المكونات العراقية على حافة الهاوية

بقلم: فاروق حجي مصطفى

كان معقولا ان نعتبر زيارة مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق في أواخر الأسبوع الماضي الى كركوك بأنها زيارة اطمئنان بدلا من اعتبارها توتيرا للأوضاع بين المكونات الكركوكية. والحق، حسنا فعل البرزاني في هذا الموقف خصوصا وانه التقى كل المكونات العراقية، واطمئن الجميع على ان المدينة للجميع.
بيد ان أيادي الفتن لم تقف عند حدودها ،وهناك من يريد استغلال الزيارة وتصنيفها ضمن التحدي، وهناك من يعتبرها مثيرة للنعرات، الا ان الواقع يقول بان البرزاني استطاع ان يبلسم الجراح في هذه الزيارة التاريخية لكركوك، تلك المدينة التي لم تنم على الهدوء ودائما تفعّل الأحداث الفتن والتفجيرات. ولا نستغرب ان البرزاني أراد إيصال رسالة من وراء الزيارة هذه مفادها ان واقع كركوك هو على عكس ما نسمعه ونراه على شاشة التلفاز. فالى جانب نصف الكأس الفارغ، هناك نصف آخر يجب إظهاره. في كركوك ثمة تعايش حقيقي وفاعل بين مكوناتها قائم على قدم وساق. ومن يوتر الأوضاع هناك هي ثلة لا يهمها مصلحة العراق الدولة، وهي ثلة لا تقف في حدود كركوك إنما أفعالها تمتد الى عمق المدن العراقية. فهمّها توتير الأوضاع، وهي تحاول إظهار العراق على انه بلد الفوضى والقتل.
في الحقيقة يريد الأكراد كركوك ولكنهم لا يريدون ان تكون كركوك لهم عبر طرق ملتوية غير قانونية وهم لا يريدون القرصنات كما تفعل بعض الدول التي ما انفكت وترسل رجال استخباراتها الى هناك.
والواقع ان قضية كركوك – وهو من مصلحة الجميع- يجب ان تحل، وان تأجيل حل مثل هذه القضية يزيد من التعقيدات خصوصا وان الأكراد يصرون على حل قضية كركوك وجميع المناطق المتنازع عليها.
والحق، بقي إصرار الاكراد بمطالبة كركوك منذ اتفاقية مارس/آذار الشهيرة ساري المفعول إلى يومنا هذا. وما ان خرج الأكراد من مفعول إلحاح الراحل الملا مصطفى البرزاني بتنفيذ بنود اتفاقية آذار بضم مدينة كركوك الى الإدارة الذاتية - في بداية السبعينيات القرن المنصرم بين الأكراد والنظام العراقي- والذي ظن الملا البرزاني ان طبقة النظام الحاكم في طريقها الى السقوط بسبب انقلاب صدام غير المباشر على قريبه، حتى اقتنع الأكراد ثانية (في بداية التسعينيات)، أي بعد عشرين عاما، بان غريزة البقاء في السلطة ما زالت قائمة وان صدام سيضحي بكركوك مقابل وقوف الأكراد في زاوية محايدة من صراعه مع المجتمع الدولي، الذي ما انفك يطالبه بكشف حجم ونوع سلاحه المتطور.
في السابق اعتبر الملا الراحل ان كركوك "قلب كردستان" ولا يمكن التخلي عن هذه المدينة، مثلما الإنسان لا يستطيع التخلي عن قلبه. والآن يرفض الأكراد التخلي عن المطالبة بكركوك تماما مثلما يرفض العرب الكف عن المطالبة بـ"القدس".
كما ان صدام من جهته خسر المعركة مع الأكراد وصار الصراع بينه وبين الأكراد حول عقدة كركوك سببا لقبوله الصفقة مع شاه إيران -أواسط السبعينيات- حيث تخلى صدام عن شط العرب مقابل ان يوقف الشاه دعمه للأكراد.
وبسبب كركوك وعدم وجود النضج السياسي في ذهنية الطبقة السياسية في ذلك الوقت، خسر العراق جزءاً من أراضيه ليصبح فيما بعد سببا لحروب دامية ومدمرة بين إيران والعراق دامت 8 أعوام، وخسر الأكراد احد أهم أعمدة عمارتهم السياسية مصطفى الملا البرزاني. حيث توفى نتيجة الصدمة التي لاقاها من الشاه والاميركيين، فوقع مريضا حتى وفاته في نهاية السبعينات، تماما كما حصل مع صدام حسين في بداية التسعينيات حيث لو وافق صدام على مطالب الأكراد في كركوك ونشر الديمقراطية وفتح صفحة جديدة مع الداخل والخارج لتغّيرت الأوضاع كثيرا وربما ما كانت تصل الأمور مع صدام إلى ما وصلت إليه في السنتين الأخيرتين. فعناده ورفضه للتعايش مع الأوضاع الجديدة، ورفض الواقع الجديد، كان سببا رئيسا في شن الأمريكيين حربا ومن ثم احتلال العراق وإعدام صدام حسين.
