التطور الديمقراطي والسلام الخليجي

بقلم: أحمد شهاب

بات من الصعب الحديث عن الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول بعيدا عن الحديث حول الديمقراطية وأوضاعها، لاسيما أن الاستقصاءات البحثية أكدت إن المؤيدين للديمقراطية في العالم، بما فيه العالم العربي والإسلامي، هم النسبة الأكبر اليوم، ويؤيد هذه الاستقصاءات سعي الدول إلى عنونة مشاريعها السياسية والاقتصادية، بل وحتى العسكرية باسم الديمقراطية ودعم الحريات وحقوق الإنسان.
كما تشدد الحركات والأحزاب السياسية، الليبرالية منها والإسلامية، على دعمها للديمقراطية والتزامها بأطرها ونتائجها، حتى الجماعات السلفية المتشددة، والتي لها موقف معلوم عند الجميع تجاه الديمقراطية والحداثة السياسية، لم تتردد في الكثير من المجتمعات في إعلان قبولها بالديمقراطية ولو بصورة ظاهرية.. وتابعنا خلال السنوات القليلة الماضية مساعي العديد من الجماعات الإسلامية المعتدلة لتكييف أطروحاتها الفكرية والسياسية مع الديمقراطية، لأنها أصبحت عنوانا لشرعية العمل السياسي الوطني.
وجرت العادة عند الحديث على الديمقراطية التركيز على الفوائد التي تجنيها الدولة داخليا في مساعدتها على تثبيت الاستقرار الداخلي، وتفكيك التوترات السياسية والاجتماعية، وإطالة عمر النظام، وتطوير آليات عمل الدولة وفق الأساليب الحديثة في الإدارة والحكم، أو التركيز على الفوائد التي يجنيها المواطنون بصفتهم الفردية والجماعية (كهيئات اجتماعية وأحزاب سياسية وجمعيات نفع عام) من خلال ضمان مشاركتهم في السلطة، وتحريرهم من جور النظم المستبدة، وإتاحة الفرص أمامهم لمحاسبة حكامهم وتقويم أداء السلطة التنفيذية.
لكن ثمة جزئية أخرى يجدر بدول الخليج وجيرانها الاهتمام بها، وهي قدرة الديمقراطية على توفير ضمان للعيش المشترك والآمن في المنطقة، ودفع الدول المتجاورة لتنمية علاقاتها وفق منظور تنموي، وتكثيف الجهود المشتركة في سبيل تحقيق التنمية الشاملة، والخروج من مأزق الصراع والنزاع بات أحد أبرز سمات العلاقة بين دول المنطقة داخل حوض الخليج.
فكلما انتشرت الدول الديمقراطية في المنطقة، أصبحت المساحات والاتفاقات المشتركة بين تلك الدول المتجاورة جغرافيا أوسع، وهي معادلة وجدنا أثرها واضحا في طبيعة ومستوى العلاقات بين الدول المتقدمة. فقد عملت الديمقراطية على تقليص الفروق والخلافات بينها، وردم الفجوات التي يمكن أن تندلع منها معارك وصراعات جانبية. من المؤكد أنها ليست العامل الوحيد، لكنها بالتأكيد من العوامل الرئيسة، فالدول الديمقراطية يتكون بينها بدرجة ما حالة من السلام، ربما لأن الديمقراطية من طبيعتها الذاتية أنها تقلص من سلبيات الحكومات، وتمنع التعسف في الحكم، كما أنها توفر آلية لإزالة الحكم الفاسد، وتضع إرادة الجمهور، بدلا من الحكم المتعسف، في المقدمة. وتشير التجارب الدولية إلى أن تضاعف عدد الديمقراطيات، صاحبه تضاؤل في عدد الحروب، من المؤكد أن هذه النتيجة ليست نهائية وحاسمة، ويمكن أن نجد شذوذا في القاعدة، لكنها تعطي دلائل واضحة على دور الديمقراطية في تخفيض فرص نشوب الحروب والنزاعات المسلحة بين الدول الديمقراطية.
