مصب واحد للميليشيات العنصرية والطائفية في العراق

بقلم: جمال محمد تقي

الهدف من تقسيم العراق هو تقاسم ثرواته حتى يصبح لكل حقل بترول فيه امارة يتناوب على حكمها ابناء أمراء الحرب وآيات التقية المنافقة ومشايخ القرون الوسطى واغوات السفه القومجي واتباع كولبنكيان من مثقفي النسب المئوية في الصفقات النيوليبرالية والسوق المفتوحة ذات الجذر الكمبرادوري المتوشح بديمقراطية التحاصص اللصوصي.
فمنذ الاحتلال الاميركي للعراق وحتى الان والميليشيات الكردية (البيشمركة) تسرح وتمرح في كركوك بعد ان كانت تترهب من مجرد الاقتراب منها. وكانت هذه الميليشيات تكمن في الجيب الخاضع للحماية الاميركية شمال العراق، وكان يدفع بها دفعا لمحاولة اثارة القلاقل في المدينة الصامدة ايام الحصار الشامل على العراق وشعبه دون جدوى بسبب الحزم الذي تواجه به من قبل الجيش العراقي الباسل الذي كان لا يردعه رادع في تطبيق القانون.
وقتها كانت المدينة مثلها مثل اي مدينة عراقية اخرى آمنة بسكانها ومتآخية فلم يجر طرد مواطني كركوك من الاكراد او العرب او التركمان او المسيحيين بدلالة وجودهم الشاخص فيها، وانما جرى اعادة توزيع من يشكلون حاضنة محتملة للارهابيين المدفوعين من الاميركيين او دول الجوار. فجرى فعلا تهجير حوالي 8000 عائلة من بعض العشائر الكردية من امصار مدينة كركوك، اي من المناطق المتداخلة مع الجيب المحمي. واما الاجراءات العقابية التي اتخذتها اجهزة النظام السابق لاسباب سياسية بحق المتمردين او المعارضين اوالمعادين لسياسته فهي لم تكن قط ذات دوافع عنصرية، لان اغلب مكونات الاجهزة القمعية للنظام السابق في تلك المناطق كانوا هم انفسهم من الاكراد والعرب والتركمان. فلو اراد النظام السابق اجراء تطهير عرقي فعلي في كركوك، كما يدعي قادة الميليشيات الكردية في المدينة، لعمل على تهجير مكونها الكردي، وهذا ما لم يحصل قط. فالاكراد باقون في المدينة كما كانوا وكذلك العرب والتركمان والمسيحيين رغم التجاوزات المحصورة بدوافع سياسية.
بعد الاحتلال لبست الميليشيات الكردية لباس القوات الحكومية المركزية واعلنت ومنذ البدء عن ان كركوك منطقة متنازع عليها وراحت تمارس سيطرتها التامة على مؤسساتها وتهجر وتضطهد من تجده لا يساير نزوعها الاستحواذي. كل هذا استعدادا للحظة المناسبة التي تتكامل فيها مستلزمات الانفصال الكامل عن الدولة العراقية. هذه اللحظة التي لا تأتي الا اذا:
أولا، تواصل مسلسل تكسير واضعاف مؤسسات الدولة العراقية. وهنا راح قادة الميليشيات الكردية يعملون بكل جهادية لنهب العراق واشغاله بهموم لا تنتهي. وقد ثبت بالدليل القاطع تورط قادة كبار في جهاز "الاسايش" (المخابرات) الكردي بتمويل اعمال الارهاب في الموصل وديالى والان في كركوك.