بيد ان الأوضاع تغيرت جزئيا على مستوى الخطاب السياسي بين طرفي المعادلة بعد الحرب الأميركية على العراق. فالأكراد من جهتهم أحدثوا تعديلات في خطابهم السياسي تجاه كركوك. ففي حين كانوا يرون ان كركوك عاصمة كردستان العراق، فانهم يرون الآن اربيل عاصمة الإقليم. ووافق البرلمان الكردي ان يتخلى عن كركوك كعاصمة لإقليم كردستان.
هذا فضلا عن أنهم (أي الأكراد ) نسجوا خطابا منسجما مع الذات والآخر (العربي) حيث قالوا ان كركوك إحدى المحافظات العراقية بهوية كردستانية، وهي تمثل العراق الأساسي وان مجمل المكونات فيها محكومة بالعيش المشترك، وانه لا يمكن لأي قومية ان تكون سيدا في كركوك مقابل تهميش مكون آخر.
ولا يخفى على احد تصريحات الاكراد الذين قالوا في أكثر من مرة بان نفط كركوك هو نفط كل العراقيين، وانهم (أي الأكراد) لا يطالبون بكركوك كون المدينة غنية بالنفط، إنما يصرّون على مطالبتها لأنها جزء لا يتجزأ من جغرافية إقليم كردستان .
وتاليا يرى الأكراد انه من حق المهجّرين الأكراد ان يعودوا الى مناطق سكناهم وان تستعاد ممتلكاتهم العقارية، وان يعاد العرب غير الأصليين الى مناطقهم الأصلية مع دفع تعويض لكل عائلة، لكنهم لم يشترطوا ان تعاد تلك العائلات العربية بشكل قسري وإجباري إنما بترك الأبواب مفتوحة لهم للاختيار ما بين كركوك ومناطقهم الأصلية.
والاهم ان الأكراد أصروا على الالتزام بالدستور العراقي، وحتى الآن لا يطالبون بشيء خارج الأطر الدستورية والقانونية. ففي حين كان الأكراد يرفضون أي كلام بخصوص هوية كركوك وافق الأكراد على تأجيل تنفيذ المادة (140) لمدة ستة اشهر. وتنص هذه المادة على تطبيع الأوضاع بين المكونات الكركوكية، وإجراء الإحصاء السكاني ثم إجراء استفتاء بين المكونات على ان يكون البت بمصير تلك المدينة بيد مكوناتها ومعبرا عن إرادتها لا ان تقره حكومة إقليم كردستان او الحكومة المركزية في بغداد.
أما العرب او بقية القوى العراقية، فمن جهتم غيروا نوعية خطابهم السياسي، فوافق العرب ان يتم النقاش حول كركوك سواء في مؤتمر لندن او اربيل –قبل سقوط النظام – وتجرأ الفرقاء في تخصص مادة في الدستور العراقي بشأن كركوك وتوابعها. في الدستور الانتقالي (58) وفي الدستور الدائم (140)على خلاف النظام السابق، وتوجد الآن أطراف عراقية لا ترى ضم كركوك الى إقليم كردستان بمثابة "جريمة" وهي ترى ان الحل الأفضل لصوغ عراق جديد يكمن في ضم كركوك الى الإقليم الكردي حيث قرار ضم كركوك سيحافظ على وحدة العراق ويمكنه من التلاحم الداخلي على عكس التصور الذي مفاده أن ضم كركوك معناه خطوة رئيسية في إعلان استقلال الأكراد. ثمة من يرى بانه دعم الحكومة المركزية للجنة تطبيع الأوضاع في كركوك تشوبه الضبابية والكثير من الالتباس، الأمر الذي يثير مخاوف الأكراد ويضعف ثقة الأكراد بالحكومة المركزية، حتى وان كان أحد أقطابها من الأكراد.
والحق ان استهتار الحكومة بالدستور أمر يثير الاستغراب، خصوصا ان تنفيذ الدستور هو جزء أساسي من وظيفة الحكومات. فعدم تنفيذ بنوده والعمل على ضوء ثقافتها، يعني ان الحكومة لا تعمل في الحفاظ على سيادة الدولة والحفاظ على النسيج الاجتماعي والسياسي.
