نعم للاكراد الانفصاليين

بقلم: رياض الحسيني

بداية، لا بد لي من الاعتراف هنا ان هذه الموضوعة بالذات ستثير غضبا وسخطا من البعض، وستلاقي ترحيبا وتشجيعا من البعض الاخر، وهو شأن لا بد ان يحدث في كل المواقف الخلافية بين البشر، فكيف ونحن نتحدث عن استحداث دولة كردستان.
كانت ولا زالت الحقوق القومية للاكراد موضع اهتمام وقلق واستنزاف لكل الاطراف الداخلة في القضية، لكنها قد اخذت اهتماما اكبر بعد تمرّد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على ارادة الدول الكبرى وتحديدا الاميركية منها، الامر الذي توجب حينها اضعاف صدام ما أمكن، وبالتالي كان من الضروري تقوية المعارضين له وفي مقدمتهم الاحزاب الكردية. بدأت اللعبة كورقة ضغط دولية رغم الممانعة الاقليمية الشديدة لمثل تلك اللعبة التي في رأي المعارضين لها انها ستجلب الخراب الى الديار.
رأي الاكراد نقيض ذلك تماما، فهي حلم قد بدأت تلوح في الافق ملامح تحقيقه طالما دفع الاكراد من اجله الغالي والنفيس. أيا كان الامر وأيا كانت وجهة النظر لكلا الفريقين، فأن ما آلت اليه الامور الآن، وتحديدا في العراق، يبعث على القلق ليس من جانب دول الطوق العراقي (وخصوصا تركيا وايران وسوريا) بل وحتى محليا.
يسيطر الاكراد اليوم على محافظات عراقية ثلاثة تمتلك مخزونا بشريا ومؤهلات ومقومات دولة تعد صغيرة في المفهوم الدولي وفي نظر البعض ايضا، الا انها حقيقة وواقعا اكبر من بعض الدول الخليجية.
طبعا الأكراد بغالبيتهم، نخبا وقواعد، لا ينفون تطلعهم لاقامة دولة كردية تبدأ من العراق ولا تنتهي الا بضم بقية الاجزاء التي يقطنها الاكراد في دول الجوار، وان بدا الامر في لغة اليوم مستعصيا واحيانا مستحيلا فانه لربما لن يكون كذلك مستقبلا.
ما يهمنا الحديث عنه يكمن في السؤال: هل انفصال الاكراد العراقيين واعلان دولتهم على المحافظات الثلاثة دهوك واربيل والسليمانية في صالح العراق كدولة وفي صالح الاكراد العراقيين وبقية القوميات في العراق؟
وفي رأيي انه اذا تحدثت لغة الارقام على البقية ان تخرس، وفي ذلك شواهد وبراهين هي عبارة عن مصاديق واقعية لما نذهب اليه.
لا أحد ينكر اليوم ان المحافظات الكردية ومن التبدل الذي حصل بعد التاسع من إبريل/نيسان 2003 قد اصبحت عبئاً كبيرا على العراق ليس من جانب المواقف المتشددة التي تتبناها الاحزاب الكردية فحسب، بل ومن الناحية الاقتصادية ايضا حيث تستنزف هذه المحافظات واردات العراق بشكل مروع الامر الذي لا تستطيع معه حكومة بغداد المشلولة ان ترفض او حتى تساوم او تفاوض لمنعه، ففاقد الشئ لا يعطيه كما يقولون.
مثلا، في الوقت الذي تدفع خزينة الدولة العراقية رواتب ومخصصات حكومتين وبرلمانين في اقليم كردستان تساوي بل وتفوق احيانا ما تنفقه على البرلمان العراقي "الفيدرالي"، لا يقدّم هؤلاء للعراق شيئا بقدر ما يصدرون تشريعات لا تخدم الا مصالح الاحزاب الكردية ضاربة عرض الحائط المصلحة العراقية العليا.
كذلك قوات البيشمركة التي تستنزف معظم مخصصات وزارة الدفاع والداخلية غير معنية الا بحماية مناطقها الكردية وكفى.
القليل فقط يعرفون ان الاحزاب الكردية لازالت ولحد اللحظة تقتطع من صادرات النفط العراقية حصتها كاملة والتي كانت مخصصة لها من قبل الامم المتحدة ايام نظام صدام حسين، وزاد على ذلك ان تبنى البرلمان العراقي قرارا يعطي الاكراد حصة 17% من عائدات النفط العراقي كانت في نظر الاكراد قليلة وقبلوها على مضض في وقت يتضور فيه اهالي البصرة والناصرية والعمارة من الم العوز والفاقة. وما من اعمار ولا تعمير. وإذا كان عدد الاكراد في اقليم كردستان قرابة الثلاثة ملايين، فاننا امام قسمة ضيزى. فبغداد مثلا ليس باعتبارها العاصمة العراقية فحسب بل ومن ناحية نفوسها التي وصلت الى ستة ملايين، أي ما يصل الى ضعف نفوس المحافظات الكردية الثلاث، لم يخصص لها ما تم تخصيصه من عائدات النفط للاكراد.
ان عدد نفوس مدينة الصدر في بغداد لوحدها يساوي تقريبا عدد الاكراد في اقليم كردستان، ورغم ذلك فلم يحصل اهالي تلك المدينة المنسية على نسبة ولو واحد بالمائة مما يحصل عليه الاكراد اليوم.
ترى كم ستصبح حصة الاكراد من نفط العراق لو تمت لهم الغلبة واستطاعوا اقتطاع كركوك من الخارطة العراقية ونجحوا في ضمها لاقليم كردستان؟ سؤال نطرحه على طاولة الاحزاب الحكومية ممن تتحالف مع الاحزاب الكردية ضمن ما يسمى "تحالفات ستراتيجية".
معضلة كركوك التي تطالب بها الاحزاب الكردية وبقية المناطق في الموصل وديالى وبقية المحافظات العراقية كلها تدلل على ان العراق يُستنزف بشكل منظّم ومخطط له.
لكن يبقى السؤال الذي يتوجب ان تتوفر له اجابة شافية وافية هو: لو كانت النهاية معروفة وهي انفصال الاكراد عن العراق واعلان دولتهم فلماذا هذه الارضاءات المكلفة واللهاث وراء اشباع رغبات الاحزاب طالما ان النهاية معروفة ومشخّصة سلفا؟
من المستفيد من وراء كل هذا؟ أنا ومثلي الملايين اليوم مع اعلان الاكراد دولة وانفصالهم عن العراق لاسباب موضوعية واذا كانت الامور بخواتيمها فخاتمة العراق قد لاحت في الافق منذ زمن. و"لله الامر من قبل ومن بعد". رياض الحسيني، كاتب وناشط سياسي عراقي مستقل www.alhusaini.bravehost.com