الإسلام بين أيدي شيوخ الطغيان وآيات الشيطان

بقلم: علي الصراف

ما كان حدثا يثير الكثير من اللغط والإهتمام، يتحول الى ظاهرة تكاد لا تثير احدا. فثمة مسلمون يتخلون عن الإسلام الى المسيحية رغم كل ما يعنيه الأمر من عقوبات تصل الى حد الإعدام.
يمكن الافتراض، طبعا، ان هناك "مرتدين" يقصدون إثارة الإهتمام. وردتهم، على هذا الأساس، انتهازية أكثر منها دينية؛ سياسية، اكثر منها تعبير عن الإيمان بأي شيء. ولعلهم يقصدون الإساءة لدينهم القديم، فيسيئون بذلك لدينهم الجديد أيضا.
ولكن ثمة فقراء يختارون المسيحية لسبب فيها، يمنحهم ربما شعورا أعمق بالإطمئنان، او يعطيهم ما يبدو ان الإسلام (في صورته الظاهرة اليوم) لا يستطيع ان يمنحهم إياه. وهؤلاء غالبا ما ينأون بأنفسهم عن إثارة أي اهتمام، لانهم يدركون جسامة العاقبة.
وتتكرر الظاهرة في غير بلد عربي. وفي اليمن على الأقل، يقول الاستاذ المحاضر في جامعة صنعاء سمير العبدلي (يونايتد برس انترناشونال) "ان الفقر وغياب العدالة الاجتماعية يوفران حاضنة لجماعات الإستقطاب سواء الديني او المذهبي".
المسيحية ديانة خير وصفح وتسامح. والسيد المسيح عليه السلام لم يحتل المكانة التي يحتلها في النصوص القرآنية، إلا لأنه نبي من أنبياء الله. وفي الواقع، فما من ديانة اكتسبت التبجيل والقدسية، في الإسلام نفسه، مثل المسيحية.
ويصف القرآن الكريم عيسى عليه السلام بانه "قول الحق"، ويقول على لسانه: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذَلكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ" (سورة مريم).
المشكلة التي تثيرها الردة عن الإسلام يجب إلا يُنظر اليها في المسيحية. فهذه ديانة، بحسب المسلمين انفسهم، يعدُّ المجيء اليها من الوثنية او اليهودية خطوةً الى الأمام.
المشكلة هي في الموقف الراهن للإسلام؛ في الصورة التي يبدو عليها؛ في الوجهة التي يبدو ان المجتمعات الإسلامية تتجه اليها؛ في الكارثة المروعة التي يمثلها شيوخ الإسلام وفقهاؤه وآياته.
الإسلام دين عدالة ومساواة. ولكن هل توجد عدالة ومساواة حقا؟ وعندما لا توجد، فماذا يعني ذلك؟ هل يوجد إسلام؟
والإسلام دين تآخ ورحمة وسلام. ولكن عندما يتذابح المسلمون ويلقون بجثث بعضهم بعضا على قارعات الطرق، فكم يبقى من قيم التآخي والرحمة والسلام؟
والإسلام دين ثورة ضد الطغيان. ولكن عندما يتواطأ شيوخ وآيات الإسلام مع المحتلين والغزاة، وعندما يتسترون على جرائم عملاء للغزاة، وعندما يبررون السير خلفهم ويأتمرون بأوامرهم كالخرفان، فكم يبقى من الإسلام في نظر الضحايا؟
والإسلام دين عدالة اجتماعية. ولكن كم من الظلم والحرمان يعاني مئات الملايين من المسلمين؟ وكم من جرائم الفساد والنهب والإستغلال والهدر تتعرض لها أوطانهم؟ وكم يبقى من الإسلام في نظر الذين يبيتون على الطوى، والذين لا يجدون حتى الخيام، والذين يُهجّرون من ديارهم، والذين لا يحصلون من ثروات بلادهم إلا على الفقر؟
والإسلام دين تراحم. ولكن كم هم اولئك المسلمين الذين يحاصرهم، او يشترك في حصارهم، مسلمون؟ وكم هم الذين لا يجدون، إذا تعرضوا لنكبة او زلزال، مسلمين يمدون لهم يد العون والإسعاف؟ وكم هم اولئك الذين يعانون جائحات القحط والجفاف بينما ينام غيرهم متخمين؟
والإسلام دين مودة وتلاحم. فهل علاقات المسلمين مع بعضهم البعض أفضل من علاقاتهم مع غيرهم؟ وهل يعرفون حتى كيف يعيشون في جوار بعضهم البعض بأمن وسلام؟ وهل، إذا وجدت بينهم تجارة، يتعاملون فيها مثلما يتعاملون مع الغريب؟ وهل يتبادلون المشورة مع بعضهم مثلما يصيخون السمع لأوامر وتوجيهات الأسياد؟ وهل يشدون أزر بعضهم البعض، مثلما يشدون أزرهم ضد بعضهم البعض؟ أم هل أدلكم على حروب ضد مسلمين كان مسلمون هم طلائع الغزاة فيها؟
والإسلام يمثل الكثير غير ذلك من قيم المعروف والتقوى والصلاح. ولكن المسلمين يفعلون الكثير عكسها، مما يجعل صورة الإسلام لا تبدو مهزوزة لدى غير المسلمين، ولكنها تهتز فيهم أيضا. فالإسلام لا يشكل، في الواقع، قوة دفع حقيقية للصلاح ولا للإصلاح. ولا هو يشكل رافعة للتقدم، بمقدار ما يُقدم وكأنه قوة دفع الى الوراء.
