مصر وتداعيات القضية الفلسطينية، ضحية أم متواطئة؟

بقلم: د.ابراهيم أبراش

لم تكن جمهورية مصر العربية يوما بعيدة عن القضية الفلسطينية في أوقات السلم وفي أوقات الحرب. فلسنوات وقطاع غزة تحت الحكم العسكري المصري (1948- 1967) ومنظمة التحرير الفلسطينية تأسست بقمة عربية وبمبادرة مصرية، وحتى نبتعد عن التأريخ المفصل للعلاقة بين الطرفين سنتناول فقط العودة المكثفة للدور المصري في قطاع غزة منذ أرسلت مصر وفدا امنيا مقيما في قطاع غزة دون الضفة الغربية، وما تواكب مع هذا الوجود من انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من غزة ودخول حركة حماس للنظام السياسي الفلسطيني مع الانتخابات البلدية ثم التشريعية وما تلا ذلك من تفجر للاقتتال الداخلي، دون أن يتمكن الوفد المصري من عمل شيء، وهو الأمر الذي آل للحسم العسكري الذي أقدمت عليه حركة حماس بالقطاع، وما تلا ذلك من تداعيات نعيشها اليوم سواء بالنسبة للحوار الوطني أو فتح معبر رفح أو قصية الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط.
بإرادة ومعرفة من مصر أو بدون ذلك تتم اليوم عملية فصل للقضية (الغزاوية) عن القضية الفلسطينية حيث تتبلور بقطاع غزة حالة سياسية كيانية لا تعترف بالمرجعية التاريخية والقانونية الدولية والعربية للقصية الفلسطينية؛ حالة تتجه نحو قطع علاقاتها السياسية والقانونية مع المشروع الوطني ومع الشمال – إسرائيل والضفة- والتوجه نحو مشروع إسلامي مبهم وجنوبا نحو مصر. هذه الحالة الكيانية تحمل مصر مسؤولية عن الحصار على قطاع غزة من جانب، وتأمل، من جانب آخر، بأن تكون مصر هي مفتاح تثبيت شرعيتها العربية والدولة من خلال فتح معبر رفح الحدودي، الأمر الذي أثار كثيرا من التساؤلات حول حقيقة الدور المصري فيما جرى من أحداث وحقيقة الموقف المصري الآن بالنسبة للحوار الوطني ومعبر رفح وصفقة الأسرى وفصل غزة عن الضفة بشكل عام، وهل مصر ضحية الحالة الفلسطينية الداخلية وضحية مؤامرة إقليمية، أم هي جزء من تسوية خفية ترمي لإعادة صياغة القضية الفلسطينية بعد اتضاح فشل المشروع الوطني الفلسطيني؟. وهل أن مصر قادرة لوحدها بالفعل على حل معضلة معبر رفح وشاليط والحوار الوطني؟ أم أن هناك معادلة سياسية إقليمية تتجاوز مصر؟ وهل هناك إمكانية لحل القضايا المشار إليها بعيدا عن المفاوضات التي تجريها السلطة الفلسطينية مع الإسرائيليين؟
بعيدا عن الخطاب السياسي لطرفي الطبقة السياسية الفلسطينية الحاكمة؛ خطاب إخفاء عجز وفشل مشروع وسياسة كل طرف بالحديث عن فشل وعجز مشروع الطرف الثاني، وكأن الخطأ يبرر بالخطيئة؛ خطأ رام الله وحكومات فتح السابقة يُبَرِر خطيئة حركة حماس وحكومتها، وبالعكس. بعيدا عن هذا الخطاب سواء حول صفقة الأسرى أو الحوار الوطني أو فتح معبر رفح، فالواقع يقول بان إسرائيل لن تبرم صفقة أسرى خالصة مع حركة حماس، وان معبر رفح لن يفتح بشكل عادي حسب شروط حماس، وان الحوار لن يكون وإن بدأ لن يثمر شيئا وإن كل شيء سيبقى معلقا إلى ما بعد نهاية 2008 وبالأدق بعد اتضاح حصيلة المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية حيث سيتم الدمج بين كل هذه القضايا. هذا التباين بين ما تتحدث عنه حركة حماس وتريده والتحليل الواقعي والمنطقي له علاقة بمنهجين مختلفين لإدارة الصراع، النهج الصهيوني والنهج الفلسطيني.
