موريتانيا: جيش الدولة ام دولة الجيش؟

بقلم: نقولا ناصر

ينكأ الانقلاب العسكري الموريتاني، الذي جرى اوائل الشهر الجاري، جراحا عربية وطنية وقومية و"ديموقراطية" لها اول وليس لها اخر في الفترة الفاصلة بين انسحاب الاستعمار الاوروبي المباشر للوطن العربي وبين الاحتلال الاميركي المباشر او المستتر الذي ورثه خلال الستين عاما المنصرمة هي عمر دولة المشروع الصهيوني في فلسطين التي كان الصراع العربي معها السبب الاقليمي الرئيسي لتعطيل التنمية والديموقراطية ومسوغا لدور للجيوش العربية ما كانت ستحظى به لولا هذا الصراع. وهذه جراح لم تحظ حتى الان بتقويم علمي موضوعي يستخلص العبر والدروس بالرغم من وفرة الدراسات الجادة ومراكز الابحاث العربية. غير ان الانقلاب الموريتاني يثير ايضا قضايا ساخنة حاليا مثل طول بقاء القادة الذين حملتهم الدبابات الى الحكم وعبادة الشخصية المنبثقة عن ذلك ومثلها توريث الحكم في الانظمة الجمهورية، وكل هذه القضايا وغيرها لها علاقة وثيقة بالاجابة على سؤال رئيسي هو: هل الجيوش في الدول العربية هي جيوش الدولة ام ان هذه الدول هي دول جيوشها؟
والوضع الطبيعي هو ان تكون للدول جيوشها التي تأتمر بأوامر ممثلي الارادة الحرة لشعوبها لا العكس. والمثال الاقليمي البارز على "دولة الجيش" هو دولة الاحتلال الاسرائيلي التي نشأت مؤسستها العسكرية قبل قيامها بحيث زاد عديد مقاتلي هذه المؤسسة على اجمالي عديد جنود سبع دول عربية ومعها المجاهدون من عرب فلسطين الذين حاولوا جميعا في سنة 1948 منع هذه المؤسسة من اقامة دولتها بين ظهرانيهم وفشلوا. ومن الامثلة الاقليمية الاخرى دولة الجيش التركية ونظيرتها الباكستانية. فالجيوش في هذه الدول هي التي وضعت دساتيرها ونظم الحكم فيها وهي التي ما زالت تقف "حارسة" على هذه الدساتير والنظم لكي تتدخل بالانقلاب العسكري المباشر او غير المباشر كلما توقعت ان الارادة الشعبية على وشك تعديل او تغيير هذه النظم تغييرا ينهي الدور القيادي للمؤسسة العسكرية او يحد منه. ومن المعروف ان دولة الاحتلال الاسرائيلي لا دستور لها حتى الان لانه لا حدود لها حتى الان يتم النص عليها في الدستور مثلما هو الحال في كل دول العالم فحدودها هي الخطوط التي تقف عندها قواتها المسلحة، كما انها لم تعرف الانقلابات العسكرية في شكلها المباشر المعروف لكن اسحق رابين، رئيس وزرائها الذي بدا عملية اقليمية يمكنها ان تفضي الى ترسيم حدود كهذه كان مصيره الاغتيال.
والجيش الموريتاني يندرج في اطار الجيوش التي أنشأت دولة.
ان دولة الجيش الموريتاني، التي وقفت الى جانب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين اثناء "العدوان الثلاثيني" على بلاده عام 1991 بعد اجتياح الكويت في العام السابق قبل ان تغير اتجاهها مائة وثمانين درجة لكي تتبادل السفراء والاعتراف الدبلوماسي مع دولة الاحتلال الاسرائيلي عام 1999، اعلنت عن انشاء "مجلس دولة" عسكريا بعد الانقلاب، وكانت المفارقة المضحكة المبكية معا ان "وزير الثقافة" في الحكومة المدنية المنتخبة التي اعتقل الانقلابيون رئيسها ورئيس وزرائها هو الذي قرأ على شاشة التلفاز بيان قادة الانقلاب بان المرسوم الرئاسي الذي اصدره الرئيس المعتقل بعزلهم من مناصبهم وتعيين غيرهم من قادة الجيش فيها هو مرسوم باطل "قانونيا وعمليا"، فعسكرييو موريتانيا، ذات التاريخ الطويل من الانقلابات العسكرية، قد الفوا وضعهم منذ الاستقلال عام 1960 بان مؤسستهم العسكرية هي مصدر الدستور ومرجعية القوانين و"مانحة" الديموقراطية.
