ومتى لم يكن العالم معولماً؟

بقلم: نصر شمالي

في مطلع التسعينات من القرن الماضي، بعد حرب الكويت وفي عهد جورج بوش الأب، أطلق مصطلح النظام العالمي والعولمة، فكان له تأثيره العظيم على أعداد كبيرة من العاملين في ميادين الفكر والسياسة في بلادنا، الذين رأوا فيه إبداعاً نخبوياً أوروبياً أميركياً خالصاً وساحراً! وقد ذكّرنا حالهم بمسرحية موليير الشهيرة الساخرة، "البورجوازي النبيل"، حيث يكلف البورجوازي الحديث الشأن أستاذاً لإعطائه دروساً في اللغة يستكمل بها بعضاً من نواقصه، ويبدأ الأستاذ في تعليم تلميذه بالقول أنّ اللغة تنقسم إلى قسمين: شعر ونثر. يستوقفه البورجوازي موضوع السخرية، الذي حظي بالنبالة حديثاً، متسائلاً: "أعرف ما هو الشعر، ولكن ما هو النثر؟"! يجيبه الأستاذ بدهشة مشوبة بالاحتقار: " ماهو النثر؟ هو هذا الكلام الذي تنطق به أنت الآن!". يقول البورجوازي مستغرباً وراضياً عن نفسه: "أحقّاً ما تقول؟ أي أنني أتعاطى النثر طوال حياتي دون أن أدري" ؟!
ينطبق هذا المشهد من مسرحية موليير على عدد كبير من أولئك الذين تناولوا موضوع العولمة من فم الأوروبيين والأميركيين كاكتشاف جديد، كأنما هي ليست بديهية تلقائية عاشتها ومارستها الأكثرية الساحقة من البشرية في جميع العصور، فالعولمة باختصار هي تلك القواسم المشتركة الضرورية التي تربط بين الأمم بمعزل عن خصوصياتها القومية الضرورية بدورها، حيث لا يمكن لأمة من الأمم الاستغناء عن التبادل المادي والفكري والروحي والنفسي مع الأمم الأخرى، لأنّ تنمية ذاتها القومية تحتاج إلى هذا التبادل الذي يحقق في الوقت نفسه تنمية الجملة البشرية بمجملها، ولأنّ عدم الإقبال تلقائياً وطوعاً على تحقيق مثل هذا التبادل يعرّض الأمم الانعزالية إمّا إلى الاضمحلال الذاتي وإما إلى اقتحامها قسراً من قبل الأمم الأخرى وإرغامها على التبادل باستعبادها أو بالتكامل معها، ولعلّ هذه القضية هي الفصل الأبرز والأهمّ من فصول التاريخ البشري العام، وهي ليست سوى قضية العولمة في جميع العصور.
غير أنّ هناك عولمة وعولمة، والفارق بينهما هو العقيدة السياسية، فقد كان أجدادنا الفينيقيون قبل آلاف السنين يتطلّعون إلى علاقات تبادل سلمية مع شعوب سواحل أفريقيا الغربية، فعبروا بسفنهم الجميلة الرشيقة مضيق جبل طارق، الذي لم يتجرّأ غيرهم حينئذ على عبوره إلى الأطلسي "بحر الظلمات"، ونجحوا في تحقيق التواصل والتبادل السلمي مع شعوب غرب أفريقيا، فكانت تلك عولمة بالطبع، ثمّ ظهرت المسيحية، التي انطلقت من فلسطين متحدّثة بلسان آرامي، وأضاءت بأنوارها مساحات شاسعة من عالم كان يسوده الظلام، فكانت عولمة مسيحية تناقض جذرياً الانعزالية اليهودية التي لا تعترف بالآخرين بشراً وتستبيح أوطانهم وأموالهم ودماءهم. وبعد ذلك ظهر الإسلام الذي كان بدوره عولمة أسقطت الطواغيت المتألّهين في كثير من البلدان بموافقة ومؤازرة شعوبهم، ووحّدت غالبية العالم طوعاً في نظام قوامه أنّ الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلاّ بالتقوى. لكنّ الأوروبيين الذين ظهروا لاحقا اقتحموا العالم بالحديد والنار، فقتلوا من قتلوا، واستعبدوا من استعبدوا، وأبادوا من أبادوا، وشحنوا مئات الآلاف من الأفارقة إلى مستوطناتهم الفظيعة في القارة الأميركية لاستخدامهم كعبيد وإفنائهم كآلات وليس كحيوانات، وهذه العمليات الرهيبة كانت عولمة بالطبع!
