صراع النفوذ في العراق: ما لا يُفهم في دور إيران

بقلم: جاسم الرصيف

من الواضح، للعراقيين قبل غيرهم، ان جون ماكين، مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة اميركا، مع كثرة من السياسيين والصحفيين الأميركيين، "لا يفهمون الإ ّ القليل عن الدور الذي لعبته إيران في العراق خلال السنتين الأخيرتين".
ويرى الخبير السياسي البريطاني باتريك كوكبرن بهذا الشأن ما يراه العراقيون تماما، كما يرى ايضا، ونرى نحن، ان في الأمر "مفارقة": أن تدعم إيران وأميركا في آن حكومة نوري المالكي، وفي ذات الوقت تتنافسان معا على فرض النفوذ على هذه الحكومة وعلى الشعب العراقي.
وهذا التنافس بين إيران وأميركا، على "روح وقلب" هذه الحكومة، يفسر تذبذب مواقفها بين رغبة إيرانية في ترحيل القوات الأميركية عن العراق بأسرع وقت ممكن للحلول بديلا مباشرا عنها لإستكمال الدور الإيراني مع دول "الجوار" العربي، كما يفسر الردود المائعة المهادنة، وحتى المتناقضة في بعض المرات، من هذه الحكومة لاميركا الراغبة في عدم الإعلان عن هذه الجداول لأسباب عسكرية وسياسية وقرنتها بالمفتاح السحري الذي سمّته: "تطورات الموقف على الأرض".
وجملة "التطورات على الأرض العراقية" تعني الكثير، ومنه: نفوذ إيران المتنامي في العراق، الذي يهدد إسرائيل عن مقربة من العراق، كما أن هذا التنافس المثير للسخرية، بكل تأكيد، بين عدوّين ظاهرا (وصديقين باطنا) لمعظم العرب يفسر سرّ التطبيع العربي البراغماتي السريع مع حكومة المالكي، من حيث ان الحكومات العربية "تعلمت" بعد درس إحتلال العراق وخرق عذرية الأمن العربي كلّه من جراء ذلك: ان إيران باقية، ومن الأفضل كسب ودّها (لا محال)، والقوات الأميركية راحلة على أية حال.
و"عدم فهم" مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين، واكثرية القادة الجمهوريين، ومعهم بعض الساسة الأميركيين، للدور الإيراني في العراق سيوقعهم في مطب خطير، كما يرى كوكبرن ونرى، اذا فازوا برئاسة اميركا وتصرفوا على وهم أن: "واشنطن هي صانعة القرار الوحيدة في العراق"، إذ سيواجهون "بحرب جديدة" نعرف انها إيرانية الطابع بإمتياز إقليمي هذه المرة، وعلى الساحة العراقية فقط، لأن إيران لن تسمح بأي "تهميش" أميركي لدورها في صنع القرار بإسم المالكي المسنود بشخصيات إيرانية قيادية في حكومته التي إنتحلت صفة عراقية، ولن تسمح بضياع إمتيازها "التأريخي"، الذي تراه "معجزة"، من مجاورة مباشرة للكويت والسعودية والأردن من خلال حكومة المالكي، ومن إحتلال مباشر لجزر الإمارات العربية الثلاث: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، فضلا عن البطش المستمر والتفرقة العنصرة بحق عرب الأحواز .
يرى كوكبرن في تقرير له نشرته شبكة "كاونتر بنج" الأميركية ان السياسيين، الجمهوريين بشكل خاص، والصحفيين الأميركيين يهملون حقيقة: "ان هناك ثلاثة حروب، وليست حربا واحدة، تجري في العراق منذ سنة 2003، أولها: حرب العرب السنة ضد الإحتلال، وثانيها: الحرب بين الشيعة والسنة للإستيلاء على الحكم، وثالثها: الحرب بالوكالة بين اميركا وإيران لتقرير من سيكون الأكثر نفوذا في العراق". وكما نرى كعراقيين ان هذه الحروب، اذا سلمنا جدلا بصحتها حسب كوكبرن، هي حروب طاحنة من أجل السلطة وفرض النفوذ بين كل هذه الأطراف.
والخلل واضح في التشخيص الثاني للخبير البريطاني كوكبرن الذي ذكرفيه وجود "حرب بين الشيعة والسنة للإستيلاء على الحكم". وحدود هذا الخلل هي:
اولا: ثمة رفض شيعي عربي للإحتلال مغيّب، وبشتى الوسائل، عن الساحة الإعلامية والمسرح السياسي في العراق وخارجه مذ بدأ الإحتلال وحتى اليوم.
ثانيا: ثمة تغييب سياسي متعمد للمراجع الدينية والعشائرية والسياسية الشيعية العربية العراقية الرافضة للإحتلالين الأميركي والإيراني وسلطوية تجار الحروب الأكراد المستمدة من هذين الإحتلالين.
ثالثا: خلق الإحتلالان فرق موت صنعت مسرحا زائفا لحرب طائفية بين الشيعة والسنة وفق مبدأ "فرّق تسد" الذي إلتزمت به كل الأطراف التي تؤسس للإحتلال طويل الأمد: الأميركية، البريطانية، الإيرانية والكردية.
رابعا: أجمعت كل الشخصيات الشيعية والسنية، الوطنية، التي لم تلوث أياديها وجيوبها بدماء العراقيين وأموالهم المنهوبة، الاّ حرب طائفية في العراق بين الشيعة والسنية منذ بداية الإحتلال وحتى كتابة هذا المقال، ومازالت تؤكد ذلك في ادبياتها.
خامسا: هذا لا ينفي ظهور طموحات شخصية لا ترتقي الى مستوى روح المواطنة لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب من الحكم، وربما بنى الخبير البريطاني إجتهاده في وجود مثل هذه الحرب على هذه الحقيقة التي لا تمثل الروح العراقية كما نعرفها ونفهمها. jarraseef@yahoo.com