فبينما الفلسطينيون يشتغلون بلا إستراتيجية عمل وطني وبلا هدف محل إجماع وتوافق ويغرقون بالتفاصيل والجزئيات والشعارات والكلمات والعواطف، يشتغل العدو الإسرائيلي على إستراتيجية محددة، وله رؤية وهدف واضح محل توافق كل النخبة السياسية ويُحوّل التفاصيل والجزئيات والعواطف والدين والتاريخ.. الخ لأدوات في خدمة هذه الإستراتيجية والهدف. وبالتالي فقضية شاليط والمعابر والتهدئة والمفاوضات مع السلطة وإن كانت تبدو بأنها موضوعات منفصلة أو جزئيات، وإن كانت إسرائيل توظفها لتعميق حالة العداء والصراع الداخلي الفلسطيني، إلا أنها عند الحل ستتعامل معها كحزمة أو صفقة واحدة تصب في خدمة رؤيتها للتسوية النهائية، لأن كل حل لجزئية من هذه الجزئيات سيرتب عليه نتائج خطيرة لها علاقة ببقية القضايا وبمصير الصراع في المنطقة. وعليه فإسرائيل لن تنجز صفقة تبادل أسرى خالصة مع حماس، ولن تسمح بفتح معبر رفح، ولن تسهل الحوار الداخلي إلا بعد التوصل لتفاهمات مع السلطة في نهاية العام. قد يقول قائل إن تقدما قد تم بقضية الأسرى وبقضية التهدئة وفتح معبر رفح ـ وفي واقع الأمر فإن ما جرى هي مجرد مناورات إسرائيلية لكسب الوقت حتى تتضح نتائج المفاوضات، أو كسب الوقت حتى تعرف إسرائيل مكان شاليط، وحينئذ لن تتردد بالقيام بعملية عسكرية لتحريره حيا أو ميتا. هذا بالإضافة إلى المكاسب الإستراتيجية التي حققتها إسرائيل، منذ أسر شاليط ثم القطيعة ما بين حركة حماس وحركة فتح، حتى الآن، وهي مكاسب قد لا يلمسها المراقب العادي.
قد يبسط البعض الأمر ويقول، لماذا لا ترعى مصر صفقة على شاكلة صفقة الأسرى ما بين إسرائيل وحزب الله؟ نعتقد بأنه لا قياس مع وجود فارق. وإن كنا نتمنى لو خرج جميع الأسرى من سجون الاحتلال، إلا أن حالة حزب الله مختلفة. فما كانت الصفقة تُنجز لو لم يكن هناك القرار 1701 وهو القرار الذي هيأ الظروف ليس لعقد الصفقة فقط بل لإنهاء الصراع ما بين حزب الله ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. فصفقة حزب الله مع إسرائيل حولت الحدود ما بين لبنان وإسرائيل كبقية الحدود العربية مع إسرائيل وخصوصا بعد مرابطة قوات دولية في جنوب لبنان وهذا هو المكسب الإستراتيجي الذي حققته إسرائيل. وإسرائيل إن فكرت بعقد صفقة مع حركة حماس فإنها تسعى ليكون لها نتائج مشابهة وليس مجرد تبادل أسرى، وهو نفس النهج الذي جرى مع التهدئة في قطاع غزة حيث تسعى إسرائيل لجعلها أكثر من وقف متبادل لإطلاق النار، لجعلها مدخلا وتكريسا للقطيعة والفصل ما بين الضفة وغزة ووأدا للمقاومة.
