقابل انقسمت الجماعة إلى قسمين: الأشاعرة وهم المتشددون، واتهام أي جديد بالمبدع، وتمسكوا بأن القرآن وجد قديما.. والعقلانيين وهم "المعتزلة" الذين أخذوا بالاتجاه العقلاني، لأنه يقوم على أساس العدل والتوحيد، ويقولون بخلق القرآن.
وقد قدم علي بن أبى طالب نموذجا للحوار مع المعتزلة، ذاك الحوار الذي امتد وطاوله الفقهاء من أمثال الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد.. وغيرهم.
وإذا كانت الشريعة تقرر مبادئ عامة، لم تغلق الباب أمام استنباط الأحكام الشرعية مع مستجدات الحياة. "يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر". وبذلك يكون الفقه هو المعطى الإنساني لتطبيق الشريعة السماوية السمحاء.
كما نشط علم الكلام من خلال دائرتين، الأولى بين تأويل القرآن والحديث وتفسيرهما. والثاني حول الحوار مع الملل والأديان الأخرى. واتسعت دائرة / دوائر الحوار في علم الكلام، حتى تعدد الآراء حوله فيما بعد. فالغزالي وصف علماء الكلام أنهم لا يقصدون البرهان بالعقل كما يبدو للرائي.
وقال ابن تيمية بإدانة الخليفة المأمون لأنه أمر بتعذيب الإمام أحمد بن حنبل لرفضه فكرة خلق القرآن، ولأن المأمون ترجم الكتب عن اللاتينية. أما "أبو يوسف" وهو على المذهب الحنفي قال "إن من طلب الدين بعلم الكلام فقد تزندق". وهكذا. وأيضا مع تفاعل علم الكلام مع المنطق، ولدت الفلسفة الإسلامية، خصوصا بعد شيوع الترجمات المتعددة للثقافات الأخرى.
وقد عرض الكاتب لبعض الفرق الإسلامية الشهيرة: "الخوارج"، و"المعتزلة"، و"الزنج"، مؤكدا أنه انتهى إلى أن الخلاف فيما هو سياسي أو حتى شخصي، تحول إلى خلاف ديني. ويتساءل الكاتب الآن: هل نحتاج إلى ثورة عقلية جديدة، تبتعد بما هو سياسي عما هو ديني، حتى لا تتحول الخلافات السياسية إلى ادعاء بأنه خلافات دينية؟ أم السبيل هو إنضاج الليبرالية وحرية الرأي والاعتقاد. وهكذا يمكن للعقل أن يكون فاعلا.
ويرى أن وحشية الخوارج والمعتزلة والزنج أتت نتيجة فهم خاطئ للمعطى الديني، ومن ثم التعامل مع الآخر. ولا مخرج سوى المفاصلة بين ما هو ديني مقدس، وبين ما هو سياسي أو شخصي، وما كان ضروريا في الماضي حفاظا على كلمة الأمة والمسلمين. ما زال ضروريا الآن وفي المستقبل أيضا.
وأخيرا يعد الكتاب وقفة عقلانية وموضوعية مع تراثنا الفكري ومعطياته، دون تغليب أحكام مسبقة أو إغفال لرأي يضيف إلى موضوعه، خصوصا أن الكاتب لم يعرض الأفكار مجردة بل ناقشها وأضاف رأيه الخاص، مما أثرى موضوع الكتاب. السيد نجم Ab_negm@yahoo.com