وثانيا، الا اذا بقي العراق اسيرا تابعا للاحتلال الاميركي. وهنا ايضا يبذل قادة الميليشيات الكردية كل طاقتهم لبقاء الوجود الاميركي الى امد طويل في العراق، حتى ان جلال الطالباني زعيم حزب الإتحاد الوطني الكردستاني، ومسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، لا يتورعان عن اعلان رغبتهما الصريحة بدعوة الاميركيين لبناء قواعد ثابتة لهم في المناطق التي يحكمانها. لقد طالب العرب والتركمان باحلال قوات أمن وشرطة من مناطق وسط وجنوب العراق تفاديا للمواجهات المحتملة وايضا لتطبيع الاوضاع في المدينة باياد محايدة، لكن قادة الميليشيات الكردية رفضوا ذلك وهم على يقين بعدم قدرة الحكومة العراقية على اجبارهم لفعل ذلك. فإقرار الأمر الواقع هو ما يريدوه، والمخادعة هنا انهم يقدمون انفسهم كجزء من القوات العراقية الرسمية وهي فعلا تأخذ ارزاقها من مخصصات وزارة الدفاع العراقية لكنهم لا يؤتمرون الا بأوامر قادة الميليشيات. فأي مسخرة هذه؟
اما الحكومة المركزية المحكومة اصلا بالتحاصصات والتحالفات الطائفية والعنصرية والمكفولة بالوجود الاحتلالي في العراق والعاجزة ـ حتى لو ارادت ـ عن كبح جماح النزوع الاستقلالي لقادة الميليشيات الكردية وعن فك عزلة المناطق الشمالية عنها، والمتسقة مع نفسها في صوغ تحالفات مكوناتها (والتي تضم احزابا طائفية وعنصرية قومية باذرع ميليشياوية وعلى راسها "المجلس الاعلى" و"منظمة بدر" و"حزب الدعوة" فضلا عن حزبي البرزاني والطالباني وحزب طارق الهاشمي ومن لف لفهم) انها غارقة بما هي فيه، وهي تعرف ان اصلاح الخلل القائم يكلفها حياتها، فهي حكومة مبنية على قاعدة الخلل القائم منذ احتلال العراق وتدمير دولته الموحدة نحو دويلات معزولة عرقيا وطائفيا لا يربطها غير رابط اسمي هش هو العراق.
هل توقيت انفجارات كركوك مصادفة؟
صحيح ان السيناريو الظاهر من النتائج الدموية للتظاهرة الاحتجاجية التي اخرجتها الميليشيات الكردية يوم الاثنين المصادف 28 يوليو/تموز في كركوك ـ اكثر من عشرين قتيل وعشرات الجرحى وحرق مكاتب الاحزاب التركمانية ومقر الفضائية الخاصة بها ورفع علم الاقليم الميليشياوي عليها اسوة بغيرها من المقار الرسمية في المحافظة، جاءت كواحدة من الردود على محاولات اطراف في البرلمان العراقي لمعالجة ازمة كركوك بعقلانية بعيدة عن سياسة الأمر الواقع التي تحاول فرضها قيادات الميليشيات الكردية والهادفة بالنتيجة لضم المحافظة الى اقليمها، وصحيح انها رسالة ابتزاز وتحدي واستعراض للقوة امام مرأى ومسمع كل المعترضين على نهجها في كركوك وغيرها، وصحيح انها جاءت كانتقام من الدور الفاعل لممثلي التركمان والعرب الذين يصرون على ابقاء كركوك كعراق مصغر يتعايش فيه الجميع بالتساوي، لكن الصحيح ايضا ان السفير الأميركي ريان كروكر كان قد اعطى بتصريحاته المشجعة للبارزاني الضوء الاخضر لمزيد من التصعيد في نفس الوقت الذي تعاود فيه مجددا تفجيرات المدنيين في بغداد وغيرها من مناطق العراق والممولة والمموهة من فاعل يستفيد من تداعيات التصعيد في هذه الايام التي ستبصم الحكومة العراقية في اواخرها على صك الوصاية الاميركية على العراق، بمعزل عن طبيعة تسميته: معاهدة او بروتوكول او اتفاقية او تفاهمات او محضر.
من المفيد هنا الاشارة الى ملاحظة شهود عيان على مجزرة كركوك الاخيرة التي تقول: ان افراد الدوريات الاميركية المتجولة والراكبة كانت قد انسحبت من شوارع المدينة فاسحة المجال لافراد الميليشيات الكردية التي ترتدي الزي المدني او زي الشرطة والحرس الوطني لتحرق امام اعينها مقار وبعض بيوت التركمان، ثم لا تبالي لحصول انفجار كبير ـ مدبرـ سقط فيه مدنيون ترافق مع اشاعة مسبقة وملفقة تتهم حراسات مكتب الجبهة التركمانية بتنفيذه، وهي الحراسات التي اطلقت النار في الهواء لاخافة المهاجمين وابعادهم.
كل هذا يحدث والقوات الاميركية لا تتدخل وهي التي كانت قبل ايام تفرض حضرا وسيطرات محكمة وتندفع للتحقق من اي عملية اطلاق نار او تفجير يحدث في المدينة.

