ليماسول لم تفصح عن نفسها بعد

كتب ـ أحمد فضل شبلول
ليماسول تعطي وجهها لمصر

لم يفصح لنا تاج السر (السوداني) عن كل أسرار مدينة ليماسول القبرصية، فظللنا نجهل بعض أماكنها وبعض مفاتيحها وخاصة يوم الأحد حيث لا يعمل أحد بالمدينة، وتتوقف وسائل المواصلات ـ على قلتها ـ بها.
التقينا تاج السر مصادفة عندما كنت أبحث، مع صديق الرحلة حسن الأشقر، عن مخبز أو مكان يباع فيه الخبز، صبيحة وصولنا إلى مدينة ليماسول التي جئنا إليها من مطار لارناكا ليلا فلم نر أي شيء من معالمها.
بعد رحلة مرهقة من الإسكندرية إلى مطار القاهرة، فمطار لارناكا، ثم رحلة برية استغرقت أكثر من ساعة إلى ليماسول، استسلمنا، بعد أن استلمنا حجرتنا بالفندق، إلى نوم عميق. وبعد أن صحونا وتناولنا إفطارنا بمطعم الفندق خرجنا إلى الشمس القبرصية المتوهجة، لنبحث عن مكان يبيع الخبز لتناول طعام الغداء عن طريق ما نحمله من معلبات مصرية، فحجز الفندق يشتمل على وجبة الإفطار فحسب.
لم تستطع فتاة المحل القبرصية الذي بجوار الفندق، والذي ابتعنا منه زجاجات المياه بعرض خاص (6 زجاجات عبوة كبيرة بيورو واحد و90 سنتا) أن تدلنا على مخبز، أو تفهم ما نطلب فهي لا تتحدث سوى اليونانية، ولم تفهم حديثنا بالعربية أو الإنجليزية.
وبعد أن صعدنا إلى حجرتنا رقم 415 لنضع زجاجات المياه بالثلاجة، نزلنا نتجول في شوارع ليماسول المحيطة بالفندق، على الرغم من درجة الحرارة المرتفعة وسط النهار (32 درجة مئوية) وعدم وجود أناس يمشون في الشوارع.
أشار موظف الاستقبال أن نتجه جنوب الفندق، فوجدنا أنفسنا في منطقة هادئة معظم بيوتها من الفلل الصغيرة أو البيوت التي لا ترتفع أكثر من دور أو دورين والمغطاة كلها بالقرميد الأحمر، ويحمل طلاؤها اللون البيج الفاتح مثلها مثل معظم البيوت الصغيرة في أوروبا.
لم يكن أحد سائرا في الشوارع الخلفية للفندق، ولكن لمحنا شابا أسمر يسير إلى جوار عجلته، فظننا أنه شرق آسيوي (هندي أو بنجلاديشي أو سيرلانكي) ولكننا عندما بدأنا نسأله عن مخبز قريب، ابتسم ابتسامة هادئة وتحدث إلينا بالعربية، وقال لنا إنه سوادني يعمل في ميناء ليماسول منذ أكثر من سبع سنوات، إلى جانب عمله بالمعمار أيضا.
قصة كفاح عربي للعيش في بلد أوروبي صغير لحق بالاتحاد الأوروبي مؤخرا فتحولت عملته من الجنيه القبرصي (الذي كان متينا) إلى عملة الاتحاد الأوروبي (اليورو) فارتفعت أسعار جميع السلع.
أثناء تجوالنا مع ختم السر في شوارع ليماسول القريبة من الفندق عرفنا منه أن حاول أن يدرس بالأكاديمية العربية للنقل البحري بميامي بالإسكندرية التي عاشها فيها ما يقارب العام، إلا أن تكلفة الدراسة العالية بها حالت دون إتمام الدراسة فعاد ثانية ليكافح في قبرص.
