'إيراروسيا'.. هل تكون هي 'الرَّد'؟

بقلم: جواد البشيتي

ما الذي منع حتى الآن نشوب حرب نووية بين الجبَّارين النوويين؟

الجواب في اختصار هو: كلاهما لم يتمكَّن بَعْد من أن يدرأ عن نفسه مخاطر الضربة الانتقامية النووية، أو الرَّد النووي للآخر، فلو أنَّ الولايات المتحدة اضْطُّرَت إلى توجيه ضربة نووية لروسيا، بَعْدَ تأكُّدها (من الوجهة التكنولوجية العسكرية) أنَّ روسيا المضروبة لا تملك القدرة على الردِّ النووي، فلن يكون هناك من رادع أخلاقي (أو حضاري أو إنساني) يمكن أن يردعها، عندئذٍ، عن توجيه تلك الضربة، والخروج، بالتالي، منتصرة، من حرب (نووية) كان الانتصار فيها مستحيلاً من قبل؛ لأنَّها كانت (وما زالت حتى الآن) حرب للفناء المتبادل.

كيف نُدمِّر الصواريخ النووية الروسية قبل أن تصل إلى أراضينا.. أو عند لحظة انطلاقها (أي فوق الأراضي الروسية)؟

هذا هو السؤال الأميركي الاستراتيجي الكبير الذي لا جواب له حتى الآن سوى "الدرع (الأميركية) المضادة للصواريخ"، والتي كانت تسمَّى في عهد الرئيس الجمهوري الأسبق رونالد ريغان "مبادرة الدفاع الاستراتيجي"، أو "برنامج حرب النجوم".

آخر رئيس للاتحاد السوفياتي (ميخائيل غورباتشيوف) كان قد تحدَّث عن "الانتحار النووي السوفياتي"، بوصفه الرَّد السوفياتي اليائس على إخفاق الاتحاد السوفياتي المضروب نووياً في توجيه الضربة النووية الانتقامية، قائلاً إنَّ الاتحاد السوفياتي يمكنه، عندئذٍ، أن يُفجِّر في أراضيه كل مخزونه النووي، فيهلك العالم بأسره!

وقبل ذلك، أي عندما كانت الولايات المتحدة هي وحدها التي تملك السلاح الذرِّي، رأيْنا اليابان تُضْرَب بالقنابل الذرِّية الأميركية، فالرادع الأخلاقي (أو الحضاري أو الإنساني) لا وزن له، ولا تأثير، عندما تحتكر الولايات المتحدة السلاح النووي، أو عندما تشعر أنَّ في مقدورها الخروج منتصرة من حرب نووية.

ولو افْتَرَضْنا أنَّ الولايات المتحدة تملك الآن قوَّة عسكرية نووية بهذه الخواص والقدرات، وأنَّ إيران قد استفزتها كما استفزتها اليابان قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإنَّ واشنطن لن تكون مضطَّرة إلى إلقاء قنابلها النووية على مدن إيرانية، توصُّلاً إلى فرض "الاستسلام الياباني" على طهران؛ لأنَّها تملك الآن من قدرات "الحرب (التقليدية) عن بُعْد" ما يمكِّنها من أن تُلْحِق بإيران دماراً يَعْدِل، إنْ لم يَفُقْ، الدمار (الذرِّي) الذي ألْحَقَتْه باليابان.

وغني عن البيان أنَّ روسيا لم تتوصَّل بَعْد إلى امتلاك قدرة تكنولوجية وعسكرية تقليدية كتلك، فلا حامي يحميها سوى استمرار معادلة "الردع النووي المتبادل"، أي بقاء العلاقة الاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة محكومة بتوازن نووي، يجعل الحرب النووية حرباً للفناء النووي المتبادل.

ومع أنَّ نظام الدرع الأميركية المضادة للصواريخ لم يبلغ بعد من الكفاءة ما يجعل الولايات المتحدة مطمئنة إلى أنَّ الضربة النووية الانتقامية الروسية ما عادت ممكنة عملياً فإنَّ إدارة الرئيس بوش تبدي إصراراً وعزماً على نشر أجزاء من هذا النظام في وسط أوروبا، وفي بولندا وتشيكيا على وجه التحديد، أو على وجه الخصوص، زاعمةً (زعماً ضعيفاً غير مُقْنِعٍ، عن قصد أو عن غير قصد) أنَّ "الهدف" هو حماية أوروبا (أو الأراضي الأميركية نفسها!) من الصواريخ الإيرانية، المتطورة (مدى ودقَّةً) في استمرار، والتي قد تَحْمِل، مستقبلاً، رؤوس نووية.