أيضا قد يطرح البعض سؤالا يقول: لماذا لا تفتح مصر معبر رفح؟ بالتأكيد إن فتح المعبر سيرفع كثيرا من المعاناة عن شعبنا في القطاع، ولكن وحيث أن حركة حماس ترفض أن يتم فتح المعبر بناء على الاتفاقية السابقة للمعابر، وهو رفض يلامس الأحاسيس الوطنية، وحيث أن الحدود بين الطرفين ستكون حدودا دولية كما تريد وتقول حركة حماس وفتحها يحتاج لاتفاقات وتفاهمات متعددة اقتصادية وسياسية وقانونية، فمع مَن ستوقِع مصر هذه الاتفاقات والتفاهمات؟ ولو وقعتها مع حركة حماس فهذا معناه الاعتراف بشرعية سلطة الحركة في قطاع غزة، وهذا بدوره سيثير إشكالات حول علاقة غزة بالضفة وبإسرائيل. وما هو مصير الاتفاقات والترتيبات القانونية التي تربط القطاع بهاتين الجهتين وبالعالم الخارجي؟ وما هو مصير القضية الوطنية بعد الاعتراف بشرعية حكومة حماس؟ دفوعات كثيرة ستطرحها مصر لتبرير عدم فتح معبر رفح إلا ضمن تفاهمات عربية ودولية وعلى قاعدة التوافق الوطني الفلسطيني. هذا بالإضافة لتداعيات وجود حكومة على حدودها تعتبر نفسها امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين على الأمن القومي المصري.
من هنا يمكن تفسير المماطلة الإسرائيلية بقضية صفقة الأسرى وبفتح معبر رفح، ويمكن تفسير الحذر المصري في التعامل مع هاتين القضيتين. أيضا يمكن تفهم التلكؤ العربي في التعامل مع مبادرة الحوار والمصالحة الوطنية والموقف المصري والعربي عموما الذي أثار حفيظة حركة حماس لدرجة أن بعض قادتها اتهموا الحكومة المصرية بالتواطؤ مع العدو وهي نفس الاتهامات الموجهة للسلطة الفلسطينية مبني على رؤية تتجاوز نظرة حركة حماس الحزبية لهذه القضايا، وهي نظرة لا تمثل التوافق الوطني بطبيعة الحال. وسواء كانت الحكومة المصرية مشاركة بالتسوية التي يجري الإعداد لها من خلال المفاوضات أم بعيدة عنها فإنها تدرك النوايا الإسرائيلية وتدرك تشابك وتعقد الملفات المطروحة وهي لا تستطيع لوحدها التصرف بهذه القضايا وتحمل مسؤولية النتائج السياسية الإستراتيجية المترتبة على فتح معبر رفح. ومن هنا سمعنا حديثا عن تدخل عربي في هذه القضايا ويبدو أن العرب تفهموا الموقف المصري وأدركوا خطورة ما يجري في الساحة الفلسطينية.
لقد بات واضحا بأن المشروع الوطني الفلسطيني سواء كان ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها أو بالسلطة الوطنية الفلسطينية أو بحكومتي رام الله وغزة، بما صاحبه من شعارات وتحالفات وعلاقات، وبما أنتج من اتفاقات ومعاهدات، الخ، قد وصل لطريق مسدود، بل فشل فشلا ذريعا، وكل مكونات هذا المشروع أصبحت عاجزة عن تحمل المسؤولية الوطنية. وهو الأمر الذي يجب ان يقي من فشل الحوار الوطني العاجل الصادق والجاد والمبني على الإحساس بالمسؤولية الوطنية. انه حوار الفرصة الأخيرة. ففي حالة فشل هذا الحوار والمصالحة الوطنية ستكون القضية الفلسطينية أمام خيارين أحلاهما مر كما يقال: إما استمرار الأمور على حالها من القطيعة والفصل مع استمرار إسرائيل بالاستيطان في الضفة وتصفية الحالة الوطنية هناك تمهيدا لتنفيذ مخططها بالتقاسم الوظيفي مع الأردن، أو بطرح خيار الدولة ثنائية القومية بالضفة أو أي حل تلفيقي غير الاستقلال الفلسطيني، واستمرار قطاع غزة حالة محصورة مع تفجير الصراعات الفلسطينية داخلها. والخيار الثاني هو أن تعود القضية الفلسطينية مجددا الى القمة العربية والى جامعة الدول العربية وذلك بما أن منظمة التحرير ولدت في أحضان جامعة الدول العربية.
كما نتمنى أن تكون الاستخلاصات أكثر تفاؤلا، ولكن للأسف، فبدون المصالحة الوطنية لن تنجح الحكومة والرئاسة في رام الله من مواجهة المشروع الصهيوني أو الاستمرار في تمثيل المشروع الوطني، ولن تتمكن حركة حماس وحكومتها في غزة من رفع المعاناة عن القطاع ولا تجسيد المشروع الوطني او تمثيل الشعب الفلسطيني. د.إبراهيم أبراش ibrahem_ibrach@hotmail.com