أسبرين رايس والداء العضال

بقلم: جواد البشيتي

لن يكون هناك أي "اتِّفاق" مع "المفاوِض الإسرائيلي"، على ما أكَّد "المفاوِض الفلسطيني" غير مرَّة، إذا لم يتَّفِق الطرفان، هذه المرَّة، على "حلول نهائية" لكل المشكلات الجوهرية، كالحدود والقدس واللاجئين، فـ "كل شيء" أو "لا شيء".
وهذا إنَّما هو الدرس الأوَّل والأهم الذي تعلَّمه "المفاوِض الفلسطيني" من تجربته الطويلة الفاشلة في التفاوض ذاته، وفي ما انتهى إليه التفاوض من اتفاقيات، وفي ما آلت إليه هذه الاتفاقيات عند التنفيذ.
ضدَّ هذا الموقف التفاوضي الفلسطيني قالت رايس في مستهل زيارتها السابعة (للسياحة السياسية) منذ مؤتمر أنابوليس (نوفمبر/تشرين الثاني 2007) إنَّ على الطرفين القيام بـ "عمل كبير".. "إذا ما كانا راغبين حقَّاً" في التوصُّل إلى "اتِّفاق سلام" قبل نهاية 2008.
ليس رئيس الوزراء الإسرائيلي وإنَّما رئيس السلطة الفلسطينية هو الذي ينبغي له القيام بهذا "العمل الكبير، إذا ما كان راغباً حقَّاً" في التوصُّل إلى هذا الاتِّفاق، فـ "الأوَّل" هو الآن، ولأسباب موضوعية في المقام الأوَّل، في حالٍ من "العجز التفاوضي التام"، ولا يستطيع أن يُفَكِّر، حتى وهو جالس إلى جانب رئيس السلطة الفلسطينية، في أي شيء عدا "يومه الشخصي الأسود".
وتظنُّ رايس أنَّ ما بقي من وقت (ضئيل) للرئيس بوش في البيت الأبيض يمكن ويجب أن يكون "السيف" الذي يُشْهَر في وجه الرئيس الفلسطيني، فيتولَّى هو القيام بهذا "العمل الكبير"، أي تذليل كل "عقبة فلسطينية" من طريق التوصُّل إلى اتِّفاق يرضي إسرائيل والولايات المتحدة.
لقد استثنت رايس نفسها من هذا "العمل الكبير" إلاَّ إذا كان حضُّها الطرفين على القيام بـ "عمل كبير" هو أكبر عمل يمكنها القيام به، بدعوى أنَّها الوسيط الذي لا يفاوض عن أيٍّ من الطرفين، ولا يمارِس الضغوط، ولا يملك من "وسائل الإقناع والإكراه" سوى "الكلمة الطيِّبة"، يقولها ويذهب إلى حال سبيله.
وعندما ينفد هذا الوقت المتبقي من غير التوصُّل إلى "الاتِّفاق"، بحسب تعريفه الفلسطيني، أي "الاتِّفاق على حلولٍ نهائية لكل المشكلات الجوهرية"، ستُعْلِن رايس أنَّ الطرفين ما زالا يرغبان حقَّاً في التوصُّل إلى "اتِّفاق سلام"، وأنَّهما مصمِّمان على الاستمرار في بذل الجهد، وعلى القيام بـ "عمل كبير"؛ ولكنَّهما يحتاجان إلى مزيدٍ من الوقت لـ "استكمال ما أنجزاه"، ولا بدَّ، بالتالي، للإدارة المقبلة من أن تساعدهما، فهما يستحقَّان.