ثمَّ جاء "التوقيت"، أي توقيت توقيع الاتِّفاق بين واشنطن ووارسو لنشر أجزاء من تلك الدرع (بعد أربع سنوات) في الأراضي البولندية، ليقطع الشك بسكِّن اليقين، فالهدف (الحقيقي) إنَّما هو ترسانة الصواريخ النووية الروسية، وليس ترسانة الصواريخ الإيرانية، التي لو أرادت الولايات المتحدة، حقَّاً، التصدِّي لها لنشرت أجزاء من درعها تلك في جوار إيران.. في تركيا أو العراق مثلاً.

ولا شكَّ في أنَّ العجز الأميركي عن مواجهة العملية العسكرية الروسية في جورجيا كان من بين أهم أسباب الاستعجال في توقيع هذا الاتفاق، فإذا كان "السلبي" في توقيت توقيعه هو إظهار نشر أجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية على حقيقته، أي على أنَّه موجَّه ضدَّ روسيا، فإنَّ "الإيجابي" هو تأكيد قدرة واشنطن على الرَّدِ، ولو في بولندا، واستثمار مناخ الخوف (الإقليمي) من "الدُّب الروسي"، بعد وبسبب ما حدث في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، في توسيع نطاق الوجود العسكري للولايات المتحدة على مقربة من روسيا الاتحادية، فالفكرة التي يراد لها أميركياً أن تنتشر وتسود الآن هي أنَّ جورجيا ما كان ممكناً أن تتعرَّض إلى ما تعرَّضت إليه لو كانت عضواً في حلف الأطلسي.

وعمَّا قريب قد نسمع نبأ نشوب أزمة ثانية (أي ثالثة بعد الأزمة البولندية) في القوقاز بين روسيا وأوكرانيا، فهذه الدولة (التي شجَّعت جورجيا على الصدام مع روسيا) قد تتخذ إجراءات ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود والمتمركز في شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا.
وقبل أن تنشب هذه الأزمة بين روسيا وأوكرانيا (إذا ما نشبت) قد نسمع نبأ أن روسيا قد أعادت تصويب صواريخها النووية، في أراضي حليفتها بيلاروسيا، نحو بولندا، ونحو دولٍ أخرى في أوروبا الشرقية (وأوروبا الغربية) ردَّاً على الاتفاق بين الولايات المتحدة وبولندا.