ويبدو ان بعض القوى الحزبية "الديموقراطية" التي كانت مشاركة في الحكومة والبرلمان المنتخبين التي تقف الان الى جانب العسكريين الذين انقلبوا عليهما قد الفت ايضا هذا الوضع، بينما استكان له فقراء موريتانيا و"عبيدها" ومعظم جماهيرها بحيث لم يعودوا يبالون بمن يجلس في قصر الرئاسة وفي دار الحكومة، لكي تؤكد هذه الالفة واللامبالاة بان تحويل الجيش الموريتاني الى جيش للدولة وانهاء حقبة استمرت قرابة نصف عقد من الزمن كانت الدولة الموريتانية خلالها هي دولة الجيش هي عملية وطنية صعبة بحاجة الى نضال شعبي وديموقراطي طويل ليس في موريتانيا وحدها بل في كل البلدان حيث الجيش هو الدولة والدولة هي الجيش.
والموضوعية تقتضي توضيح ان ظروفا قاهرة هي التي منحت مثل هذه المكانة للجيوش الوطنية بعد الاستقلال ومنها ان "الدول" المستعمرة القديمة لم يكن من مهامها بناء دول في البلدان التي تستعمرها بل حرصت فقط على انشاء مؤسسات "حكومية" و"أمنية" تساعدها في اطالة امد استعمارها من ناحية وتعطي وجها "وطنيا" خادعا لوجهها القبيح تحكم من ورائه من الناحية الاخرى، مثلما هو الحال في العراق تحت الاحتلال الاميركي اليوم. ولم تخلف وراءها بعد رحيلها اية بنى تحتية "للدولة" الوطنية ولم يبق بعدها سوى بيروقراطية حكومية دون اية مؤسسات قادرة على فرز حكومات تقف على رأسها، وكانت الاجهزة الامنية هي الوحيدة التي تعمل بشكل مؤسسي لكي تتحول بهذا القدر او ذاك وبهذا الشكل او ذاك الى جيوش وطنية فرض الامر الواقع عليها مهمة بناء "الدولة الوطنية"، وبغض النظر عن الفردية والفئوية وما يرتبط بتجهيزها من ثغرات واسعة تفتح للفساد وغير ذلك من السلبيات فان هذه الجيوش تحولت الى عماد للوحدة الوطنية في حقبة تستشري فيها الطائفية والقبلية والحزبية والنفخ في نار الصراع بين الاقليات على انواعها تحت شعارات "الديموقراطية التعددية" التي يروجها المحتلان الاميركي والاسرائيلي في المنطقة بينما تحظر دولة الاحتلال الاميركي بخاصة حتى ذكر "ديانة" مواطنها في قوانينها الداخلية.
