هكذا تكلم القذافي فقال: لم يبق إلا القبيلة‏

القذافي يطرح فكرة إعادة إحياء الدولة الفاطمية

القاهرة ـ وصف كاتب وأكاديمي مصري خطاب العقيد معمر القذافي الذي ألقاه في محافظة الفيوم المصرية يوم ‏4‏ يوليو‏/تموز الماضي،‏ عقب زيارة له لشرم الشيخ في سيناء المصرية‏، أمام وفد من القبائل البدوية، بأنه خطاب تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأرجع ذلك إلى ما تضمنه خطاب الزعيم الليبي من معالم نظرية متكاملة تهدف إلى نسف الأسس التي تقوم عليها الدولة القومية‏،‏ وخصوصا فيما يتعلق بقدسية حدود الدول وضرورة احترامها‏، والدفاع عن أي اعتداء عليها أيا كان نوعه‏، وتبشيرا بأن الوحدة التي ينبغي أن تبني عليها الدول هي القبيلة‏.‏
وعرض الكاتب والأكاديمي المصري "السيد يسين" في مقال له الخميس بصحيفة الأهرام المصرية بعنوان: "إحياء للقبيلة أم تفكيك للدولة القومية؟"، لأطروحات العقيد الليبي التي بشر فيها بفشل الدولة القومية لصالح عودة دور القبيلة، التي اعترف فيها بواقعية الحدود بين الدول،‏ التي فرضت بسبب أو بآخر‏‏ مع أن البشر الموجودين فوق الأرض عبر الحدود هم قبائل واحدة، وقرر أن الثوار مثل جمال عبدالناصر وقادة ثورة الفاتح لا يؤمنون بهذه الحدود‏ ويعتبرونها مصطنعة ومزيفة صنعها الاستعمار، وان كل من يدعو للوحدة العربية من المحيط إلي الخليج لا يعترف بالحدود بين الدول.‏
وأشار السيد يس إلى أن العقيد الليبي ذكر أن من حق القبائل الليبية التي استوطنت مصر أن يدافعوا عن أرض مصر‏، وأن الحديث عن دولة مصرية أو دولة ليبية مسألة معيبة وليست مفيدة‏‏ يرفضها تماما، وأضاف السيد يس: "وما دامت الدول مكونة من القبائل الليبية كالتي تعيش في مصر‏،‏ فقد طرح القذافي فكرة إعادة إحياء الدولة الفاطمية التي كانت موجودة منذ ‏620‏ عاما مضت‏.‏ وصحتها ان الدولة الفاطمية انهارت منذ ‏937‏ عاما، حيث انتهت في عام‏1171‏ م على يد صلاح الدين الايوبي وحين يتم إحياء الدولة الفاطمية من مراكش إلى الشرق العربي‏،‏ فمعنى ذلك أن منطقة شمال إفريقيا تصبح دولة واحدة‏، وتخلق الهوية الفاطمية‏‏ وتختفي الهويات السائدة المصرية أو الليبية‏، ويقول المواطن فيها إن هويته فاطمية‏‏".