الاحزاب الكردية وهوس الدولة القومية

اصبح بناء دولة عراق اليوم على اسس طائفية وعرقية هو أم المشاكل الحقيقية الطافحة على وجه بلادنا مهما حاول المدعون تجميل هذا القبح الوبائي بعبارات مزوقة وبراقة كالفدرالية، والتعددية، واللامركزية، أما الاب الروحي لها فهو المحتل ومشروعه الشرق اوسطي الجديد الداعي لتفتيت دول المنطقة الى ملل ونحل يسهل سوقها واخضاعها. فتمزيق النسيج الوطني العراقي بحجة اعادة حياكة خيوط مكوناته وفق رغبات كل مكون على حدة، يقع في صميم المقاصد الحقيقية الكامنة وراء اعادة الغزل على اسس طائفية وعرقية ووضعها ككتل نوعية متقابلة لا يجمعها جامع الا اطار شكلي رخو يحل محل الرابطة الوطنية التي تمزج في نسيجها كل الانواع، وذلك ليتمكنوا لاحقا من فصلها عن بعضها ودون عناء.
تدعي الاحزاب العنصرية الكردية ان اقليم كوردستان ليس باقليم قومي وانما هو اقليم جغرافي واداري يستوعب كل الاقليات القومية والطائفية التي تقطنه ويمنحها كامل الحرية للمشاركة الفعالة في مختلف مجالات الحياة فيه، وهو لا يفرض عليها اية استحقاقات اضافية غير استحقاقات المواطنة العامة. لكن واقع الحال يخالف هذه الادعاءات التي تبتغي ذر الرماد في العيون. وكما يقال فان المكتوب يقرأ من عنوانه. وعنوان هذا الاقليم هو كوردستان (أي بلاد الاكراد)، وبالتالي فان الاكراد هم من يسير دفة الاقليم، والاخرون يسيرون على ذلك المسار. ولغة الاقليم الرسمية هي الكردية، والعطل الرسمية بمناسبات كردية، والعلم كردي، وكذلك القوات المسلحة وعقيدتها القتالية كردية حصرا (البيشمركة)، ونشيد الاقليم ("هي رقيب") هو نشيد البيشمركة، والذي يقول انه الفدائي الكردي الذي يقاتل من اجل قومه وعشيرته حتى الموت، وبالمعنى القبلي الشائع انصر اخاك ظالما او مظلوما. اضف الى ذلك، فان هناك صراعات قديمة بين الكثير من العشائر الكردية ومن جاورها من الاشوريين والتركمان والشبك واليزيدية تتعلق بحيازة الاراضي والرعي وفرض النفوذ. لذلك كان الدور مطلوبا على الدوام لتحكيم جهة مركزية لها نفوذ على الجميع. وعلى هذا الاساس نرى ان اغلب الاقليات الاخرى في العراق تعارض التحاقها باي اقليم قومي او طائفي لانه سيضيق الخناق عليها وعلى ثقافتها. وعليه نراها تتمسك بانتمائها للعراق كاقليم جغرافي واداري وتاريخي واقتصادي وحضاري واحد غني وواسع وتعددي لا تطغي عليه غير ثقافته العربية الاسلامية التي تعكس في روحها ثقافة الجميع (مسلمون ومسيحيون عرب وكرد وتركمان وشبك وصابئة ولريين) كلحمة متحققة عمليا لكل هذه الانسجة الاجتماعية في بوتقة واحدة هي المواطنة العراقية.
ليس من المعقول ان يقبل الاكراد لغيرهم ما يرفضوه لانفسهم، فهم يدعون انهم يرفضون ان يكونوا جزءا من وطن لا تسوده ثقافتهم القومية وعليه راحوا يطرحون موضوعة الوطن الكردي الصغير ("دولة كوردستان العراق") باتجاه الوطن الكردي الكبير ("كوردستان الكبرى")، علما ان العراق ليس وطنا قوميا خاصا بالعرب فقط، على الرغم من كونهم يشكلون اكثر من ثلاثة ارباع السكان، وانما هو وطن متعدد الاعراق. فالعراق شعب واحد بقوميات وطوائف متعددة، ولم يقل احد يوما ان العراق بلاد للعرب فقط، ولم يرتهن الاسم الرسمي لدولة العراق القديمة والحديثة باسم القومية العربية. وعليه كانت معظم الاقليات تساهم لتقوية عراقية المواطن على حساب الانتماءات الاخرى. وهذا يشمل الاكراد ايضا حيث تمتعوا بحقوق تعتبر مكاسب بالمقارنة مع اقرانهم في الدول الاخرى. ورغم كل الاساءات السياسية التي تعرضوا لها كباقي ابناء الشعب العراقي وبكل مشاربه لكنها تبقى طارئة وشاذة. أما القياس عليها وتأويلها لصالح الاجندة الانفصالية التي تريد تدمير الوطن العراقي برمته فهو سلوك تآمري يتحايل على الواقع لتجيير مستقبله لصالح حفنة من المنتفعين والمتاجرين زورا وبهتانا باسم الوطن القومي للاكراد.