ولم تتحول مؤسسة الجيش الوطني الناشئ الى كونها هي مؤسسة "الدولة" في حالتين الاولى في انظمة الحكم الوراثية والثانية في انظمة الحكم التي فرضت فيها الارادة الشعبية حزبا "قائدا" او "واحدا"، وفي الحالين الحق الجيش والمؤسسات الامنية بالاسرة الحاكمة او بالحزب ياتمر بأمرهما. وفي الحالة الاولى دخل الجيش في صراع مع الأسر الحاكمة ففشل في انتزاع السلطة في بعض الحالات ونجح في الاستيلاء على السلطة في حالات اخرى، لكن في الحالات التي فشل فيها لم يسلم الجيش من توظيفه في خدمة ظاهرة "انقلابات القصر". وفي الحالة الثانية، سواء في البلدان التي استبدل الجيش فيها نظام الحكم الوراثي بآخر جمهوري، اما في البلدان التي لم يكن فيها حكم وراثي اصلا ليتوارث "الحزب" فيها الحكم، برزت ظواهر "عبادة الشخصية" فطغت على الجيش والحزب معا لا بل وظفتهما في خدمة ظاهرة البقاء "حتى الموت" في سدة الحكم التي بدات تفرز بدورها ظاهرة "توريث" الحكم "الجمهوري". لكن في كل الحالات "العربية" ما زال الجيش هو الدولة وما زال بشكل مباشر او غير مباشر هو من يقرر "تبادل السلطة" وسوف يظل كذلك حتى يتم الفصل بين الجيش وبين الدولة وحتى تنتهي ظاهرة "دولة الجيش" وتبدأ حقبة "جيش الدولة" في الاقطار العربية وذلك، لاسباب غنية عن البيان، لن تتوفر له الظروف الموضوعية الا في دولة الوحدة او الاتحاد العربي.
ان ثقة المؤسسة العسكرية الموريتانية، على سبيل المثال، في مكانتها "الفوقية" التي تمنح "الديموقراطية" وتحجبها وقتما تشاء ظهرت متعجرفة في بياناتها الاولى بعد الانقلاب الاخير لكي تعد باجراء انتخابات جديدة بسرعة وفي اطلاق "عملية ديموقراطية" في البلاد و"اعادة صياغتها" بشكل يضمن ديمومتها دون ان توضح ما هي الضمانات لعدم انقلابها على نتائجها مرة اخرى غير افتراضها الخاطئ بان طول فترة تمترسها في هذه المكانة منذ الاستقلال يقتضي ثقة الشعب في حسن نواياها، ودون ان توضح ايضا ما اذا كانت الانتخابات الموعودة ستجري قبل ام بعد اطلاق الحريات العامة والافراج عمن اعتقلوا بعد الانقلاب وعمن سيعتقلون لاحقا ممن يعارضونه، وايضا دون ان توضح ما اذا كان للشعب أي دور في المشاركة في اعادة صياغة العملية الديموقراطية ام انها ستقدم له هذه الصياغة كـ"هدية انجاز عسكري" ديموقراطي تمنع تكرار "الازمة السياسية" التي اتخذت منها ذريعة لانقلابها الجديد.
غير ان المؤسسة العسكرية الموريتانية التي تتكرم على شعبها بانتخابات دون ان توضح علاقة الحريات العامة بها تدين للمراقب بحقها في المقارنة مع انتخابات تجري في ظروف مماثلة او أسوأ في الوطن العربي، مثل الانتخابات التي تجري تحت حراب الاحتلال والقصف الجوي والمدفعي للمدن والاحياء المدنية في العراق وفي فلسطين او مثل تلك الموعودة في اليمن، حيث تتغول المؤسسات الامنية والجيش، صاحب الفضل في وحدة الوطن وتوحيده، على الحريات العامة تحت ضغوط حرب محلية في الشمال وازمة وطنية في الجنوب وازمة سياسية واقتصادية عامة، بينما الارهاب يزيد طين الحريات العامة بلة باستغلاله لكل هذه الازمات، الخ.
لكن مثل هذه المقارنات ليست مسوغا لا للانقلاب ولا لانتخابات في ظل غياب الحريات العامة في موريتانيا التي كادت تجربة العام الماضي الديموقراطية فيها تتحول الى قدوة عربية كادت بدورها تحول الجيش الموريتاني الوطني الى مثال يحتذى للجيوش الشقيقة تشجعها على التحول الى جيوش لدولها وشعوبها بدل دورها الحالي كبديل لدولها وشعوبها.

نقولا ناصر، كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com