والحال أنّ الأوروبيين من شرق أوروبا وشمالها وغربها (وليس من جنوبها الذي يشكّل امتداداً وتخوماً للحضارات في المنطقة العربية) كانوا في بداية الألف الثانية للميلاد، التي شهدت اندفاعاتهم الحربية الهمجية، أقواماً ساذجة بدائية، منعزلة في قارتها الضيقة وجاهلة بأوضاع العالم خلف البحار المحيطة بها، وهذا الجهل كان واضحاً في معاملتهم للأمم في القارات الأخرى، وهي معاملة اعتمدت على نصوص ما سمّي بالعهد القديم، حيث وجدوا في هذه النصوص ما يوافق جهلهم ويبرّر نزعاتهم البدائية الهمجية في استعباد الآخرين "الغوييم" وقتلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وأوطانهم، وبعد أن تطوّرت أوضاعهم، ووضعوا يدهم على ثروات العالم وكنوزه العلمية، لم يتورّعوا عن تلفيق تاريخ للبشرية يلائم مصالحهم، فقالوا بالمركزية الأوروبية عبر جميع العصور، وقصروا الحضارة على الإغريق والرومان والأوروبيين والأميركيين واليهود (أصحاب العهد القديم) وصنّفوا جميع الأمم خارج ذلك على أنّها "بربرية" ووسط بين الإنسان والحيوان، ولقد كان ذلك كلّه عولمة أيضاً.
وعندما ظهرت المحركات البخارية، ثم المحركات النفطية والكهربائية والنووية، وحدثت تلك الثورة الهائلة في ميادين المواصلات والاتصالات والإنتاج الصناعي والزراعي، كان المفترض أن يدفعهم ذلك إلى التراجع عن حماقاتهم، والتخلي عن عقيدتهم السياسية العنصرية، وتوظيف الإنجازات العلمية وما ترتب عليها من وفرة هائلة لصالح البشرية جمعاء، لكنّهم بدلاً من ذلك أمعنوا في تعاليهم العنصري وفي حروبهم ضدّ أربعة أخماس البشرية، وإنّه لمن المسلّم به اليوم أنّ نفقاتهم الحربية لوحدها، ناهيكم عن بذخهم الأسطوري في بلدانهم، تكفي لتحويل كوكب الأرض كلّه إلى جنّة غنّاء، لكنّهم يفعلون العكس ويعرّضون الأرض ومن عليها، وهم ضمنهم، لخطر الدمار الشامل!
وعندما تحدّث الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب عن النظام العالمي الجديد وعن العولمة فقد كان، وهو المغامر الذي يفتقر تماماً إلى المبادئ والمشاعر الإنسانية، يقصد تحقيق مزيد من المركزية الأميركية التي يتحوّل معها العالم إلى مجرّد مناطق مدارة بحكم ذاتي لصالح واشنطن، وقد شجّعه على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي الذي جعله يعتقد بإمكانية انفراده في التصرّف بالأمم وأوطانها كمتاع، غير أنّ التطورات العالمية جاءت مخالفة لما اعتقده، خاصة بعد احتلال العراق في عهد ابنه، وبينما الحال كذلك يواصل بعض المفكرين والسياسيين، تلاميذ الغرب النجباء في بلادنا، التعامل مع العولمة كإنتاج مركزي نخبوي عبقري، تماماً كما تعامل النبيل البورجوازي في مسرحية موليير مع النثر كإنتاج نخبوي عبقري قبل أن يكتشف أنّه يتعاطاه طوال حياته! نصر شمالي ns_shamali@yahoo.com