حرب القوقاز وقاعدة ديمونا الإسرائيلية

بقلم: نصر شمالي

الصراعات المسلحة والمشاكل المعقدة في مناطق القوقاز ليست إرثاً سوفيتياً بل إرثاً قيصرياً روسياً. وهذه الحرب التي نشبت بين جورجيا من جهة وأوسيتيا وأبخازيا من جهة ثانية، ودخلتها روسيا إلى جانب الأخيرتين من جهة ثالثة، ليست عودة إلى صراعات كانت قائمة في العهد السوفييتي، حيث لم تكن ثمة صراعات من هذا النوع، بل عودة إلى الصراعات في العهد القيصري، وجدير بالذكر أنّ جورجيا أعطت الاتحاد السوفييتي أعظم قادته قاطبة بعد لينين، نعني جوزيف ستالين، وإذا أردنا البحث في جذور هذه الصراعات فينبغي العودة إلى القرن الثامن عشر، إلى ما قبل العام 1774 بكثير، وهو العام الذي "انضمت" فيه أوسيتيا "طوعاً" إلى روسيا القيصرية، أما جورجيا بالذات فقد انضمت إلى روسيا في العام 1801، ولعلّ فهماً عميقاً لماضي ومصائر هذه البلدان القوقازية يتحقق أفضل بقراءة روايات تولستوي التي لا تقلّ أهمية عن أعمال المؤرخين الرسميين.
في مطلع تسعينات القرن الماضي كانت جورجيا أولى الجمهوريات التي أعلنت استقلالها عن الاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهي سارعت في الوقت نفسه إلى تأكيد سيادتها على أوسيتيا الجنوبية وغيرها. أما أوسيتيا هذه فسارعت إلى تأكيد عضويتها في الاتحاد الروسي، وأما أوسيتيا الشمالية فلم تجادل جورجيا في كونها جزءاً من الاتحاد الروسي، وما قد يستحق الإشارة هنا هو أنّ مساحة جمهورية أوسيتيا الجنوبية هي في حدود 3900 كيلو متراً مربعاً، أي ما يقارب نصف مساحة لبنان، وعدد سكانها 70 ألفاّ، يحمل 95 بالمائة منهم الجنسية الروسية، أما نسبة الجورجيين بينهم فهي 25 في المائة، وبالطبع فإنّ الأوسيتيين عموماً ليسوا روساً، لكنّ اللغة الروسية تحتلّ المكانة الثانية عندهم بعد الأوسيتية، كما أنهم متصلين جغرافياً بأوسيتيا الشمالية، لكنّهم يشكّلون "جيباً جغرافياً"، إن صحّ التعبير، يمتدّ إلى وسط جورجيا، وهو الوضع الذي كان يشكّل خطراً على أمن وسلامة جورجيا في العهود القيصرية، ولعلّ ذلك الخطر هو الذي دفعها إلى الانضمام لروسيا عام 1801، حيث أخذ القيصر الروسي على عاتقه تطبيع العلاقات بين الجورجيين والأوسيتيين الجنوبيين، وإنه لمن الواضح أنّ القيصر كان يضغط على الجورجيين ويبتزّهم بوساطة الأوسيتيين، وربما كان يفعل العكس في الوقت نفسه أيضاً، ولعلّ الحكومة الروسية الحالية تمارس اليوم، إنما في ظروف مختلفة ولأسباب مختلفة، بعضاً من سياسة القيصر في القرن الثامن عشر ضدّ جورجيا التي كانت أوّل من تعامل مع الأميركيين، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي ومن أجل انهياره، وكانت أول جمهورية أعلنت استقلالها عن الاتحاد الروسي بعد انهياره.