وهذا الذي ستقوله رايس يمكن أن يكون على شكل "بيان"، مُتَّفَقٌ عليه بينها وبين الطرفين، وفيه من "خير الكلام" ما يشير إلى أنَّ "الحَمْل" قد حَدَثَ فعلاً، ولكنَّ مدَّته ستطول، فـ "مسار أنابوليس" لم يتعطَّل (تماماً) وإنَّما طال؛ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم!
ومع ذلك، فثمَّة من يخشى التسرُّع في إصدار الحُكْم، فالتفاوض في منتهى السرِّية، وبعيد عن الأضواء الإعلامية، وقد تقع "مفاجأة" في اللحظة الأخيرة، بحجم "مفاجأة أوسلو"، أو أكثر، فنرى، عندئذٍ، أن كل ذلك "التشاؤم" كان "قنبلة من دخان" لحجب ما أُنْجِزَ، ويُنْجَز، عن الأبصار والبصائر!
كلاَّ، لن نرى "نجاحاً مفاجئاً"، في اللحظة الأخيرة؛ ولكن، ينبغي لنا، في الوقت نفسه، ألاَّ ننظر إلى "الفشل" على أنَّه "مفاجأة"، فـ "المفاجأة" بعينها هي أن يقال، فلسطينياً وعربياً، بعد ثبوت الفشل، أو بعد رؤية "الفأر" يخرج من رحم "جبل أنابوليس"، إنَّ السلام يستحق منحه "فرصة أخرى"، وإنَّ "الفرصة الأخيرة (القديمة)" للسلام لم تُسْتَنْفَد بَعْد، فـ "الإدارة الجديدة" لن تدَّخِر جهداً في مساعدتنا على تجديد وهم السلام، في كلامنا وتفكيرنا ومواقفنا وعملنا.
ولسوف نسمع مِمَّن لا خيار لديهم سوى التوفُّر على صناعة وتسويق الأوهام ذاتها كلاماً عن الأسباب التي تجعل "الإدارة الجديدة" مختلفة لجهة حاجتها إلى إنهاء النزاع، وإقرار السلام.
أمَّا الذين ذهبوا (وكأنَّهم ذاهبون على مضض) إلى أنابوليس لـ "اختبار النيَّات"، و"قطع الشكِّ بسكِّين اليقين"، فلن يتغيَّر خطابهم؛ لأنَّهم لا يملكون سواه.
إنَّه "إنجازٌ" يُعْتَدُّ به أن يقف "المفاوِض الفلسطيني" على أطلال "مفاوضات أنابوليس"، ليقول: لقد وَفَيْنا بالعهد، فنحن لم نوقِّع أيَّ "اتِّفاق" يتعارض ومبدأ التفاوض الذي استمسكنا به، وهو أن لا اتِّفاق يُوقَّع إذا لم يكن اتِّفاقاً على حلولٍ نهائية لكل المشكلات الجوهرية؛ وإنَّ "البيان" الذي قرأته رايس (على افتراض صدوره) ليس بـ "اتِّفاق".
ولكنَّ هذا "الإنجاز" سيكون لبوساً يرتديه "الفشل الكبير" إذا لم يؤسِّس لاستراتيجية فلسطينية جديدة، تُفْرِغ خيار "الحل عبر التفاوض" من كل أوهامه، وتعيد بناءه على الحقائق فحسب، وإنْ تضاءل كثيراً حجم المبنى الجديد.
وأحسب أنَّ "السؤال" الذي يجب أن يبدأ به كل شيء هو الآتي: ما هي الأسباب الفلسطينية والعربية التي جعلت إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة) غير معنية بالسلام؟
هذا السؤال يجب أن يلقى إجابته الموضوعية، وأن تُتَرْجَم هذه الإجابة بالتغيير العملي والواقعي الموافِق لها، ولو ذهب المجيب ضحية إجابته.
وإذا كان من نتيجة إيجابية (موضوعية) لهذا "الفشل الكبير"، الذي هو في حقيقته فشل للأوهام في أن تغدو حقائق، فهذه النتيجة إنَّما هي تَوَلُّد شعور قوي لدى الفلسطينيين جميعاً بأنَّهم ما عادوا يملكون شيئاً حتى يخشون "الخسارة"، فالشيء الوحيد الذي يملكون، والذي يمكنهم وينبغي له أن يخسروه، إنَّما هو أوهامهم وقيودهم! جواد البشيتي