وذكر الكاتب المصري أن العقيد القذافي يرى بما أننا نعيش عصر الجماهير فهي ستفرض نفسها‏،‏ ويعني بذلك المواطنين العاديين وليست الحكومات ولا الأحزاب‏.‏ فالمواطن العادي الآن أصبح هو السيد‏‏ ويجب أن يحسب حسابه‏، ويجب أن يرضى‏ وإذا غضب يحمل البندقية‏!‏
ولفت الانتباه إلى قناعة الزعيم الليبي بفكرة فشل الأحزاب السياسية العربية وتساؤله عن مصير حزب البعث والقوميين العرب والأحزاب الوطنية الأخرى والأحزاب الشيوعية والأحزاب الدينية، وقال: "كلها تشرذمت ولم تعمل شيئا‏، لا وحدت الأمة ولا حررتها ولا بنت قوتها‏ فرجعنا للقبائل"‏.‏ وفي عبارة حاسمة قاطعة صاح (القذافي) قائلا: "لم يبق إلا القبيلة‏!‏ لأن حزب هذا العصر هو القبيلة‏،‏ وجيش الغد هو القبيلة‏، والذي يبني هي القبيلة‏،‏ والذي يوجد هي القبيلة‏!"‏
وأضاف الزعيم الليبي "القبيلة عندها التزام خلقي‏،‏ القبيلة عندها عرف وعندها تقاليد وعندها أخلاق تحفظ سلوك أبنائها‏،‏ والذين ينحرفون والذين يبيعون أنفسهم ليسوا أبناء القبائل"‏.‏
وأوضح الكاتب المصري أن العقيد الليبي كان يخاطب الجماهير في الفيوم باعتبارهم ممثلين لقبائل ليبية سبق لهم أن استوطنوا مصر‏،‏ وأن هذه القبائل التي تمتد من أسيوط وأسوان إلى الفيوم إلى البحيرة إلى الصحراء الغربية إلى الجبل الأخضر إلى المنيا‏،‏ ومن المنيا إلى سرت‏، من البحيرة إلى مطروح إلى زليتن إلى مصراتة إلى ترهونة إلى بني وليد‏، هذه القبائل وجودها كلها امتداد واحد‏.‏
وحسب السيد يسين فإن العقيد القذافي فسر وجود الإرهاب والزندقة بأنه نتاج لعناصر منبوذة من القبائل، وقال نقلا عن العقيد: "لو لجأنا إلى إجراء دراسة اجتماعية حقيقية وذلك في ليبيا أو في مصر أو في أي بلد عربي آخر‏،‏ نجد أن الذين يدخلون الزندقة والذين يدخلون الإرهاب‏‏ والذين يكونون عملاء لأميركا وعملاء للإسرائيليين أو عملاء لقوي أجنبية لا يمكن أن يكونوا من أبناء القبائل"‏.‏
ودعا السيد يسين إلى قراءة تقييمية جادة لطروحات العقيد القذافي، وقال: "هكذا تكلم القذافي، وفي تقديرنا أن خطابه المهم بما احتواه من أفكار وأحكام تقييمية متعددة يحتاج إلى تحليل نقدي دقيق‏.‏ وذلك لأن جوهر فكرته الأساسية دعوة جريئة لتفكيك الدولة القومية التي ما قامت إلا لتلم شتات القبائل والجماعات العرقية المبعثرة في كيان واحد له حدوده المعترف بها دوليا‏، وهذا الكيان الذي هو الدولة القومية العضو في الأمم المتحدة والمعترف بها عالميا‏،‏ هي التي قادت مسيرة التطور الحضاري في العصر الحديث والمعاصر، وسواء كانت دولة متقدمة أو دولة نامية بدرجات متفاوتة من النجاح والإخفاق‏، بحسب المراحل التاريخية‏، والسياقات السياسية‏،‏ والاعتبارات الثقافية‏".‏
ووصف السيد يسين قراءة العقيد القذافي بأنها تتضمن "أحكام تعميمية تحتاج إلى مناقشة علمية جادة‏"، وقال: "هل صحيح أن الدولة القومية فشلت‏، وأنه ينبغي تفكيكها والعودة مرة أخرى إلى عصر القبلية؟ غير أن هناك قبائل متعددة‏،‏ فأي القبائل هي التي ستهيمن علي الموقف‏،‏ وهل هي القبيلة التي ينتمي لها الرئيس؟‏!‏ وهل صحيح أن الأحزاب السياسية العربية بكل أطيافها السياسية من أقصى اليمين إلي أقصى اليسار قد فشلت؟ وهل تقديس القبيلة وتبرئتها من أي سلبية في الماضي أو في الحاضر أو في المستقبل نظرة واقعية تاريخية حقا‏،‏ أم هي نظرة مثالية؟ وما هي حكاية أن القبائل الموجودة في مصر هي قبائل ليبية قدمت من ليبيا واستوطنت في مصر؟ وهل هناك دليل على هذا القول؟‏ وكيف تجوز دعوة القبائل أن تكون منظمة قبلية حتى تسهل مهمة السيد العقيد القذافي في الاتصال بها؟ وهل صحيح أنه ينبغي إلغاء الحدود بين الدول لأنها حدود مصطنعة اختلقها الاستعمار؟ وإذا انطبق ذلك على بعض الدول العربية بحكم اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة‏،‏ فهل ينطبق ذلك على مصر بحدودها التاريخية المعروفة منذ القدم؟".(قدس برس)