وإلا ما انتهيا الى هذه الحال.
فما كان ثورة ضد الجهل، صار هو نفسه يُتخذ ستارا لتعميم الجهل.
وما كان دافعا لطلب العلم والمعرفة، صار دافعا للإمتناع عنهما وللخوف منهما، ولنكران انجازاتهما.
وما كان نقضا للعبودية والقهر وانتهاك الحقوق، صار يُستخدم لتقديم الذرائع والمبررات لأنواع جديدة من العبودية والقهر وانتهاك الحقوق.
الإسلام، كما يقدمه اليوم شيوخ السلطان وآيات الشيطان، ليس من الإسلام في شيء، ويستحق الردة عليه. انه إسلام أعمى القلب، منغلق العقل، وضيق الأفق، تضيع قيمه النبيلة، وتُجافى معاييره الأخلاقية الرفيعة، ويهزل صفاء عباداته، لحساب فقه رجعي، مشاغله وضيعة، واهتماماته هزيلة، وتحدياته ثانوية.
في عام 1826 ذهب الكاتب الإصلاحي رفاعة الطهطاوي الى باريس، فوجد عدلا وخيرا وتضامنا ومساواة. وعاد الى مصر ليقول: هناك في فرنسا يوجد إسلام من دون مسلمين. وهنا في مصر يوجد مسلمون من دون إسلام.
اليوم، لو يعود الطهطاوي حيا لرأى بأم عينيه انه لم يعد هناك لا مسلمون ولا إسلام، لولا القليل من المؤمنين التقاة، الذين لا يحلون ولا يربطون. فقد ساق الكثير من أولي الأمر مجتمعاتهم ودولهم لتكون مجتمعات قهر وظلم وإستبداد وفساد وتخلف.
الإسلام كما يقدمه شيوخ الضلالة والنفاق ليس هو الإسلام. والإسلام كما يقدمه شيوخ التطرف ليس هو الإسلام. والإسلام الذي يقدمه آيات الشيطان ليس هو الإسلام. كما أن الإسلام الذي يقدمه السائد الإجتماعي ليس هو الإسلام أيضا.
يجدر التساؤل: أي إسلام هذا الذي يمثله شيوخ أعمى الله على بصرهم وبصائرهم لكي لا يروا ما يتغير في العالم من حولنا، ويواصلون الإفتاء في كل التوافه والنوافل، بينما يتجاهلون فساد الحكام وعمالتهم وجرائمهم وانتهاكاتهم.
وأي إسلام هذا الذي يتواطأ آياته مع الغزاة؟
وأي إسلام هذا الذي يصمت شيوخه وآياته على القتل والتهجير والإعتقالات من دون محاكمة وأعمال التعذيب في السجون.
لو كان لدى شيوخ وآيات الإسلام الذين نعرفهم ونراهم ونسمع عنهم، ذرة ضمير، ذرة شعور بقيم الإسلام، او ذرة كرامة، لكانوا طرحوا عمائمهم أرضا أو لبسوا أثواب الحداد على الإسلام الذي قتلوه بأيديهم. ولكنهم، مثلهم مثل أولي أمر الجريمة والفساد، غارقون في نعيم التواطؤ مع الطغيان، ويمارسون الإسلام كشعائر للزيف والدجل الفقهي والنفاق.