في العهد السوفييتي كانت حدود المعسكر الاشتراكي عموماً وحلف وارسو خصوصاً تنهض في مواجهة أوروبا الغربية الأطلسية، على الحدود الإيطالية والنمساوية والألمانية الغربية، أما اليوم فإنّ القوات الأميركية موجودة في جورجيا، والقوات الجورجية تشارك في الحرب ضدّ العراق، وعموماً فإنّ بلدان حلف وارسو السابق انتقلت إلى معسكر حلف الأطلسي، ويتبارى عدد منها في تقديم أراضيه إلى الولايات المتحدة لتقيم عليها جدارها الصاروخي ضدّ روسيا، خاصة بعد نهوض روسيا من كبوتها الخطيرة التي كان مقدّراً لها أن لا تنهض منها بهذه السرعة على الأقل، غير أنّ هذا كلّه على خطورته الفائقة يبقى أقلّ خطراً على روسيا من التغلغل الأميركي في بلاد القوقاز، وها هنا يبرز دور القاعدة الأميركية/ الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، التي يتشكّل مجتمعها الاستيطاني الأشكينازي في معظمه من مهاجرين مرتزقة قدموا من الاتحاد الروسي ومن دول حلف وارسو السابق، وعلى هذه الخلفية يحارب المرتزقة الإسرائيليون في ركاب الأميركيين في جورجيا ضدّ روسيا، كما هو حالهم في فلسطين ولبنان والعراق ضدّ العرب، وكما هو حالهم ضدّ إيران ومشروعها النووي المدعوم من روسيا. وبما أنّ إيران واحدة من كتلة دول بحر قزوين فإن الحرب الإسرائيلية ضدّها هي في أحد وجوهها حرباً ضدّ روسيا إضافة إلى كونها حرباً ضدّ العرب والمسلمين عموماً، ولذلك لم يكن غريباً أن يوجّه الإسرائيليون تحذيراً بل تهديداً إلى روسيا بالتوقف عن بيع إيران أكثر النظم الصاروخية الروسية المضادة للطائرات تقدّماً، وأن يصدر هذا التهديد في اليوم الثاني (9/8/2008) من بداية الهجوم الجورجي على أوسيتيا الذي يشترك فيه أكثر من ألف "خبير" مرتزق إسرائيلي، ومعنى ذلك أنّ العملية ضدّ أوسيتيا، في ما لو نجحت وهذا مستبعد، ستكون مقدّمة جيّدة للعملية القادمة المعلنة ضدّ إيران.
في الخمسينات من القرن الماضي أقيمت قاعدة الصواريخ النووية ديمونا في فلسطين المحتلة ضدّ الاتحاد السوفييتي، وليس ضدّ العرب كما يشيع المضللون ويردّد السخفاء، فالقصف النووي ضدّ العرب شبه مستحيل لأسباب تتعلّق بسلامة الكيان الإسرائيلي نفسه وسلامة المصالح النفطية الأميركية، ولعدم ضرورته الحربية في الواقع. وكان الأميركيون يستفيدون من الجواسيس الصهاينة، من قدم منهم إلى فلسطين ومن كان لا يزال في الاتحاد السوفييتي، في تحديد الأهداف السوفييتية التي ينبغي أن تضرب بدقة من قاعدة ديمونا الإسرائيلية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي طرحت فكرة تفكيك قاعدة ديمونا لانتفاء وظيفتها، وكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل يومئذ أنّ تكاليف تفكيكها أعلى من تكاليف إقامتها! وبما أنّ الشائع أنّها ضدّ العرب، وبما أنّ عرب كامب ديفيد وأوسلو كانوا موعودين بالسلام، فقد كان متوقّعاً أن يدفعوا للإسرائيليين من جيوبهم تكاليف تفكيكها! غير أنّ الأمور في جميع مناطق العالم لم تسر كما توقّع الأميركيون، فتوقّف التفكير بتفكيك ديمونا، ثمّ بلغت الخيبات الأميركية ذروتها بفشل تحقيق الأهداف المحدّدة لاحتلال العراق، ثم نهوض روسيا والصين وغيرهما بسرعة وبقوة غير متوقعة. وهاهم الأميركيون وفي ركابهم الإسرائيليون المرتزقة يعودون إلى أساليبهم القديمة في محاولات محمومة ويائسة لتحقيق ما لم يعد ممكناً تحقيقه: إضعاف روسيا وتركيعها من جديد عبر اختراق بلدان القوقاز، وإعادة العرب والمسلمين إلى أوضاع ما قبل نهوض المقاومة! لكنّ أسلحتهم جميعها على جبروتها تبدو غير كافية، وفي مقدّمتها قاعدة ديمونا التي لن يدفع العرب في المستقبل تكاليف تفكيكها. نصر شمالي ns_shamali@yahoo.com