المروحة

قصة قصيرة: محمد عطية محمود
اشتد شعوره بالحر

استلقى العنق على كتفه .. تشبث به ذراعه .. اندفعت خطواته هاربة من صهد الشارع الضيق، نحو طريق الترام .. يهتز جسمها على أعلى صدره .. يزداد التصاق قميصه بجسده غير المتوقف عن ضخ قطرات عرقه. منذ سنين طويلة، لم تبرح مكانها فوق الدولاب .. تقلّب الهواء المتسرب إلى الحجرة .. تنشره في فضائها، وإن كان شحيحآ تنقصه النداوة. لكنها على أية حال تجمّع الكل في الحجرة، وتغيَّر ما تيسر من طقس الشقة الصغيرة، الغاطسة في آخر ممر الدور الأرضي، بشبابيكها المطلة على المنور. على طوار المحطة، اشتد شعوره بالحر .. تلزجت حبات عرقه .. افترشت وتلاحمت؛ لتفترس جُل قميص، وشقت قطرات أخرى مجراها نحو أسفل ظهره.
تململ. زفر. تسرب الإجهاد إلى ذراعه الملتف حول عنقها. طقطق جسمها على كتفه. شرع يبدّل مكانها؛ تطوح إطارها المعدني، الذي يغالب لونه الفضي الصدأ. انكفأ العنق مستلقيآ على الكتف الآخر .. تداخل شعر رأسه فيما بين أسلاك الإطار. سرت في قعر رأسه قشعريرة. أحس بأشياء مبهمة تسعى بين خصلات شعره.
تقلصت ملامح وجهه، الذي احمَّر مغمورآ بالعرق. رفع يده متثاقلة نحو رأسه، ثم خفضها في ضيق.
تثاقلت الدقائق دون حلول الترام، أو إشارة بعيدة على قدومه. اقتعد الكرسي الخرساني تحت المظلة التي لا تحجب لفح الشمس. انتقلت المروحة؛ لتستقر ـ بعد تنهيدة من صدره ـ بقاعدتها على حجره.
تلفت ممتعضآ .. يعض على نواجذه. ألحَّت عليه رغبة في العودة بها مرة أخرى. اقتحمت أنفه رائحة احتراق محركها من مؤخرتها المدببة، وقفزت أمام عينيه جدران حجرته الضيقة. كانت صيانتك لها ـ بعد كل صيف ـ لا تتعدى فكها في مكانها .. إزالة التراب العالق بأسلاك إطارها، والملتصق بريشتها المعدنية البادئة حوافها في التآكل لكنها لا تزال صامدة .. تكييسها في كيسها الأصلي، المتعافي، رغم صفرته الكابية وكرمشته، وإنزال صندوقها الكرتوني عليها؛ لتغيب عن الوجود حتى الصيف الذي يليه. أحاط به تمامآ، شعوره بالقيظ؛ فانتفض ملسوعآ بحرارة مقعده. احتضنها بين ذراعيه .. تقدم بها حتى بلغ نهاية الطوار. تمهل .. تلفت، قبل أن يعبر بها شريطي قضبان الترام الملتمعة بأشعة الشمس.
يمم باتجاه الظل. تناوبته مساحات الظل الساخنة، ومساحات الشمس اللافحة؛ فسار تحتدم بداخله أحاسيس متضاربة.
على حافة رصيف، أمام محل مسدل بابه المتعرج حتى منتصف ارتفاعه، جلس غارقآ في عرقه، مباعدآ بين ساقيه الممددتين على أرض الشارع .. يبحث عن أنفاسه .. تستقر المروحة ـ بعدما تطوَّح إطارها عدة مرات ـ بقاعدتها إلى جواره، ساكنة، على بلاط الرصيف. محمد عطية محمود ـ الإسكندرية ـ يوليو/تموز 2008