وأي إسلام هذا الذي لا يستطيع أن ينظر الى المرأة إلا بوصفها عورة، دع عنك حرمانها من حقوق التعليم والرعاية والمساواة؟ وأي إسلام هذا يضعها في مصاف الجواري والخدم لا في مصاف البشر؟ وأي إسلام هذا الذي، في القرن الواحد والعشرين، ما يزال ينظر اليها ككائن لا تجوز له الولاية حتى على نفسه، بينما قدمت البشرية ملايين الأمثلة الخلاقة للمرأة في كل حقل من حقول المعرفة والعلم والثقافة والسياسة والفكر؟ وأي إسلام هذا الذي ما يزال يجيز للرجل ان يتزوج عليها ثلاثا، ويطلقها حسب الأهواء، ويغتصبها "شرعا" قبل ان تبلغ الكفاية من النضج؟
وأي إسلام هذا الذي، حتى إذا أراد ان يثور، فانه يثور ليصبح إرهابا يختص بقتل الأبرياء؟
وأي إسلام هذا الذي يبدو في ثورته نفسها أكثر تخلفا ووحشية وإنغلاقا من كل التخلف والوحشية والإنغلاق الذي نريد التحرر منه، حتى لكأنه لا يعدنا إلا بالأسوأ. وحتى لكأنه يقول لملايين الذين يدفعون ثمن البقاء في مؤخرة الأمم المتحضرة "احمدوا الله على ما لديكم".
ونحن أمة تخلف. ولكن لا يقول لك شيوخ الطغيان وآيات الشيطان انهم جزء من المشكلة. فالدور التخريبي الذي مارسوه في الحياة الإجتماعية والثقافية والسياسية ما يزال لم تحص عواقبه. ولكننا نراه في الفقر، كما نراه في الفساد، كما نراه في الإستبداد. وهم أصحاب معظم الدجل الفقهي فيه.
ونحن أمة حروب أهلية. ولكن لا يقول لك شيوخ الترهات وآيات الإنحطاط انهم يقفون وراء سفك الدماء بين المسلمين، ويشرعون للفتنة بين المسلمين، تحت حراب الغزاة.
ونحن أمة يجتاحها الغزاة، ويهيمن على مقدراتها المستعمرون الجدد، ولم تنجح في أن تحرر شبرا، ولكن لا يقول لك شيوخ الدجل وآيات الرذيلة أنهم شركاء في الجريمة، وانهم، بصمتهم على العملاء والمأجورين من الحكام، يساهمون في تحويلنا الى عبيد. والعبيد إنما يتبعون دين الأسياد، وليس عاداتهم وثقافاتهم فقط.
الذين يغارون على الإسلام يجب ان يصحوا. ليس من أجل أن يثيروا السؤال: لماذا يرتد بعض المسلمين عن الإسلام؟ بل من أجل ان يصفعوا شيوخ التخلف وآيات النفاق بالسؤال الأحق: لماذا لا يرتدون، والإسلام لم يعد هو نفسه الإسلام؟
نعم، الإسلام ما يزال يشكل إغراء ثقافيا للكثير من الغربيين عندما ينظرون الى قيمه وأخلاقياته الأساسية. ولكن ذلك لا يكفي لستر عورة الفشل فينا عندما نعجز عن استلهام تلك القيم والأخلاقيات.
لسنا دولا فاشلة فقط. ولا مجتمعات فاشلة فقط. إسلامنا نفسه يبدو فاشلا أيضا. فهو لم ينجح في حل معضلة، ولا في تحديد إتجاه للمستقبل، ولا تقديم رؤية معاصرة لحياتنا المعاصرة. وعندما حار فقهاؤه في العثور على جواب، فماذا فعلوا؟… اقترحوا العودة الى الوراء!
السلطة نتنازع عليها منذ حادثة السقيفة الى يومنا هذا، من دون ان نتفق على معيار لتداولها. وما نزال نتلظى بجمر جمهوريات ملكيات، وملكيات غير دستوريات، وجنرالات إنقلابات، من دون ان يشعر فقهاء التبرير بالإحراج.
ويفقر الملايين ويجوعون ويتشردون بفضل الفشل المتواصل والمتراكم للدولة، من دون ان يبدو الإسلام، بصورته الراهنة، قادرا على تقديم النصح ولا الإرشاد، ولا توفير المقومات الأخلاقية الكافية لجعل النظام السياسي نظاما يتقي الله في شعبه.
وتُنتهك الحقوق ويختفي العدل ويعم الفساد قمة الهرم، من دون أن يشعر المعنيون بالدفاع عن صورة الإسلام أن الأمر يهمهم أو يشكل تحديا لقيم دينهم.
وبفضلهم صار دين الحرية دينا للإستعباد، ودين الثورة دينا للردة، ودين التقدم دينا للتخلف، ودين المساواة دينا للتمييز واللامساواة، ودين التنوير دينا للظلام، ودين العدل دينا للطغيان.
هذه هي المشكلة. فالمسلمون ظلوا يخذلون دينهم، حتى لم يعد في إسلامهم إسلام.
وشيوخ الطغيان وآيات الشيطان هم الذين أوصلونا الى هذه الحال. هم شركاء العلة، وأصلها أحيانا، ومن سقوط عمائمهم يبدأ الشفاء. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com