سؤال برسم المفاوض الفلسطيني

بقلم: نقولا ناصر

من المقرر ان تصل وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس هذا الاسبوع في جولة من جولاتها المكوكية في اطار التنسيق الاقليمي بين دولتي الاحتلال الاميركي والاسرائيلي، ومن المتوقع كالعادة ان تعرج رايس على سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية لكي تبيعها مزيدا من الاوهام السلمية وتشتري منها المزيد من الوقت لحليفها الاستراتيجي الاقليمي كي يخلق المزيد من الحقائق على الارض المحتلة عام 1967، ومن المتوقع كذلك ان تكرر قيادة الحكم الذاتي نفسها لكي تشتري من رايس بضاعتها الفاسدة بابخس الاثمان فتجدد التزامها بعملية انابوليس التي تلفظ انفاسها الاخيرة وتؤكد تمسكها بسراب السلام كخيار استراتيجي وبالمفاوضات العقيمة وبمواصلة الارتهان للوسيط الاميركي الذي يؤكد يوميا رفضه التوسط بغير رعاية لقاءات ومحادثات ثنائية فلسطينية – اسرائيلية لا يعرف احد عنها شيئا.

لكن الاخطر من كل ذلك هو ان قيادة الحكم الذاتي سوف تجدد لرايس التزامها بالاليات الامنية المنبثقة عن "عملية انابوليس" التي لم يبق منها سوى هذه الاليات بالرغم من ان الهدف السياسي المعلن الذي انشئت هذه الاليات من اجله لم يعد له وجود و"الرؤية" التي سوغت انشاءها قد تبددت لا بل ان الرئيس الاميركي صاحب هذه الرؤية وادارته لم يعد لهما أي صلاحيات تنفيذية غير الاعداد لتسليم هذه الصلاحيات لادارة حكومية جديدة في كانون الثاني / يناير المقبل.

وتتوالى يوميا الدلائل على انهيار عملية انابوليس لاطلاق مفاوضات فلسطينية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي وتتوالى معها التحذيرات من انفجار وشيك للـ"عنف" بينما يستمر المفاوض الفلسطيني في زج الجبهة الداخلية في معارك مفتعلة تزيد في انقسامها الراهن وتجردها مما تبقى لها من مقومات الدفاع المشروع عن الذات وفي الوقت نفسه يستمر هذا المفاوض في بيع الوهم للمواطن الفلسطيني كما يستدل من استمراره في تعليق الامال على جولة مكوكية جديدة للوزيرة رايس يوم الاحد.

وكانت تصريحات وزيرة خارجية دولة الاحتلال تسيبي ليفني امام الصحفيين الاجانب يوم الخميس الماضي احدث تحذير من الانفجار الوشيك، فالظروف الراهنة، كما قالت، "شبيهة بطريقة ما" بالظروف التي قادت عام 2000 الى اندلاع انتفاضة الاقصى في اعقاب فشل قمة كامب ديفيد الاميركية – الفلسطينية – الاسرائيلية خلال الشهور الثلاثة الاخيرة من ولاية الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون.

وجاء تحذير ليفني قبل ثلاثة ايام من الزيارة المقررة لرايس وكانما لتجهضها قبل ان تبدا، اذ حاولت الاقلال من اهمية الالتزام بـ"الجدول الزمني" للالتزام بالتوصل الى اتفاق مع الجانب الفلسطيني قبل انتهاء ولاية الرئيس الاميركي جورج دبليو. بوش في كانون الثاني / يناير المقبل بقولها ان "ما هو اكثر اهمية (من الجدول الزمني) هو محتوى التفاهم الذي يمكن التوصل اليه مع الفلسطينيين وطبيعته" لكي تحذر رايس دون مواربة ضد أي محاولة سابقة لاوانها للتوصل الى اتفاق "غير شامل" مع الجانب الفلسطيني لاقامة دولة فلسطينية قبل انتهاء ولاية بوش لان اي اتفاق كهذا اذا لم يكن "شاملا" لن يقود سوى الى سوء الفهم والعنف.

فاذا كانت ليفني لا تعتبر موعد نهاية ولاية بوش "هاما" لتذكر بقول رئيس وزرائها الاسبق اسحق رابين ان "المواعيد ليست مقدسة"، واذا كان "محتوى" أي "تفاهم" مع الجانب الفلسطيني لن يزيد على كونه "اتفاق رف" رفضه المفاوض الفلسطيني كما اقترحه رئس وزراء دولة الاحتلال ايهود اولمرت اوائل الشهر الجاري، واذا كانت "عملية انابوليس" الي انطلقت في تشرين الثاني / نوفمبر العام الماضي قد ادخلت الى امد غير منظور في ثلاجة التغيير الحكومي في واشنطن وتل ابيب، فان السؤال البسيط الذي يؤرق المواطن الفلسطيني هو لماذا يستقبل المفاوض الفلسطيني رايس!