فالحكومات الصالحة حسب المقاييس العالمية الحديثة تستطيع أن تتعايش مع بعضها، وتتعاون في سبيل إنجاز المشاريع والبرامج ذات العوائد المجزية لدولها وشعوبها، وهي في كل حال ليست مضطرة لحل مشكلاتها عن طريق استخدام القوة المسلحة، والتهديد المتبادل، وتعليق العلاقات والمصالح. وحسب إيمانويل كانط، فإن "الشعوب عامة لا تصوت لذهاب الجمهورية الى الحرب"، فالدول الديمقراطية لا تلجأ إلى إعلان الحروب بينها، لأن الشعوب تضغط في اتجاه السلام والتفاهم، أما إذا غاب الرأي العام بعمودية النار والاستبداد الداخلي، فإن الدولة حينها لا ترى أبعد من مصالحها، وإن جاء ذلك على أساس التضحية بمصالح الدول الأخرى.
يقول الخليجيون باستمرار إن أمنهم يواجهه خطرين داهمين هما إيران والعراق، وقد جربت حكومات الخليج أن تواجه هذه الأخطار بخطط أمنية وسياسية وربما عسكرية. وثبت لديها بدلائل قاطعة أن جميع أشكال المواجهات السالفة عادت بأضرار بالغة عليها وعلى شعوبها، وبعد سنوات طويلة من التوتر والصراع والنزف المتواصل، لاتزال الأخطار ذاتها ماثلة في المنطقة، ولايزال الخليجيون يكررون الشكوى ذاتها، وبالمرارة عينها، والمطلوب من دول الخليج أن تبحث عن مآرب أخرى تكفل سد منافذ الخطر التي يتوقعونها.
وأعتقد أن المأرب الوحيد الذي ينبغي على دول المنطقة أن تدخله بجدية وبصورة عاجلة، هو الدخول في ميدان التنافس الديمقراطي، فانتشار الديمقراطية وثقافتها وتطبيقاتها في المنطقة العربية والخليجية سوف يعمل على تأمين المنطقة من مخاطر الصراع والتوتر وتصدير الإرهاب. فالديمقراطية وحدها هي الضامن لعزوف الناس عن التوجهات الراديكالية، والتأكيد على فوائد العمل السلمي. كما أنها الطريق الآمن لتقليص ظاهرة «تصدير العنف» و«القتل الجماعي» من بعض الدول العربية ودول الخليج إلى العراق وأفغانستان ولبنان. وتشير البحوث الإحصائية إلى أن الإرهاب وأعمال العنف السياسي تنتشر في الدول التي تتقلص فيها الحريات السياسية، بينما تقل في الدول الديمقراطية.
دولنا بحاجة إلى الديمقراطية، سواء أرادتها الولايات المتحدة أم لم تردها، وسواء تبنت ترويجها بإخلاص أم تخلت عنها، لأن الديمقراطية وبعيدا عن الحديث عن فوائدها الداخلية لكل دولة على حدة، فإنها تعتبر الطريق السالك لتطوير وتنمية دول ومجتمعات المنطقة، وهي المدخل لتحويل الجوار الجغرافي إلى جوار مستقر ومتقارب أمنيا وسياسيا، على أن الديمقراطية لا تتحقق بكثرة التصريحات، ولا بالتمنيات الصادقة، وإنما من خلال توافر إرادة سياسية صادقة تدعم مشروع الانتقال الديمقراطي، ومن خلال وضع خطط وتبني برامج واضحة تكفل هذا الانتقال.
وحسب ما يظهر من تشخيص الحراك السياسي في الخليج، فإن الطريق إلى الديمقراطية لايزال طويلا، لأن قناعة شعوب المنطقة بالديمقراطية لم يرافقه حتى الآن اقتناع الأنظمة بأهمية الالتزام بالديمقراطية وموجباتها، ولاتزال الكثير من الأنظمة تستحث قوتها لتبني خيارات تتجه نحو تقويض طريق الديمقراطية بدلا من تعبيدها. أحمد شهاب، كاتب كويتي ahmed.shehab@awan.com