عرفنا مخبزا قريبا جدا لم نره بجوار الفندق من الناحية الغربية، دلنا عليه ختم السر، وأصر على أن نشرب معه القهوة بمقهى قريب سيلتقي فيه بمعلمه القبرصي الذي سيعطيه راتبه الأسبوعي، فاليوم يوم جمعة يتقاضي فيه العمال رواتبهم الأسبوعية، ثم يتمتعون بعطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد.
أثناء جلوسنا على المقهى التقى تاج السر ببعض القبارصة الأتراك واليونانيين، وقام بتعريفهم علينا، بعضهم كان يبتسم ويتحدث قليلا من العربية عندما يعرف أننا من مصر، وأحدهم صاح بكلمة (الإسكندرية) في سعادة بالغة عندما سأل من أي مكان في مصر، وعرف أننا منها، وآخر أشاح بوجههه ومضى في حال سبيله.
كان الكثير من القبارصة يعيشون في الإسكندرية قبل عام 1956 ويعملون بالتجارة والعطارة ويمتلكون محلات البقالة والخردوات ويسافرون إلى بلادهم ويعودون دون تأشيرة، فكانت الإسكندرية بالنسبة لهم وطنا ثانيا، وأحيانا وطنا أولا، وكنا نسمع عن الحرب الدائرة بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين منذ عقود من السنوات، وكان الأسقف مكاريوس اسما حاضرا في الأذهان لسنوات طويلة.
أوضح لنا تاج السر أن الطرفين يعيشون الآن في سلام وهدوء، وأن الكل يريد أن يعيش ويستمتع بالحياة، غير أننا فهمنا أن الجزء التركي في قبرص (ومعظمهم من المسلمين) لم يدخل الاتحاد الأوروبي، حيث أن تركيا نفسها لم تدخل هذا الاتحاد بعد. ولم أفهم أن تدخل دولة أو جمهورية ما في تكتل اقتصادي ما أو حتى سياسي دون جزء منها!
لم يستطع تاج السر أن يجيب على بعض الأسئلة التي حيرتنا في التركيبة القبرصية، والعلاقة الحالية بين سكانها مع تركيا واليونان، أو أنه من الحصافة بحيث لا يجيب على أسئلة قد تفجر حوارا غير مرغوب فيه، من الممكن أن يشارك فيه بعض الجالسين على المقهى من قبارصة أتراك وقبارصة يونانيين وشاب سوداني واثنين من المصريين.
غير أنه دلنا على بعض البيوت والمساكن التي تقع أمام المقهى وجواره لقبارصة أتراك عاشوا فيها أثناء الحرب بين الفريقين، وعند نهاية الحرب التي وقعت منذ 35 عاما سمحت لهم الحكومة القبرصية بامتلاكها على ألا يبنون عليها أو يبنون بالأراضي الفضاء حولها.
وقد لاحظت بعض الحساسية لدى القبارصة اليونانيين من كلمة الأتراك أو من كلمة تركي، وعاينت ذلك بنفسي عندما ذهبنا في يوم تال إلى طريق الكورنيش بعد أن قمنا بانتظار الباص لأكثر من نصف ساعة أمام الفندق، وهناك جلسنا في كافتيريا، وطلب الأشقر شايا وطلبت قهوة تركية (تُركيش كوفي) فغضبت الفتاة التي تقدم الطلبات من قولي (تُركيش كوفي) وأفهمتني أن القهوة عندهم قهوة يونانية وليست تركية. وفتحت لي قائمة المشروبات والمأكولات فوجدت أن المكتوب بها قهوة يونانية (جريس كوفي).
ابتسمتُ لها، وأوضحت أن الأمر سيان عندي والمهم أن لا تكون القهوة (اكسبريسو) كالمنتشرة في أوروبا وشربتها في مدن أوروبية زرتها من قبل (باريس ولندن وقرطبة وفارنا واستانبول)، ففهمت ما أريده، وأتت بالقهوة المطلوبة (أُم وش). مؤكدة لي أنها قهوة يونانية (جريس كوفي) وليست قهوة تركية (تركيش كوفي).