يمكن القول ان هناك ثلاثة عوامل تسببت بتوتير الأوضاع وتصعيدها في كركوك:
الأول: خيبة أمل الأكراد من التقرير (المقترح) الذي قدمه دي متسورا (المبعوث الأممي) بشأن المناطق المتنازع عليها في العراق، حيث كان يشوبه السطحية وعدم الجدية تجاه وضع المكونات الكركوكية وباقي المناطق المتنازع عليها، ودي متسورا يعرف جيدا بأن مجمل مقترحاته لا تحل الموضوع بقدر ما تأزّمه على نحو أكثر عمقاً، وهذا يشي بان تقاريره القادمة سوف لن تكون أحسن حالا من تقريره الأول، ولعل رؤية دي متسورا مضافا إليه موقفه بشأن الانتخابات في كركوك، الذي نوه فيه بإيجاد التوافق قبل إجراء الانتخابات، يثير مخاوف الأكراد ويخيب آمالهم من جديد، خصوصا وان للأكراد تجربة مرّة مع المنظمة الأممية.
الثاني: القرار الذي اتخذه مجلس النواب العراقي، والذي وصفته غالبية القوى العراقية بأنه غير دستوري، والذي ترافق بانسحاب كتل أساسية من جلسة البرلمان، عدا عن شكل التصويت وحجم الحضور اللذين لم يكونا منسجمين مع وضع معقد كوضع انتخابات المجالس المحلية، الأمر الذي دفع الأكراد الى إعادة حساباتهم وفهموا بان السياسة الموضوعية لا تشكل دوماً حلاً أمام وجود السياسة المتزمتة والتي ترفض الواقع والآخر معاً.
الثالث: منع على الأكراد ممارسة حقوقهم الدستورية والقانونية في التظاهر، الأمر الذي أثار مخاوفهم ونبههم بان بعض الفرقاء العراقيين لا ترفض بعض بنود الدستور فحسب، و إنما تمارس في حقهم سياسة الإقصاء الكلي، واعتبر الأكراد ان ما جرى في كركوك كان مؤامرة فظيعة لها امتدادات ليست محلية فحسب وإنما إقليمية ودولية.
هناك اعتقاد في الذهنية السياسية الكردية بأن هناك عاملين يحولان دون استتباب الاستقرار في العلاقة الكردية مع المكونات العراقية الأخرى، أولهما: ان السلطة التركية ليست بعيدة عن كل ما يحصل في كركوك من زعزعة الوضع الأمني وفق سيناريو مرسوم للاستيلاء على كركوك، وذلك لبسط سيطرتها على هذه المدينة وإجبار القيادات الكردية على الإمتثال الكامل أمام إرادة أنقرة.
ثانيهما: تركة النظام السابق (الأيديولوجية والثقافية) تحول دون حدوث التفاهم بين الأكراد والعرب حول كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها.
ويرى الباحثون الأكراد ان الوثائق والدلائل التاريخية والاستكشافات الأثرية تثبت بوضوح ان مدينة كركوك كردستانية. واتى في كتاب (تاريخ العراق السياسي - حسن ظاظا) بان الدلائل التاريخية تؤكد، بأن مدينة كركوك الحالية هي كانت "اربخا أو ارنا" وذلك منذ عام 2216-2210 قبل الميلاد.
وكذلك يعيد المؤرخون تاريخ قلعة كركوك الأثرية إلى خمسة آلاف سنة قبل الآن. ولعل أعمال التنقيب في هذه المدينة العريقة تاريخياً وأطرافها الكردية تثبت بأنها "موطن كردي القديم" بقرائن حقيقية دافعة ان هذه المدينة وقلعتها كانت عاصمة "الكوتيين" وهذا يعني بحسب ذاك الكتاب بان المدينة كردية كون "الكوتيين" أجداد الأكراد القدامى.
بدا أن الذهنية السياسية تلك والرموز الجغرافية وأوراق التاريخ غير كافية لتغيير الذهنية المجتمعية في العراق. ولعل المجزرة الأخيرة في كركوك تلخص لحجم الشعور المجتمعي المحمّل بالعنصرية والشوفينية وبضيق الأفق! والتساؤل الكبير الذي يطرح نفسه (هنا) ترى ما الذي ينتظره العراق من المستقبل؟ الى متى سيبقى العراقيون أسرى تركات الماضي وتداعياتها الانتقامية؟ الم يأت الوقت ليجلس العراقيون على طاولة مستديرة ويعيدون الحق الى أصحابه؟ سؤال برسم القوى العراقية.

فاروق حجي مصطفى، كاتب سياسي كردي سوري