ولكن، ما هي مصلحة بولندا، إذا ما صدَّقنا زعم الولايات المتحدة أنَّ الصواريخ الإيرانية هي "الهدف"؟
إيران ليس لديها من نزاع المصالح مع بولندا ما يحملها على إطلاق صواريخها (التقليدية أو النووية) على أراضيها، فبولندا لا مصلحة لها في نشر أجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية في أراضيها عدا مصلحتها في أن يترتَّب على ذلك التزام أميركي بحمايتها من روسيا، أو نشوء رادعٍ يردع روسيا عن مهاجمتها.
لقد سعت بولندا إلى ذلك وهي تعلم أنَّ وجود أجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية في أراضيها يجعلها عُرْضة لخطر الضربات النووية الروسية الأولى في حال نشوب حرب نووية؛ ولكن استبعادها لهذا الاحتمال (نشوب حرب نووية) هو ما شجَّعها على توقيع هذا "الاتفاق"، وعلى أن تكون أطلسية أكثر من الأطلسيين (من دول أوروبا الغربية).
والولايات المتحدة تَنْظُر إلى "أوروبا الجديدة"، أي إلى دول أوروبا الشرقية، على أنَّها "الحاجز الجيو ـ استراتيجي الأميركي" بين روسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي، و"المنطقة الوسطى" التي يمكنها الإفادة منها كثيراً في ممارسة الضغوط الاستراتيجية على الطرفين، أي على روسيا والاتحاد الأوروبي.
وتريد الولايات المتحدة لهذا "الحاجز" أن يكون متَّصِلاً متَّحِدا مع "حاجز جيو ـ استراتيجي أميركي" آخر في آسيا الوسطى (في بعضٍ من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في هذه المنطقة) حيث الثروة النفطية الهائلة في بحر قزوين، وحيث خطوط أنابيب النفط والغاز تمتد من هنا إلى أوروبا الغربية.
وتريد للعراق (وأفغانستان) أن يكون قاعدتها العسكرية الاستراتيجية الإقليمية الأولى، فهذا البلد يستمدُّ أهميته الاستراتيجية (بالنسبة إلى الولايات المتحدة) من احتياطه النفطي الهائل، ومِمَّا يتمتع به نفطه من خواص إيجابية كثيرة، ومن كونه يتوسَّط نفط بحر قزوين ونفط الخليج.
وإذا كانت الولايات المتحدة تستهدف ترسانة الصواريخ النووية الروسية بالدرع الصاروخية التي تعتزم نشر أجزاء منها في بولندا وتشيكيا فإنَّ انتشارها العسكري (التقليدي اليوم، والنووي غداً) على مقربة من أهم مصادر الطاقة النفطية في العالم (مَصْدَر بحر قزوين على وجه الخصوص) وفي محاذاة خطوط الأنابيب الجديدة، يستهدف "ترسانة الطاقة الروسية (من غاز ونفط)"، فصراع النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا في أوروبا الغربية يُتَرْجَم الآن بصراعٍ بين "الأنابيب"، أي بين أنابيب نقل الطاقة الروسية إلى أوروبا الغربية و"الأنابيب البديلة والمضادة"، التي تتوفَّر الولايات المتحدة على إنشائها.
لقد جُرِّدت روسيا حتى الآن من سلاحين من أسلحتها الأربعة الاستراتيجية.. من "سلاحها العقائدي"، أو ما كان يسمَّى "النظام الشيوعي"، ومن "سلاحها الإمبراطوري"، أي إمبراطوريتها السوفياتية، وامتدادها في أوروبا الشرقية.
والآن، تخوض الولايات المتحدة حرباً باردة جديدة ضد روسيا من أجل تجريدها من سلاحيها الأخيرين: "الترسانة النووية" و"الترسانة الطاقية (أي نفوذها في أوروبا الغربية المتأتي من تزويدها الاتحاد الأوروبي بالنفط والغاز)".
لو أرادت إدارة الرئيس بوش إقناعنا، وإقناع العالم، بخطر الصواريخ الإيرانية، وبأهمية وضرورة درء هذا الخطر، والتصدِّي له، لَرَأيْنا الولايات المتحدة توقِّع "الاتفاق" ليس مع بولندا، وإنَّما مع إسرائيل، فهل بولندا (وأوروبا الغربية) أحَقُّ بالحماية من إسرائيل؟!

إذا أطلقت إيران صاروخاً نحو بولندا، أو نحو أوروبا الشرقية أو الغربية، فإنَّ "الدرع الأميركية" المنصوبة (مستقبلاً) في بولندا وتشيكيا، ستتصدَّى له، وتُدمِّره قبل الوصول إلى أهدافه؛ ولكن هل لهذه "الدرع" أن تتصدَّى له، وتُدمِّره، قبل الوصول إلى إسرائيل، التي هي دُرَّة التاج في الإمبراطورية الأميركية العالمية؟
وما هو "المعنى الإيراني" لنشر أجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا بعد أربع سنوات، وليس الآن؟
هل معنى ذلك، إيرانياً، هو أنَّ الولايات المتحدة لن تضرب إيران عسكرياً الآن، أو في السنوات الأربع المقبلة؟
لو ضربتها الآن، وقضت على هذا "الخطر الصاروخي الإيراني" وهو في مهده، لانتفت الحاجة، بالتالي، إلى نشر أجزاء من تلك الدرع في بولندا وتشيكيا.
في جورجيا، كانت "الصفعة" الروسية للولايات المتحدة، فهل تتحوَّل هذه "الصفعة" إلى "صفقة" في بولندا، أي بعد، وبسبب، الاتفاق الذي وقَّعته واشنطن مع وارسوا؟
هل في هذا الاتفاق، أو بين سطوره، دعوة إلى المقايضة الآتية: دعونا نتدبَّر أمر إيران (الصاروخية والنووية) فنريحكم من كابوس "الدرع".

لن نستعجل الجواب، فأوَّل الغيث منه سنراه عمَّا قريب، أي عندما ينعقد مجلس الأمن الدولي لمناقشة مشروع قرار جديد لفرض مزيد من العقوبات على إيران، فموقف موسكو من ذلك سيكون خير مقياس، و"القَطْرُ"، أو أوَّل الغيث.
إذا اختارت موسكو توسيعاً (إقليمياً) للمستنقع الأميركي في العراق، أي إذا ما شرعت تلعب "الورقة الإيرانية"، فعندئذٍ سنرى "خصماً مُركَّباً" ينشأ ويظهر.. إنَّه ليس روسيا، وليس إيران، وإنَّما "إيراروسيا". جواد البشيتي