لم يكن تاج السر معنا ليطلعنا على الأسرار الخفية لدى القبارصة، وكيف نتعامل معهم حتى لا يغضبوا بهذه الطريقة.
ولاحظت أن سعر القهوة أقل من سعر الشاي بكثير، بل إن الشاي غير مطلوب كثيرا عندهم، وإذا طلب أحد الزبائن شايا ثقيلا اعتبروه مجنونا. حتى عاملة الفندق القبرصية عندما نطلب شايا ضمن قائمة الإفطار، توضح لنا أن القهوة بالحليب (أو النسكافيه) أفضل من الناحية الصحية فهي تفتح الشرايين وتقوي الأعصاب أو تنبهها في بداية اليوم.
يقع الفندق الذي نزلنا فيه في منطقة بعيدة عن البحر لابد من وسيلة مواصلات للذهاب إليه، ومن الواضح أن وسائل المواصلات نادرة هنا في ليماسول، وخاصة يومي السبت والأحد، فبعد نصف ساعة انتظار أمام محطة أوتوبيس بجوار الفندق جاء أتوبيس النقل العام الذي سيأخذنا إلى ساحة قريبة من البحر (وسعر تذكرته يورو ونصف يورو) وبالفعل ذهبنا إلى هناك، ولم نجد شيئا متميزا فأغلب البضائع واردة من الصين كالتي نجدها في أي مكان الآن، وقليلة هي المنتجات القبرصية. وقال لنا أحد القادمين معنا من مصر إنه حتى المنتجات القبرصية مشكوك في أنها صينية ولكن وضعت عليها عبارة "صناعة قبرصية".
حتى الجلود التي قرأت أن قبرص تتميز بها أوضح لنا أحد بائعي الحقائب والشنط والأحزمة الجلدية أنها واردة الصين، وقال ضاحكا إن كل بضائع هذا المحل من الصين، وأنها تختلف في درجة جودتها تبعا للسعر الذي تباع به.
لم نجد بحرا يصلح للاستحمام في ليماسول، وكأننا ذهبنا إلى منطقة صخرية أو ميناء تكثر فيها السفن، وقال حسن كمال (أحد رفقاء الرحلة من الزقازيق) أتتركون شواطئ الإسكندرية وتبحثون عن السباحة هنا؟ ووجدت رأيه معقولا.
بعد حديث طويل حول عدم صلاحية ليماسول لأن تكون مصيفا متميزا مثل غيرها من المدن الأوروبية المتوسطية، اكتشفنا أن المدينة تعطي وجهها لمصر، وأنها تقع في الجنوب القبرصي المطل على السواحل المتوسطية المصرية.
تقول الكتب السياحية عن ليماسول إنها ثاني أكبر مدينة قبرصية تقع بجوار البحر، وتشتهر بمهرجاناتها وحفلاتها الترفيهية منذ زمن بعيد، وهي أكثر المدن شهرة، وتعتبر منتجعا سياحيا جذابا ومركزا تجاريا للأنشطة التجارية عبر البحار، وهي مدينة صاخبة عالمية تستقبل الآلاف من البشر من جميع أنحاء العالم يقضون عطلاتهم بها والتي تلبي كافة أذواقهم وتطلعاتهم.
وتعد قلعة ليماسول، ومتحف المركز، وقلعة كولوسي، والمسرح الروماني القديم، ومعبد أبولو، وأماتوس القديمة، من أماكن الجذب السياحي بالمدينة. ولكننا لم نشهد هذه الأماكن بعد. ويبدو أن تاج السر (السوداني) الذي التقيناه صدفة لم يفصح لنا بعد عن كل أسرار ليماسول، كما أن العاملين بالفندق لا يهمهم أن يفصحوا لنا عن الجمال الذي تتحدث عنه الكتب السياحية التي قرأناها عن ليماسول والذي لم نره بعد. أحمد فضل شبلول ـ ليماسول (قبرص)