لكن السؤال البسيط الاخر الاخطر هو لماذا يستمر التزام المفاوض الفلسطيني وحرصه على اليات التنسيق الامني التي يقودها الجنرالات الاميركيون الثلاث وليم فريزر وجيمس جونز وكيث دايتون، واذا كان تفويض هؤلاء الجنرالات الثلاث قد فقد هدفه السياسي المعلن لماذا يستمر وجود هؤلاء الجنرالات اصلا واي هدف يخدم وجودهم غير خدمة اهداف الاحتلال وامن توسعه الاستيطاني وامن الجدار "الامني" الذي لم يعد حتى المفاوض الفلسطيني يشك في انه هو الحدود الجديدة التي تسعى دولة الاحتلال لترسيمها لنفسها؟
ان استمرار وجود هؤلاء الجنرالات لم يعد له أي هدف سياسي ولم يعد له أي علاقة باي "عملية سلام" ذات حد ادنى من الصدقية مثله مثل أي زيارة جديدة لرايس، فوجودهم وزياراتها التي لم يعد المراقب قادرا على عدها لم يستطع تفكيك "بؤرة" واحدة مما تسميه مصطلحات الاحتلال البؤر الاستيطانية العشوائية ولم تحرك حاجزا رئيسيا واحدا من مكانه من الحواجز العسكرية التي تقيمها قوات الاحتلال في الضفة الغربية.

ان المفاوض الفلسطيني مطالب بتفسير مقنع لاستمرار الجنرالات الاميركيين الثلاث في الاشراف على تنفيذ الجانب الفلسطيني لالتزاماته بموجب المرحلة الاولى من خريطة الطريق بينما الجانب الاسرائيلي قد تحلل تماما من أي التزامات بموجبها، طبقا لتصريحات كبار المفاوضين الفلسطينيين انفسهم، وبتفسير لاستمرار التنسيق الامني مع الاحتلال ولاستمرار بناء الاجهزة الامنية الفلسطينية في معزل كامل عن اي خطة سياسية كما انه مطالب بتفسير اسباب استقباله لرايس في ضوء انهيار عملية انابوليس التي انبثقت عنها تفويضات اؤلئك الجنرالات والتي كانت تسوغ جولات رايس السابقة.

وفي ضوء استمرار رهان المفاوض الفلسطيني على واشنطن لا يتوقع احد من هذا المفاوض الرغبة او القدرة على رفض استقبال رايس او مطالبتها بتجميد تفويض جنرالاتها الثلاث، لكن ما زال في امكانه للحفاظ على ما قد يكون تبقى له من صدقية ان يقتصر في استقباله لها هذه المرة على ما تقتضيه اللياقة الدبلوماسية من مجاملة فهي لا تستحق اكثر من ذلك كونها مرغت كرامة هذا المفاوض بالتراب بوعودها الكاذبة حتى لم تبق له أي حد ادنى من المصداقية لدى شعبه، خصوصا بعد ان عاد من زيارته الاخيرة لواشنطن بخفي حنين وبخيبة امل معلنة لم يستطع اخفاءها.

وفي هذا السياق لا يسع المراقب ايضا سوى ان يسجل على المفاوض الفلسطيني سرعة التراجع عن تصريحاته التي يطلقها بين وقت واخر للاستهلاك المحلي من اجل تنفيس الغضب الشعبي على ادائه، فعلى سبيل المثال حرص الوفد الفلسطيني المفاوض قبل زيارته الاخيرة لواشنطن وفي اثنائها وفي اعقابها على ايهام شعبه بانه يدرس بدائل جديدة للمفاوضات العقيمة الراهنة بعد فشلها ووصولها الى طريق مسدود لكن سرعان ما "تعود حليمة الى عادتها القديمة" كما يستدل من استعداداته لاستقبال رايس مجددا للعودة الى النفخ في قربتها المقطوعة كما يقول المثل الشعبي، غير ان الذاكرة الوطنية لا تنسى لسوء حظه. وقد حان الوقت لكي يتوقف هذا المفاوض عن رهاناته الخاسرة وطنيا وعن بيع شعبه وعودا خادعة خلابة لم يعد يصدقها احد.

كما حان الوقت لكي يعود هذا المفاوض الى احضان شعبه قبل ان يفوت الاوان لكي يستجير بالوحدة الوطنية لهذا الشعب الصابر السمح، فناره ارحم من رمضاء المراهنة على امل خلب لدى من كانوا وما زالوا مسؤولين عن نكبة شعبه ونكسته وماساته الانسانية المستمرة، وربما يكون هذا هو الطريق الوحيد امام هذا المفاوض لكي تستفيد قضيته الوطنية من خبرته التفاوضية المتراكمة في اطار استراتيجية وطنية مختلفة تعتمد الثوابت الوطنية اساسا للمفاوضات لا موضوعا يجري التفاوض عليه!

ان تحذيرات تسيبي ليفني من انفجار وشيك تكاد ترقى الى التهديد بعدوان واسع جديد قد يوحي في ظاهره ان سيكون موجها ضد الخصم السياسي للمفاوض الفلسطيني لكنه في الحقيقة يستهدف كل قيادة واي قادة للشعب الفلسطيني بهدف ارغامها على الاذعان لاملاءات الاحتلال لفرض تسوية سياسية للقضية الفلسطينية لا يكون هناك أي فرق بينها وبين تصفية هذه القضية. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com