لا يوجد وطن قومي في العراق. يوجد وطن لشعب متعدد الاعراق وهذا هو قدر الوطن العراقي نحو مشروع أمة عراقية جديدة بثقافة عربية اسلامية. اما وطن قومي للاكراد فلن يُقبل من العرب والتركمان كوطن لهم ولاغيرهم من الاقوام والطوائف الاخرى لانه حدد نفسه بنفسه. ثم، ما ذنب هذه القوميات لتلتحق بوطن قومي كردي لديه مشروع كردستان الكبرى يثير لها جميعا متاعب وحروب هي في غنى عنها؟
هناك ازمة حقيقية في الخطاب المتنفذ للحزبين الكرديين. انه خطاب متناقض ويعاني من الازدواجية والانفصام وهذه الازمة تعبر عن قصور في اتساق ما هو ذاتي وموضوعي في صيرورة حركة التطور الاجتماعي الاقتصادي في شمال العراق التي يغلب عليها طابع العلاقات البدائية ما قبل الحواضر الصناعية ـ علاقات رعوية وانتاج زراعي يتصف بالعزلة مما يجعل من العشيرة والانتماء المناطقي هو النمط السائد في التجمعات السكانية. وهذا الواقع سوف لن يكون عونا لقيام دولة قومية على الرغم من وفرة نخب كردية تتطلع لتجاوز ما هو موضوعي بالارادوية التي سوف لن تجلب لاصحابها غير الخيبات. فاكراد العراق لا يجتمعون على لغة واحدة، ولا حتى على ثقافة واحدة، وهذا ما يلاحظه اي مطلع حصيف في الفروقات بين مناطق سوران وبادينان. ناهيك عن التباينات في مستوى تطور الانتاج وعلاقاته. انه خطاب يحاول تقليد خطاب الحركة القومية العربية القديم في جزئية الوحدة القومية والذي تم تجاوزه نحو افاق رحبة جديدة لا مكان فيها للعنصرية القومية، هي افاق التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي نحو أمة السوق الواحدة والثقافة الواحدة ـ عربية اسلامية ـ بعروق قومية متعددة.
ولكن الملفت ان بعض القيادات النخبوية الكردية تجد ظالتها بنماذج دول الريع النفطي في الخليج حيث تعتقد ان وفرة الريع النفطي سيكون حافزا مستجدا يخفف من ضغوطات عجز العوامل الموضوعية، متناسين ان دول الريع النفطي الخليجي قد تم قيامها بتعمد تقسيمي غربي لضمان ارتباطها به طلبا للحماية. واذا افترضنا جدلا ان الغرب اراد فعلا تكرار تجربة دول الخليج في مناطق الريع النفطي لديهم فمعنى هذا ان ما يسمى بكوردستان ستكون عبارة عن امارات ودويلات ريعية، واحدة في دهوك والاخرى في طقطق وثالثة في اربيل ورابعة في كركوك وهكذا، ليضمن الغرب تبعيتها من خلال فرض حمايته عليها. فاي دولة قومية تنتظرها مثل هذه النخب؟
لقد اثبتت التطورات الجارية مؤخرا في العراق ان القيادات المتنفذة في الحزبين الكرديين تحاول تأجيل الاجابة على اسئلة الاستحقاقات الحقيقية لتطلعاتهم. وما التجريب السياسي الذي تمارسه الا وسيلة من وسائل هذا التأجيل الذي اصبح سنة لديها. وكان وما يزال الموقف من كركوك وما تتقدم به حولها ثم تتراجع عنه الا مثال حي على تجريبية تلك القيادات التي تعكس هشاشة موضوعية فيها. جمال محمد تقي